عربي English עברית Deutsch Italiano 中文 Español Français Русский Indonesia Português Nederlands हिन्दी 日本の
  
  

تحت قسم أعمال القلوب
الكاتب الشيخ د. خالد بن عبدالرحمن الشايع
تاريخ الاضافة 2017-09-30 21:59:42
المشاهدات 954
أرسل الى صديق اطبع حمل المقال بصيغة وورد ساهم فى دعم الموقع Bookmark and Share

   


إنَّ الحمدَ لله، نَحمَده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يَهده الله فلا مضل له، ومَن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومَن تبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أما بعدُ:

فإنَّ الله جل وعلا قد كمَّل نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم، وشرَّف مقامه وعظَّم جنابه، وأوجب على الناس كافة اتباعه، وقد حاز الفضل والشرف كل مَن اتَّبعه، واقتفى أثره، فإنَّ الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ﴾ [النور: 54]، ويقول عزَّ من قائل: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21].

وإنَّ المتأمل في سيرة هذا النبي الكريم وفي شمائله الحميدة وصفاته الشريفة، يُدرك ما حباه الله تعالى من أنواع الكمالات، وما أيَّده به من المعجزات، وما عظَّم به جنابه وشرَّف مقامه، وهذا يوجب على المسلم أن يكون قريبًا من هذه السيرة الشريفة؛ لأنها تُبيِّن المنهج الذي ينبغي أن يكون عليه المؤمن في عبادته لربه، وفيما يمضي فيه حياته، حتى يصل إلى تلك الدرجة التي أمر الله تعالى بها: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأنعام: 162، 163].

وإن تفاصيل سيرة نبينا عليه الصلاة والسلام كلها آيات وعبر، وكلها خير وبِشر، سيرة شريفة كريمة، لا يَملِك المتأملُ فيها إلا أن يُعظِّم جناب هذا النبي الكريم، وأن يَحمَد الله تعالى أن جعَله من أتباعه، وأن يبذل قُصارى جهده لاقتفاء أثره، صلوات ربي وسلامه عليه.

وفي هذه الدقائق نقف وإياكم أيها الإخوة المؤمنون بصحبة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في مرحلةٍ من مراحل هجرته من مكة إلى المدينة، فإنَّ هذه الهجرة الشريفة التي أذِنَ الله تعالى بها لنبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم فيها آياتٌ وعبر، وفيها دلائلُ وبِشر، ينبغي أن تكون محلَّ العناية والاستفادة والتأمُّل.

ومن جمله ما كان في مسير نبينا عليه الصلاة والسلام، وسيره من مكة إلى المدينة - أنَّه مرَّ بسيدةٍ من سيدات العرب وامرأةٍ من كرامهم، هذه المرأة التي مرَّ بها النبي صلى الله عليه وسلم ولم تك إذ ذاك مسلمة، ولكنها رأت من هذا الرجل النبي العظيم محمد صلى الله عليه وسلم، ما أوجب عليها أن تؤمن به وتُصدِّقه، لما رأته من مخايل النبوة والمعجزات العظيمة التي باتت تَتْرَى بين ناظريها، وجزى الله هذه السيدة الكريمة خير الجزاء وأوفاه، فإنها أُوتيت من البيان شيئًا عظيمًا، حينما وصفت نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم وصفًا دقيقًا، يَعجِز عن أن يقول مثلَه كبارُ البلغاء.

وتأمل يا عبد الله حينما تسوق هذه المرأة هذه الصفات لنبيك محمدٍ عليه الصلاة والسلام، تأمَّلها، ولتكن على حضور ذهنٍ منك، لعل الله تعالى يوفقك لأن تُدرك هذه الصفات التي ذكرتها هذه المرأة، فتكون حاضرة في ذهنك، لعل الله يُكرمك برؤية نبيك محمد عليه الصلاة والسلام في المنام، فإن رأيته على هذه الصفات فقد رأيته كذلك، ويا بشراك، فإن رؤية النبي عليه الصلاة والسلام في المنام إذا رآه المؤمن على صفاته رؤية حق؛ لأن الشيطان لا يتمثل به كما قال عليه الصلاة والسلام، ولعلها أن تكون مقدمةً لرؤيتك يا عبد الله لهذا النبي الكريم، حينما تَقدُمُ على حوضه الشريف، فتنال هذه البركة العظمى والسعادة الكبرى التي لا تظمأ بعد شربك من حوضه أبدًا، جعلنا الله وإياكم كذلك.

هذه المرأة وهي السيدة عاتكة بنت خالد، وعُرِفت بكُنيتها أم معبد رضي الله عنها وأرضاها، وقد أورد حديثها عدد من الأئمة في مُصنَّفاتهم، فحديثها حديثٌ صحيحٌ بشواهده؛ حيث رواه الإمام البغوي في (شرح السنة)، وفي كتابه (الأنوار في شمائل النبي المختار)، وخرَّجه الحاكم في (المستدرك)، وقال عنه الحافظ ابن كثير رحمه الله: إنه مشهور ومروي من طرق يشد بعضُها بعضًا.

تقول أم معبد رضي الله عنها: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخرج من مكة خرج مهاجرًا إلى المدينة، هو وأبو بكر رضي الله عنه، ومولى أبي بكر وهو عامر بن فهيرة، ودليلهما عبدالله بن أريقط الليثي، مرُّوا على خيمتي أم معبد الخزاعية - وكانت برزة؛ تعني: أنها كانت امرأة كهلة كبيرة في السن، لا تحتجب احتجاب الشواب، تحتبي بفناء الخيمة، ثم تسقي وتطعم - فسألوها لحمًا وتمرًا ليشتروا منها، فلم يصيبوا عندها شيئًا من ذلك، وكان القوم مُرملين مُسنتين؛ يعني: أنه قد نَفِدَ زادهم، وأصابهم القحط، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاةٍ في كسر الخيمة - يعني في جانبها - فقال: ما هذه الشاة يا أم معبد؟ قالت: شاةٌ خلفها الجهد عن الغنم - تعني أنها هزيلة لا تقدر على المشي مع الغنم للرعي - فذهب الغنم وبقِيت هي، قال عليه الصلاة والسلام: (هل بها من لبن؟) قالت: هي أجهد من ذلك، تعني أنها لضعفها لا يمكن أن يكون بها من لبن، فقال عليه الصلاة والسلام: (أتأذنين لي أن أحلبها؟)، وتأملوا في هذا الأدب النبوي العظيم، حينما يستأذن من هذه المرأة في حلالها، ولا يهجم عليه، ولا يتصرَّف تصرف الفضولي، مع أنه يعلم أنه مهما أتى شيئًا مما للمسلمين، أو ممن يعظمونه ويجلونه كحال هذه المرأة، فإنهم لن يمانعوا، بل إنهم فرحون محبورون.

وتأملوا هذا النبي الكريم حينما ينادي هذه المرأة بكُنيتها أم معبد احترامًا وإجلالًا وتقديرًا، وهكذا ينبغي أن يكون المؤمن لطيفًا مقدرًا لكل مَن يلتقي بهم، لا من رجل ولا امرأة، لا من مسلم ولا غير مسلم، فهذا حق ينبغي أن يصدر من الإنسان الذي تمثل أخلاق الإسلام، أن يقدِّر من يلتقي به، وأن يتحدث معه بما يليق.

فلما استأذن عليه الصلاة والسلام: أتأذنين لي أن أحلبها؟ قالت: بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلبًا، فاحلبها.

وتأملوا هذه المرأة حينما تفدي رسول الله بأبيها وأمها، مع أنه أول لقاء بينهما، وما ذلك إلا لأنه أسَر قلبها، وحلَّ بسويدائه حبًّا وتقديرًا لأمرين: لَما رأت عليه من مخايل النبوة ومهابة الفضل والشرف، ولما كان يتعامل معها من أدب واحترام، بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلبًا فاحلبها، فدعا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمسح بيده ضرعها، وسمى الله جل ثناءه، ودعا لها في شاتها، فتفاجَّت عليه؛ أي: فتحت ما بين رجليها للحلب؛ لكثرة ما اجتمع في ضرعها من اللبن ببركة دعائه ومسحه عليه الصلاة والسلام، قالت: ودرَّت واجترت، فدعا بإناء يُربض الرهط؛ تعني إناء يكفي لإشباع رهطٍ من الناس من ثلاثة إلى عشرة، حتى إنهم إذا شربوه تثاقلوا، فربضوا وناموا لكثرة ما شربوا، قالت: فحلب بها ثجًّا؛ أي: إن الحليب يصب من ضرعها ويسيل سيلانًا لوفرته حتى علاه البهاء؛ أي: إنه امتلأ الإناء بهذا الحليب، وصار أعلاه رغوة اللبن اللامعة، قالت: ثم سقاها حتى رويت، سقى رسول الله أم معبد حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب آخرهم.

فما أعظمه من تواضع وما أكرمه من تعامل! بدأ بصاحبة الدار، ثم أعطى أصحابه، يخدمهم وهو أشرف الخلق، ثم شرب بعدهم، فلم يتقذر مما شربوا، وهو القائل: (إن سؤر المؤمن لا ينجس)، فهذا تواضع جم، وخلق أشم من هذا النبي الكريم صلوات ربي وسلامه عليه.

قالت أم معبد: ثم أراضوا؛ أي: شربوا مرة بعد مرة، وهو ما يسميه العرب العلل بعد النهل، قالت: ثم حلب فيه ثانيًا بعد بدءٍ حتى ملأ الإناء، ثم غادره عندها، وبايعها وارتحلوا عنها، فقلَّ ما لبث حتى جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزًا عجافًا، بدت عظامها لهزالها وضَعفها، يتساوكن هزالًا، مخهن قليل، تتمايل هذه الأعنز من شدة الضعف، تقول: إنه أتى ضحًى وذكرت رضي الله عنها، قالت: إن مخهن قليل وذلك لضَعفهن، وما هم فيه من الجدب، فلما رأى أبو معبد اللبن عند زوجه أم معبد عجب، وقال: من أين لكِ هذا اللبن يا أم معبد، والشاء عازب؛ يعني: أنها بعيدة العهد عن الرعي، لا يمكن أن تدرَّ لبنًا؟! قال: والشاة عازب حيال، إنها أيضًا لم تحمل حتى يكون فيها هذا الحليب؛ لأنه من المعلوم أن الحليب واللبن يثج من ضرع الشاة وما أشبهها بعد ولادتها، فهذه عنز لم تحمل حتى يثج ضرعها وهي كذلك أيضًا ضعيفة هزلى، يقول رضي الله عنه: من أين لك اللبن والشاة عازب حيال لا حلوب في البيت؟ قالت: لا والله إنه مرَّ بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا، قال: صفيه لي يا أم معبد، قالت: رأيت رجلًا ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، لم تعبه فجله؛ أي: ليس بضخم البطن، ولم تزر به صقله ليس بنحيل، وسيم قسيم؛ تعني: حسنٌ وضيءٌ بيِّن الحسن، في عينيه دعج؛ تعني: بذلك شدة سواد العين، وفي أشفاره وطف، تقصد أن شعر رمشه طويل منثنٍ، وفي صوته صحل؛ تعني: بذلك حدة وصلابة من غير شدة، وهي كما يقول العلماء: البحة اليسيرة، وهي أبلغ في الصوت من أن يكون حادًّا، قالت: وفي عنقه سطع؛ تعني: بذلك أن في عنقه شيئًا من الطول، وكذلك نور وبهاء، وفي لحيته كثاثة تعني كثرة والتفاف، أزج أقرن؛ تعني: بذلك أنه متقوس الحاجبين مع طولهما ودقتهما واتصالهما، تقول رضي الله عنها: إن صمت علاه الوقار، وإن تكلم سما؛ أي: ارتفع برأسه وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأجلاه وأحسنه من قريب، حلو المنطق، فصلٌ لا نزر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرنَ، تصف بذلك كلامه في حسنه وبلاغته وفصاحته وبيانه وحلاوته، قالت: تصف الرسول عليه الصلاة والسلام: ربعةٌ لا يأس من طول؛ أي: إنه إلى الطول أقرب ولا تقتحمه عين من قصر، لا تحتقره العين حين تشاهده؛ لأنه إلى الطول أقرب، وليس بالقصير، بل هو مهاب مقبول، قالت: غصنٌ بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرًا، وأحسنهم قدرًا، له رفقاء يحفون به، إن قال أنصتوا لقوله، وإن أمر تبادروا لأمره، محشود محفود، وتعني بذلك أن أصحابه يجتمعون عليه ويخدمونه ويسرعون في طاعته، وما ذلك إلا لجلالته عندهم، وعظمته في نفوسهم، ومحبتهم له، قالت أم معبد: لا عابس ولا مُفند صلى الله عليه وسلم، العابس هو الكالح الوجه، والمفند هو المنسوب إلى الجهل، وقلة العقل، وتعني بذلك أنه كان جميل المعاشرة حسن الصحبة، صاحبه كريم عليه، وهو حبيب إليه صلى الله عليه وآله وسلم.

فقال أبو معبد بعد أن سمع هذا الوصف البليغ: هو والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر بمكة، ولقد هممت أن أصحبه ولأفعلنَّ إن وجدت إلى ذلك سبيلًا.

تأملوا هذا العقل الراجح لما سمِع من هذا الخبر عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم والمعجزات التي تحدث تترى بين يدي زوجه، والوصف البليغ الذي هو وصف مقام النبوة ووقارها، تمنى صحبته وأقسم أن يصحبه، فهذا هو الشرف الرفيع والمقام العالي البليغ.

جاء في تمام الحديث بعد أن قال أبو معبد ما قال: ولا أفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلًا، وأصبح صوت بمكة عاليًا يسمعون الصوت ولا يدرون من صاحبه، وهو يقول:

جزى الله رب الناس خير جزائه
رفيقين قالا خيمتي أم معبد
هما نزلاها بالهدى واهتدت به
فقد فاز من أمسى رفيق محمد
فيا لقصي ما زوى الله عنكم
به من فعال لا يجازى وسؤدد
ليهن بني كعب مقام فتاتهم
ومقعدها للمؤمنين بمرصد
سلوا أختكم عن شاتها وإنائها
فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد
دعاها بشاة حائل فتحلبت عليه
صريحًا ضرة الشاة مزبد
فغادرها رهنًا لديها لحالب
يرددها في مصدر ثم مورد

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

يقول الحافظ البغوي رحمه الله وقد أورد هذا الحديث في شرح السنة، أورد ما قالته أسماء رضي الله عنها: لما سمعنا هذه الأبيات وهذا الكلام، عرفنا حيث وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن وِجهته إلى المدينة، وتعني بذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج مع أبيها أبي بكر، لم تعرف أين ستكون وجهته ومهاجره؛ لأنه كان أمرًا مخفيًا عنهم، لكنهم لما سمعوا هذه الأبيات علموا أن وجهته إلى المدينة.

وبعد أيها الإخوة الكرام، هذا جانب من وصف نبينا وسيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم، وما أبلغ ما جاء في هذه الأبيات: (قد فاز من أمسى رفيق محمد)، فاز كل الفوز من لقيه وآمن به، وفاز فوزًا عظيمًا من آمن به ولم يلقه، وأعظم الناس فوزًا من اقترب من سنته وسيرته، وعظَّم حبه في قلبه، حتى كان أحب الناس إليه، وتمنى رؤيته بأهله وماله وولده؛ كما أخبر عليه الصلاة والسلام، قد أمسى فائزًا من تمنى وطبَّق رفقة محمدٍ عليه الصلاة والسلام.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بهدي النبي الكريم، أقول ما سمعتم وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وصلى الله وسلم على عبد الله ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أما بعد:

هكذا أيها الإخوة الكرام، كما حصل لأم معبد رضي الله عنها حينما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بساحتها، وحلَّ بخيمتها، حلَّت البركات، وهذا ليس لأم معبد وحدها، بل هي بركاته صلى الله عليه وسلم التي أفاءها الله على العالمين، فإن بعثته رحمة للناس كافة؛ كما قال الله جل شأنه: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107]، بركاتٌ أولى الناس بها من اقترب منه عليه الصلاة والسلام، ومن كان حريصًا على متابعته والاهتداء بهديه، ولذلك فإن الناس يتفاوتون في قربهم من نبيهم محمد عليه الصلاة والسلام بحسب اقتفائهم لأثره واتباع سنته، وتعظيم جنابه والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الأعراف: 157]، فليكن هذا الأمر عندك يا عبد الله حاضرًا في كل لحظة تأمل في مسالكك: هل أنت ممن عظَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحبه حق الحب؟ إنه ليس شيء يُدعى، ولكنه شيء لا بد أن يصدَّق بالأفعال والأقوال، هل أنت ممن إذا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بادرت بالصلاة والسلام عليه، وحضر في خاطرك الشوق للقائه، وتمنِّي رؤيته، أم أنك لا تحفل بذلك؟ كل هذه أمور فيصلٌ في هذه الدعوى؛ حب رسول الله: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ﴾ [آل عمران: 31].

أيها الإخوة الكرام، إن المتأمل في أحوالِ الأمة منذ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن العين لا تخطئ أن أعظم الناس وأشرفهم وأجلهم مقدارًا وفخارًا هم الذين اتبعوه واقتدوا آثاره، وعملوا بسنته ونشروها بين الناس، ودافعوا عن جنابه الشريف؛ لأن الله جل وعلا جعل هذه الأمور هي المعيار للفلاح: ﴿ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الأعراف: 157]، ليس الفلاح ولا السؤدد بمال ولا جاهٍ ولا منصب، ولا رتب ولا مراتب، ولكن الفلاح كل الفلاح والفخار كل الفخار، هو باتباع هذا النبي الكريم، وأن يكون الإنسان منطبقة عليه هذه الصفات التي ذكرها ربنا جل وعلا في هذه الآية الكريمة: ﴿ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾.

وبعد أيها الإخوة المؤمنون، فهذه أم معبد رضي الله عنها لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحظاتٍ يسيرات لو قدرناها بوقتنا، لكانت لا تجاوز الساعة أو شيئًا يسيرًا، لكنها رضي الله عنها سجَّلت هذه الواقعة، فلم تزل مسطرة في كتب الأئمة، مشروحةً مُبيَّنًا فيها ما وصفت به رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أُوتيت من البيان، وقد عاشت أم معبد رضي الله عنها بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، وكان الصحابة يقدِّرونها ويعرفون لها فضلها، جاء عن هشام بن حرام عن أبيه أن أم معبد كانت تُجرى عليها كسوةٌ وشيء من غلة اليمن وقطران لإبلها، فمرَّ عثمان رضي الله عنه مرةً، فقالت له: أين كسوتي؟ وأين غلة اليمن التي كانت تأتيني؟ قال لها رضي الله عنه: هي لك يا أم معبد عندنا، واتبعته حتى أعطاها إياها.

وذكر أيضًا فيما ذكر أن الشاة التي حلبها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيت دهرًا طويلًا تحفل بالحليب، وذلك ببركةِ ملامسة رسول الله صلى الله عليه وسلم لها، ولهذا نظائر في السيرة، ذلك أن أشياء بقيت أمدًا طويلًا من لباسٍ أو طعامٍ ببركة دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وملامسته لهذه الأشياء، بما جعل الله من البركةِ في ذاته الشريفة صلوات ربي وسلامه عليه.

ألا وصلوا وسلموا على خير خلق الله نبينا محمد، فقد أمرنا ربنا بذلك، فقال عز من قائل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].

اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

اللهم ارض عن خلفائه الراشدين والأئمة المهديين: أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة والتابعين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غِلَّا للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأصلح أحوال المسلمين في كل مكان يا رب العالمين.

اللهم إنَّ بأمة نبيك محمدٍ عليه الصلاة والسلام من الفرقةِ واللأواء، ومن الشدة وتسلط الأعداء ما لا يعلمه إلا أنت، ولا يقدر على كشفه إلا أنت، فنسألك اللهم فرجًا عاجلًا لكل مكروبٍ ولكل شعبٍ ضُيِّق عليه من إخوتنا أهل الإسلام، في فلسطين والشام، وفي العراق واليمن، وفي ليبيا وبروما، وفي غيرها من البلاد يا رب العالمين.

اللهم فرِّج همَّ المهمومين، ونفِّس كرب المكروبين، واقضِ الدَّين على المدينين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم أدم علينا في بلادنا الأمن والطمأنينة، اللهم أصلح أحوالنا وألِّف بين قلوبنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا.

اللهم اجعلهم رحمةً على الرعية، وارزقهم البطانة الصالحة الناصحة، وأبعِد عنهم بطانة السوء يا رب العالمين.

اللهم إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم اغفر لنا ولوالدينا وارحمهم كما ربَّوْنا صغارًا.

اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقِنا عذاب النار.

سبحان ربنا ربِّ العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 




                      المقال السابق                       المقال التالى




Bookmark and Share


أضف تعليق