عربي English עברית Deutsch Italiano 中文 Español Français Русский Indonesia Português Nederlands हिन्दी 日本の
  
  

   

 

 رحمته صلى الله عليه وسلم :
كان صلى الله عليه وسلم يرحم الناس"رحمة الأقوياء الباذلين وليست رحمة الضعفاء البائسين،وكان يمارسها ممارسة مؤمن بها، متمضخ بعطرها، مخلوق من عجينتها"[1] حتى أن ربه قال عن رحمته صلى الله عليه وسلم لسائر الخلق"وما أرسلناكَ إلا رحمةً للعالمين"الأنبياء-107،وقال عن رحمته للمؤمنين خاصة:" بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم" التوبة-128

أولاً: رحمته بالضعفاء ، ومنهم الأطفال و النساء الشيوخ والمرضى والخدم :

لقد كان صلى الله عليه وسلم يوصي بالضعفاء رحمة بهم فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :<إذا أمَّ أحدكم الناس فليخفف، فإن فيهم الصغير والكبير والضعيف والمريض وذا الحاجة، وإذا صلى لنفسه فليطوِّل ما شاء >رواه مالك والجماعة لابن ماجة لكنه رواه عن حديث عثمان بن أبي العاص، مع اختلاف في الألفاظ

 كما كان صلوات الله وسلامه عليه بالأطفال رفيقا عطوفاً حليما، ولعل كتب السيرة تزخر بمواقفه صلى الله عليه وسلم مع الأطفال، وحبه لهم، ورحمته بهم،واحترامه لهم،وملاطفته ومداعبته إياهم...وهي مواقف كثيرة فيما يلي نذكر بعضها:

أ- موقفه مع حفيديه الحسن والحسين،حيث كان صلى الله عليه وسلم يحبهما ويلاعبهما ويحنو عليهما،وفيما يلي بعض المواقف لهما مع خير جد [2]:

*"عن عبد الله بن شداد رضي الله عنه قال:"خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى صلاتي العشاء وهو حامل حسناً أو حسيناً،فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم،فوضعه ثم كبَّر للصلاة فصلى،فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها،قال أبي فرفعت رأسي وإذا الصبي على ظهر  الرسول الكريم،وهو ساجد،فرجعت إلى سجودي؛ فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة،قال الناس:" يا رسول الله إنك سجدت بين ظهراني صلاتك سجدة أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمر أو أنه يُوحى إليك،فقال :"كل ذلك لم يكن،ولكن ابني ارتحلني ،فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته"!!!

*عن عبد الله بن بريدة،عن أبيه،قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبنا إذ جاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران،فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنبر فحملهما،ووضعهما بين يديه،ثم قال:"صدق الله<إنما أموالُكم وأولادُكم فتنة>،فنظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران ،فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما"

 *روى البخاري أن أبا هريرة رضي الله عنه قال:" قبَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي وعنده "الأقرع بن حابس التميمي "جالس، فقال الأقرع:"إن لي عشرة من الولد، ما قبَّلت منهم أحداً"،فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه ثم قال:"مَن لا يَرحم لا يُرحم"، وروت عائشة رضي الله عنها أن أعرابي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال:"أتقبِّلون صبيانكم؟! فما نقبِّلهم"،فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"أو أملِك  أن نزع الله  من قلبك الرحمة؟"

 * ومن تمام حبه لهما وحرصه على مصلحتهما أنه  كان يؤدبهما بلطف مع بيان السبب ،فقد روي أبو هريرة قائلا:"أخذ الحسن بن علي رضي الله  تمرة من تمر الصدقة، فجعلها في فيه،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كخ ،كخ، إرم بها،أما علمت أنَّا لا نأكل الصدقة ؟" 

ب- و رحمته بالأطفال كما حدث مع أخٍ أصغر لأنس بن مالك،وكان يُدعى "أبا عمير"،

فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللّهِ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقاً. وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو عُمَيْرٍ. قَالَ: أَحْسِبُهُ قَالَ: كَانَ فَطِيماً. قَالَ: فَكَانَ إِذَا جَاءَ رَسُولُ اللّهِ فَرَآهُ قَالَ: «أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟»[3] قَالَ: فَكَانَ يَلْعَبُ بِهِ )) وفي يوم من الأيام رأى النبي صلى الله عليه وسلم عميراً يبكي فقال : " ما يبكيك يا عمير ؟ " فقال : يا رسول الله لقد مات النغير . فجلس النبي صلى الله عليه وسلم ساعة يلاعبه ، فمر الصحابة فوجدوا النبي يلاعب عميراً ، فنظر إليهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال : " مات النغير فأردت أن ألاعب العمير" رواه البخاري  

 

ورحمته صلى الله عليه وسلم باليتيم ، فعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :< خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه  > رواه ابن ماجة 

   وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : < من عال ثلاثة من الأيتام كان كمن قام ليله وصام نهاره وغدا وراح شاهراً سيفه في سبيل الله وكنت أنا وهو في الجنة أخوين كهاتين أختان > وألصق إصبعيه السبابة والوسطى ، رواه ابن ماجة ..

   وعن أبي هريرة رضي الله عنه « أن رجلاً شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قسوة قلبه فقال له : « إن أردت تلين قلبك، فأطعم المسكين، وامسح رأس اليتيم » رواه الحاكم في المستدرك ..

   وعن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « من مسح رأس يتيم أو يتيمة لم يمسحه إلا لله ، كان له بكل شعرة مرت عليها يده حسنات ، ومن أحسن إلى يتيمة أو يتيم عنده ، كنت أنا وهو في الجنة كهاتين ، وقرن بين أصبعيه » رواه أحمد وقال حديث غريب ..

 ج- رحمته صلى الله عليه وسلم لبكاء الصبي في الصلاة، حتى أنه كان يخففها،فعن أنس رضي الله عنه قال:" ما صليت وراء إمام قط أخف  صلاة، ولا أتم من النبي صلى الله عليه وسلم،وإن كان ليسمع بكاء الصبي ،فيخفف عنه مخافة أن تُفتن أمه"، ويؤكد الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك بنفسه،فيقول-كما روى أبو قتادة-:( إني لأقومُ في الصلاةِ أُريدُ أن أطوِّلَ فيها، فأَسمعُ بكاءَ الصبيِّ فأَتجوَّزُ في صلاتي كراهِيةَ أن أشُقَّ على أُمِّهِ ) رواه البخاري  "[4]   

هــ -" اصطحابه  صلى الله عليه وسلم  الأطفال للصلاة و مسحه خدودهم ، رحمة وإعجاباً وتشجيعاً لهم، فعن جابر بن أبي سمرة رضي الله عنه قال:"صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الأولى- أي الظهر- ثم خرج إلى أهله وخرجت معه فاستقبله ولدان فجعل يمسح خدَّي أحدهم واحداً واحداً،قال: "وأما أنا  فمسح خدي فوجدت ليده برداً  أو ريحاً كأنما أخرجها صلى الله عليه وسلم من جونة عطار"!! [5] 

ز-إعطاؤه صلى الله عليه وسلم  الهدايا للأطفال،" فقد روى مسلم عن أبي هريرة قال:" كان الناس إذا رأوا  أول الثمر جاءوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أخذه قال:" اللهم بارك لنا في ثمرنا وبارك لنا في مدينتنا وبارك لنا في صاعنا وبارك لنا في مُدِّنا"، ثم يدعو أصغر وليد يراه فيعطيه ذلك الثمر!!!

  و- صلاته صلى الله عليه وسلم وهو يحملهم، فقد ثبت في الصحيحين عن "قتادة " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو حامل أُمامة بنت زينب بنت رسول الله ،وهي لأبي العاص بن الربيع،فإذا قام حملها،وإذا سجد وضعها،فلما سلَّم حملها .

   ز - إحترامه-صلى الله عليه و سلم- للأطفال ، ودعوته لعدم الكذب عليهم، فقد كان( الصغار يحضرون مجالس العلم والذكر معه،حتى كان أحد الغلمان ذات يوم يجلس عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم،وعلى يساره الأشياخ،فلما أتى النبي بشراب شرب منه ،ثم قال للغلام:"أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟ فقال الغلام:" لا يا رسول الله ، لا أوثر بنصيبي منك أحداً،فأعطاه له النبي صلى الله عليه وسلم)!![6]   

وعن عبد الله بن عامر رضي الله عنه،قال:"دعتني أمي ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد في بيتنا فقالت ها تعال أعطك"،فقال لها صلى الله عليه وسلم:< ما أردتِ أن تعطيه؟> قالت <أعطيه تمرا" ، فقال لها أما أنك لو لم تعطِه شيئا كُتبت عليك كذبة>

 

 وعن أنس رضي الله عنه قال إن كانت الأمة من إماء المدينة لتأخذ بيد رسول الله فتنطلق به حيث شاءت - رواه البخاري

 

وعن انس رضي الله عنه قال كان صلى الله عليه وسلم يمر بالصبيان فيسلم عليهم - رواه البخاري واللفظ له ومسلم

ح- وصيته صلى الله عليه وسلم بالبنات-حيث كان العرب يئدونهن في الجاهلية- قائلاً:" من كان له ثلاث بنات فصبر على لأوائهن، وضرائهن،وسرائهن دخل الجنة"  فقال رجل :"و ثنتان يا رسول الله؟" قال:" و ثنتان"،فقال آخر:" وواحدة؟" قال: "وواحدة"[7]

وعن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من ولدت له ابنة فلم يئدها ، ولم يهنها ، ولم يؤثر ولده عليها ـ يعني الذكر ـ أدخله الله بها الجنة » مسند الإمام أحمد

ز-  رحمته صلى الله عليه وسلم بخادمه "أنس بن مالك" رضي الله عنه، حيث كان يناديه ب"يا بُني" أو" يا أُنيس"-وهي صيغة تصغير للتدليل- يقول أنس:" خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين،والله ما قال لي أف، ولا لِم صنعت ؟ ولا ألا صنعت؟"[8]

 وقَالَ أَنَسٌ رضي الله عنه : كَانَ رَسُولُ اللّهِ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقاً. فَأَرْسَلَنِي يَوْماً لِحَاجَةٍ فَقُلْتُ : وَاللّهِ لاَ أَذْهَبُ. وَفِي نَفْسِي أَنْ أَذْهَبَ لِمَا أَمَرَنِي بِهِ نَبِيُّ اللّهِ . فَخَرَجْتُ حَتَّى أَمُرَّ عَلَى صِبْيَانٍ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي السُّوقِ. فَإِذَا رَسُولُ اللّهِ قَدْ قَبَضَ بِقَفَايَ مِنْ وَرَائِي. قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَضْحَكُ. فَقَالَ: « يَا أُنَيْسُ أَذَهَبْتَ حَيْثُ أَمَرْتُكَ ؟ » قُلْتُ: نَعَمْ. أَنَا أَذْهَبُ ، يَا رَسُولَ اللّهِ " رواه مسلم 

رحمته صلى الله عليه وسلم بالنساء :

عن أنس رضي الله عنه قال : رأى النبي صلى الله عليه وسلم النساء والصبيان مُقبلين قال : حسبت أنَّهُ قال : من عُرسٍ ، فقام النبي صلى الله عليه وسلم مُمثِلاً فقال : <اللهم أنتُم مِن أَحبِّ النَّاس إِليَّ > قالها ثلاث مرار " رواه البخاري ، ولولا هذا الحب منه صلى الله عليه وسلم لما أكثر من توصيته بهم ولما رفع من قدرها بعد أن كانت ضعيفة وليس لها حق في الجاهلية ، فكان هذا مناسباًَ أن تجد المرأة مكاناً عظيماً في قلب الحبيب صلى الله عليه وسلم و يا له من شرف كبير تميزن به .

شبه الرسول صلى الله عليه وسلم النساء بالقوارير، إشارة إلى ما فيهن من الصفاء والنعومة والرقة، وإلى ضعفهن وقلة تحملهن؛ ولذا فإنهن يحتجن إلى الرفق، ففي مرة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره وكانت معه نساء منهن أم سليم، وغلام أسود يقال له أنجشة يحدو ( أي ينشد والإبل تتراقص وكان ذلك يؤذي النساء )، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: <يا أنجشة رويدك، رفقا بالقوارير> رواه البخاري [9]

" إستوصوا بالنساء خيرا فإنهن خُلقن  من ضلع أعوج وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبتَ تقيمه كسرته، فاستوصوا بالنساء خيرا ً" ؛(فنجد آخر كلماته صلى الله عليه وسلم حين حضرته الوفاة:" الصلاة، وما ملكت أيمانكم،حتى جعل يغرغر بها صدره وما يكاد يفيض بها لسانه!!![10]وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : " جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ قال : أمك ، قال : ثم من ؟ قال : أمك ، قال : ثم من ؟ قال : أمك ، قال : ثم من ؟ قال : أبوك " رواه البخاري .


ويوصي بالنساء  قائلاً:

  و أخرج أبو يعلى ما رواه أبو هريرة رفعه : < أنا أول من يفتح باب الجنة ، فإذا امرأة تبادرني فأقول : من أنت ؟ فتقول : أنا امرأة تأيمت على أيتام لي > (أي قعدَت على تربية أولادها بعد وفاة أبيهم ولم تتزوج)

   وكان لا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي لهما الحاجة وقال عنهم في حديث أبي هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم  : <الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله ، أو القائم الليل ، الصائم النهار>  رواه البخاري .

   والساعي هو الذي يذهب ويجيء في تحصيل ما ينفع الأرملة والمسكين من معونة ونفقة ، والأرملة بالراء المهملة التي لا زوج لها سواء كانت تزوجت أم لا، وقيل هي التي فارقت زوجها، قال ابن قتيبة: سميت أرملة لما يحصل لها من الإرمال وهو الفقر وذهاب الزاد بفقد الزوج ، يقال أرمل الرجل إذا فني زاده ، والمسكين هو من لا شيء له، وقيل من له بعض الشيء .

   وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : < من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره ، واستوصوا بالنساء خيرا فإنهن خلقن من ضلع وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء خيراً > رواه البخاري ، فجعل هنا من أساس الإيمان بالله واليوم الآخر وسبباً رئيساً له أن لا تؤذي جارك بأي شئ كان سواء بالقول والسب والشتم ، أو بالفعل بوضع الأذى أمام بيته أو بتسليط أبناءك يؤذون أبناءه أو بإزعاجه في نومه أو غير ذلك ، وتحسن إليه إلى أبعد الحدود وتترفق به .. والجار هنا ليس فقط الذي يفصل بينك وبينه جدار واحد إنما قال العلماء فيه أنه قد يصل إلى أربعين بيتاً من كل جهة ، وإذا كان هذا الجار قريباً لك فإن له حقان : حق الرحم وحق الجار وقال في رسول الله : " مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورِّثُه " ، وحتى وإن كان يهودياً فلا يسقط عنه حق الجار فإنه قد كان لرسول الله جاراً يهودياً وكان هذا الجار يؤذيه كثيراً وفي يوم من الأيام استفقد أذاه فلم يجده فلما ذهب إليه وجده مريضاً وعاده .. وكان هذا سبباً في إسلام الجار اليهودي .

   وبعد هذا العرض لأهمية حق الجار قرن معه حق النساء ووصى بهن ليُظهر عظم حقهن أيضاً فالمرأة هي الأم والأخت والخالة والعمة والجدة والبنت والحفيدة، فالنساء خلقن من أصل معوج ، وهي عوجاء مثل الضلع لكون أصلها منه .. فعلى الرجل أن يتركها على اعوجاجها في الأمور المباحة ، ويعمل على مداراتها لاستمالة النفوس وتألف القلوب، ويأخذ العفو منهن والصبر على عوجهن، وأن من رام تقويمهن فإنه الانتفاع بهن مع أنه لا غنى للإنسان عن امرأة يسكن إليها ويستعين بها على معاشه ، فكأنه قال: الاستمتاع بها لا يتم إلا بالصبر عليها.

   عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسيرٍ له ، فحدا الحادِي[11] فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم : < ارْفقْ يا أَنجَشهُ ، ويحك بِالقَوَارِير[12]>  رواه البخاري .

   عن سعدَ بنَ أبي وقاص قال : « استأذنَ عمرُ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وعندَهُ نساءٌ من قُريشٍ يُكلِّمنَهُ ويَستكثرنَهُ عاليةً أصواتهنَّ ، فلما استأذنَ عمرُ قمنَ يبتَدرْنَ الحجابَ ، فأذنَ له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يضحكُ ، فقال عمرُ: أضحَكَ اللهُ سِنَّكَ يارسولَ الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : < عَجِبتُ من هؤُلاء اللاتي كنَّ عِندي ، فلما سمِعنَ صوتكَ ابتدَرنَ الحجابَ > قال عمرُ: فأنتَ يا رسولَ اللهِ كنتَ أحقَّ أن يَهبْنَ ، ثم قال : أي عدوّاتِ أنفُسِهنَّ ، أتهبننَي ولا تَهبنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قلنَ: نعم، أنت أفظُّ وأغلظُ من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم :<والذي نفسي بيدهِ، ما لِقَيكَ الشيطانُ قطُّ سالكاً فجّاً إِلاّ سَلكَ فجّاً غيرَ فجك>  رواه البخاري

    وعن عائشة رضي الله عنها قالت : < ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا بيده قط ، ولا امرأة ، ولا خادماً إلا أن يجاهد في سبيل الله ، وما نيل من شئ قط ، فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيئا من محارم الله ، فينتقم لله >  رواه ابن حبان في صحيحه

   وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها : < يا عائشة أرفقي فإن الله إذا أراد بأهل بيت خيراً دلهم على باب الرفق > وفي رواية :

" إذا أراد الله بأهل بيت خيراً أدخل عليهم الرفق " رواه أحمد و المنذري وقال رواتهما رواة الصحيح .

    وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّهُ قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم : « نساء قريشٍ خيرُ نساءٍ ركِبنَ الإِبل : أحناهُ على طِفلٍ ، وأرعاهُ على زوجٍ في ذات يدِه » رواه البخاري .

     وعن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها قالت : جَاءَتْنِي مِسْكِينَةٌ تَحْمِلُ ابْنَتَيْنِ لَهَا. فَأَطْعَمْتُهَا ثَلاَثَ تَمَرَاتٍ. فَأَعْطَتْ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَمْرَةً. وَرَفَعَتْ إِلَى فِيهَا تَمْرَةً لِتَأْكُلُهَا. فَاسْتَطْعَمَتْهَا ابْنَتَاهَا. فَشَقَّتِ التَّمْرَةَ، الَّتِي كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَأْكُلَهَا، بَيْنَهُمَا. فَأَعْجَبَنِي شَأْنُهَا. فَذَكَرْتُ الَّذِي صَنَعَتْ لِرَسُولِ اللّهِ . فَقَال َ: « إِنَّ اللّه قَدْ أَوْجَبَ لَهَا بِهَا الْجَنَّةَ. أَوْ أَعْتَقَهَا بِهَا مِنَ النَّارِ »  رواه مسلم

   وعن عائشة رضي الله عنها قالت : جاءتني امرأة معها ابنتان تسألني ، فلم تجد عندي غير تمرة واحدة ، فأعطيتها فقسمتها بين ابنتيها ثم قامت فخرجت ، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم فحدثته ، فقال : (( من يلي من هذه البنات شيئاً فأحسن إليهن كن له ستراً من النار )) رواه البخاري

   وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: « قَدِمَ على النبيّ صلى الله عليه وسلم سَبيٌ، فإذا امرأةٌ من السبي تحلب ثَديَها تَسقي ، إذا وَجدَت صَبيّاً في السبي أَخَذَته فألصَقَتْه ببَطنها وأرضَعَتْه. فقال لنا النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أتُرَونَ هذهِ طارحةً وَلدَها في النار؟ قلنا: لا، وهي تَقدِر على أن لا تَطرَحهُ. فقال: اللّهُ أرحمُ بعبادِه من هذهِ بولَدِها» رواه البخاري

أما ما قاله الغربيون في هذا الصدد ، فنذكر منه ما قالته "مدام بيرون رئيسة الدفاع عن حقوق المرأة في باريس: أن محمد لم يكن عدوا للمرأة مما يظهر من أقوال بعض الناس – تريد الأوروبيين- الذين أساءوا فهم روح التشريع الذي جاء به فينبغي أن نتصور الزمان الذي عاش فيه لنعرف قيمة إصلاحاته .."[13]

 رحمته- صلى الله عليه وسلم- بالحيوان،ومن الأمثلة على ذلك:

*قصته مع الجمل الذي رآه صلى الله عليه وسلم حين دخل بستاناً لرجل من الأنصار،

عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما قال : (( ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم بغلته وأردفني خلفه ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تَبَرّز كان أحب ما تَبَرّز فيه هدف يستتر به أو حائش نخل ، فدخل حائطاً لرجل من الأنصار ، فإذا فيه ناضح[14] له ، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم حن وذرفت عيناه ، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح ذفراه وسراته ؛فسكن ، فقال : من رَبُّ هذا الجمل ؟ فجاء شاب من الأنصار فقال : أنا ، فقال : ألا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملَّكَكَ الله إياها فإنه شكاك إليّ وزعم أنك تجيعه وتدئبه [15]، ثم ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحائط فقضى حاجته ، ثم توضأ ثم جاء والماء يقطر من لحيته على صدره ، فأسر إليَّ شيئاً لا أحدث به أحداً فحرَّجْنا عليه أن يحدَّثنا ، فقال : لا أفشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم سره حتى ألقى الله » رواه أبو داود والإمام أحمد وقال شاكر: صحيح ..  

 

**وقصته مع الطيور وفراخها، والنمل :

   عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (( كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في سَفَرٍ فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ فَرَأيْنَا حُمَّرَةً مَعَهَا فَرْخَانِ فَأخَذْنَا فَرْخَيْهَا، فَجَاءَتْ الْحُمَّرَةُ فَجَعَلَتْ تَفْرُشُ جَاءَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم فقال: مَنْ فَجَّعَ هذِهِ بِوَلَدِهَا ؟ رُدُّوا وَلْدَهَا إلَيْهَا ، وَرَأى قَرْيَةَ نَمْلٍ قَدْ حَرَّقْنَاهَا فقال : مَنْ حَرَّقَ هذِهِ ؟ قُلْنَا: نَحْنُ ، قال: إنَّهُ لاَ يَنْبَغِي أنْ يُعَذِّبَ بالنَّارِ إلاَّ رَبُّ النَّارِ )) رواه أحمد ، وقال أحمد شاكر : إسناده صحيح ..

 

 ***ووصيته بسائر الحيوانات :

 

 فقد  روى البخاري وغيره مرفوعاً : (( دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض )) ، وفي رواية له أيضاً : (( عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت ، لا هي أطعمتها وسقتها إذا هي حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض )) والخشاش بالمعجمتين والشينين المعجمتين : هو حشرات الأرض والعصافير ونحوهما..

 

  كما  أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرفق في ذبح الحيوان والإحسان إليه في ذلك وقال لمن أضجع شاة وهو يحد شفرته : (( أتريد أن تميتها موتتين ؟ هلا حددت شفرتك قبل أن تضجعها ؟! )) رواه الطبراني في الكبير والأوسط والحاكم واللفظ له وقال صحيح على شرط البخاري ..

  وعن شداد بن أوس رضي الله عنه أنه قال: < ثنتان حفظتهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحدّ أحدكم شفرته وليرح ذبيحته> رواه مسلم ..

   وقد حذر صلى الله عليه وسلم من اتخاذ الحيوان وكل ذي روح غرضاً ، أي هدفاً للرمي " روى الشيخان . عن الضحاك عن بن عباس قال : <نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل كل ذي روح  إلا أن يُؤذي >

   وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه دخل دَارَ الْحَكَمِ بْنِ أَيُّوبَ فرأى غلماناً نَصَبُوا دَجَاجَةً يَرْمُونَهَا. فَقَالَ أَنَسٌ: " نَهَى رَسُولُ اللّهِ أَنْ تُصْبَرَ الْبَهَائم " رواه البخاري ..

   وروى الحاكم وغيره : ( أن رجلا قال يا رسول الله إني لأرحم الشاة أن أذبحها فقال له : إن رحمتها رحمك الله). يعني إذا ذبحتها فاذبحها وأنت راحم لها ..

   وكان يأمر بالرفق حتى في قتل الحيوانات وذبحها ، قال صلى الله عليه وسلم : <إن الله محسن يحب الإحسان ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، و إذا ذبحتم فأحسنوا الذبح ، و ليحد أحدكم شفرته ، ثم ليرح ذبيحته>(صحيح الجامع)

   وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: « مَا مِنْ إنْسَانٍ قَتَلَ عُصْفُورا فَمَا فَوْقَهَا بِغَيْرِ حَقِّهَا إلاَّ سَأَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهَا» قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا حَقُّهَا ؟ قَالَ: « يَذْبَحُهَا فَيَأْكُلُهَا وَلاَ يَقْطَعُ رَأْسَهَا يَرْمِي بِهَا » رواه النسائي .

   وكان صلى الله عليه وسلم ينهى عن إرهاق الحيوان بإيقافه وإطالة الجلوس عليه من غير ضرورة إلى ذلك وقد دخل على قوم وهم وقوف على دواب لهم ورواحل ، فقال صلى الله عليه وسلم : <اركبوها سالمة ودعوها سالمة ولا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق والأسواق فرب مركوبة خير من راكبها وأكثر ذكراً لله منه > رواه الإمام أحمد .

    كما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الضفدع وقال : (( لا تقتلوا الضفادع فإن نقيقها تسبيح ولا تقتلوا الخفاش فإنه لما خرب بيت المقدس قال يا رب سلطني على البحر حتى أغرقهم )) رواه البيهقي ، و اسناده صحيح..

   وعن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنه قالَ : « نَهَى رسولُ الله عن التَّحرِيشِ بَيْنَ البَهَائِمِ » رواه أبو داود ، وهو الإغراء وتهييج بعضها على بعض كما يفعل بين الجمال والكباش والديوك وغيرها. ووجه النهي أنه إيلام للحيوانات وإلعاب لها بدون فائدة بل مجرد عبث ، وكما يُفعل في الوقت الحاضر فيما يقال عنه رياضة الثيران وهو التحريش بها وتهييجها حتى لا يمكن السيطرة عليها ومن ثم قتلها ، فأين ما يدعونه جمعية الرفق بالحيوان من هذه الرياضة غير الانسانية؟! 

  وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال : (( بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئراً فنزل فشرب ثم خرج ، فإذا كلبٌ يلهث يأكل الثرى من العطش ، فقال الرجل : لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ بي ، فنزل فملأ خُفه ثُمَّ أمسكه بفيه ، فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له )) قالوا : يا رسول الله ، وإن لنا في البهائم لأجراً ، فقال : (( في كل ذات كبد رطبة أجراً )) رواه البخاري ومسلم ..

 رحمته بالمرضى:

 وكان صلى الله عليه وسلم يدنو من المريض ويجلس عند رأسه ويسأله عن حاله فيقول < كيف تجدك ؟>

وذكر أنه كان يسأل المريض عما يشتهيه فيقول < هل تشتهي شيئا ؟ >فإن اشتهى شيئا وعلم أنه لا يضره أمر له به .

وكان يمسح بيده اليمنى على المريض ويقول < اللهم رب الناس أذهب البأس واشفه أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما >

وكان يقول:< امسح البأس رب الناس بيدك الشفاء لا كاشف له إلا أنت >وكان يدعو للمريض ثلاثا كما قاله لسعد : <اللهم اشف سعدا اللهم اشف سعدا اللهم اشف سعداً >

وكان إذا دخل على المريض يقول له < لا بأس طهور إن شاء الله >[16] 

رحمته بالخدم

ولقد شملت رحمته صلى الله عليه وسلم الخدم والأرقاء فقال صلى الله عليه وسلم :< من كانت له أمة فأدبها ثم أعتقها وتزوجها، فله أجران >رواه الشيخان

وروى أبو ذر رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال عن الخدم  :<هم إخوانكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فأطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم >رواه مسلم

وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إذا صنع لأحدكم خادمه طعامه ثم جاء به، وقد ولى حره ودخانه، فليقعد معه فليأكل، فإن كان الطعام قليلاً فليضع في يده منه أكلة أو أكلتين" (أي لقمة أو لقمتين) رواه مسلم

وقال صلى الله عليه وسلم :< من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته أن يعتقه> رواه مسلم

وقال صلى الله عليه وسلم لأبي مسعود، عندما رآه يضرب مملوكًا له:< اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام>، فانتهى عن ضربه وأعتقه حتى لا يمسه الله بعذاب نتيجة هذا الفعل ؛ رواه مسلم

كما أمر صلى الله عليه وسلم بأن يعامل العبيد مثل معاملة الأبناء، وكان صلى الله عليه وسلم يوصي – وهو في فراش الموت- بحسن معاملة الأرقاء...فقد روى  أنس رضي الله عنه أن غلاماً يهودياً كان يخدم الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما مرض،عاده الرسول الكريم فقعد على رأسه وقال له :" أسلِم " فنظر إلى أبيه و هو عنده،فقال:"أطع أبا القاسم"، فأسلم الغلام، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول:" الحمد لله الذي أنقذه من النار"!!(رواه البخاري) [17]


ثانياً:رحمته صلى الله عليه وسلم بأُمَّته
كان  الحبيب صلى الله عليه وسلم  أرحم الأنبياء -عليهم صلوات الله وسلامه –بأمته، فقد كان بها رءووفاً رحيما،كما أخبر بذلك المولى سبحانه :

<لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ >التوبة-128 ،وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم :<رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ>إبراهيم 36 وقول عيسى عليه السلام : <إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ >المائدة-118فرفع يديه وقال اللهم أمتي، وبكى ؛فقال الله عز وجل:< يا جبريل، اذهب إلى محمد -وربك أعلم- فسله ما يبكيك؟ >فأتاه جبريل عليه السلام، فسأله، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قاله وهو أعلم؛ فقال الله :< يا جبريل ، اذهب إلى محمد فقل إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك> رواه مسلم  

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:< لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا >رواه الشيخان والترمذي وأحمد

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :< خُيِّرتُ بين الشفاعة وبين أن يدخل شطر أمتي الجنة، فاخترت الشفاعة لأنها أعم وأكفى، أترونها للمؤمنين المتقين؟ لا، ولكنها للمذنبين المتلوثين الخاطئين> رواه ابن ماجة ورواه أحمد عن ابن عمر ورواه عنه أيضًا الطبراني، قال الهيثمي رجاله الصحيح غير النعمان بن قراد وهو ثقة

وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:< أُعطيت سبعين ألفًا من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب وجوههم كالقمر ليلة البدر، قلوبهم على قلب رجل واحد، فاستزدت ربي عز وجل، فزادني مع كل واحد سبعين ألفًا >رواه أحمد وأبو يعلى

ولعلَّ من أبلغ مظاهر شفقته ورحمته صلى الله عليه وسلم  بأمته موقفه في عرصات القيامة ، في يوم يشيب لهوله الولدان ، عندما يشفع الشفاعة العُظمى ، كما في حديث أنس بن مالك الطويل وفيه :< فأنطلقُ فأستأذنُ على ربِّي فيُؤذن لي ، فأقومُ بين يديه ، فأحمدُهُ بمحامِدَ لا أقدر عليه الآن ، يُلهمُنيه اللهُ ، ثمَّ أخِرُّ له ساجدًا ، فيقال لي : يا محمد ارفع رأسك ، وقل يُسمع لك وسل تُعطه ، واشفع تُشفَّع ، فأقول : ربِّ أمَّتي أمَّتي فيقالُ : انطلق فمن كان في قلبه مثقالُ حبَّةٍ من برة أو شعيرة من إيمان فأخرجه منها ، فأنطلق فأفعل ، ثمَّ أرجع إلى ربِّي فأحمده بتلك المحامد ، ثمَّ أخر له ساجدًا ، فيقال لي : يا محمد ارفع رأسك ، وقل يُسمع لك وسل تُعطه واشفع تُشفَّع فأقول : أمَّتي أمَّتي ، فيقال لي : انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبَّةٍ من خردل من إيمان فأخرجه منها ، فأنطلق فأفعل ، ثمَّ أعود إلى ربي فأحمده بتلك المحامد ، ثمَّ أخر له ساجدًا ، فيقال لي : يا محمد ارفع رأسك وقل يُسمع لك ، وسل تُعطه واشفع تشفَّع ، فأقول : يا ربِّ أمتي أمتي ، فيقال لي : انطلق فمن كان في قلبه أدنى من مثقال حبَّةٍ من خردلٍ من إيمان ، فأخرجه من النَّار فأنطلق فأفعل  >رواه مسلم

هذه الصور المشرقة تعطينا جانبًا عظيمًا من جوانب رأفته ورحمته وشفقته صلى الله عليه وسلم على أمته ، فها هو يقول   : <مثلي كمثل رجل استوقد نارًا فلما أضاءت ما حولها ، جعل الفراشُ وهذه الدَّواب التي في النَّار يقعن فيها ، وجعل يحجُزُهُنَّ ويغلبنَهُ ، فيقتحمنَ فيها ، قال : فذلكُم مثلي ومثلُكُم ، أنا آخِذٌ بحُجَزِكُم عن النَّار ، هلمُّ عن النَّار ، هلمُّ عن النَّار . . فتغلبُوني تقحَّمون فيها> رواه مسلم

وصدق عليه الصلاة والسَّلام ؛ فكم واجهه من أذى قريش ، حين ضربوه وسبوه ،وأخرجوه من أحب البلاد إليه وما زال يدعوهم ويدعوهم ، ويعفو عن مُسيئهم ، ويحلم عليهم حتى أنقذ الله به الكثير منهم من النَّار .[18]

وكان صلى الله عليه وسلم  يأسى على قومه ، ويأسف أشدَّ الأسف عليهم ، قال تعالى : 

 <عَزِيزٌ عَلَيهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيكُمْ بِالمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ > التوبة : 128 

وكان صلى الله عليه وسلم  يخشى أن يموتوا على الكفر ، وتتجلى رأفته ورحمته في أبهى صورها في دعوته لهم ، وإصراره على إنقاذهم من النار ، مع ما جابهوه به من الأذى والاستهزاء والسُّخرية . . فعن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية:< وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ > الشعراء : 214صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصَّفا ، فجعل يُنادي : <يا بني فهر! يا بني عدي ! > لبطون قريش حتى اجتمعوا، فجعل الرَّجل إذا لم يستطع أن يَخرج أرسل رسولاً لينظر ما هو ، فجاء أبو لهب وقريش فقال :< أرأيتكم   لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تُريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقيَّ؟ > قالوا : نعم ، ما جربنا عليك إلا صدقًا .

قال : <فإنِّي نذير لكم بين يدي عذابٍ شديدٍ > فقال أبو لهب : تبًا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا ، فنزلت :< تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَب وَّتَبَّ ، مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ>صحيح البخاري

ومن مواقفه معهم ما رواه عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي  صلى الله عليه وسلم  حدثته : أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله ! هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال : < لقد لقيتَ من قومك ، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة[19] ؛ إذ عرضت نفسي على عبد يا ليل بن




                      المقال السابق                       المقال التالى




Bookmark and Share


أضف تعليق

أنت بحاجة للبرامج التالية: الحجم : 2.26 ميجا الحجم : 19.8 ميجا