عربي English עברית Deutsch Italiano 中文 Español Français Русский Indonesia Português Nederlands हिन्दी 日本の
  
  

تحت قسم أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم في الحرب
الكاتب أماني زكريا الرمادي
تاريخ الاضافة 2010-12-07 01:52:51
المشاهدات 2162
أرسل الى صديق اطبع حمل المقال بصيغة وورد ساهم فى دعم الموقع Bookmark and Share

   

تاسعا: يعفو عنهم

   لما هرب من أسرى بدر  سهيل بن عمرو وهم في الروحاء،فقال صلى الله عليه وسلم:< من وجده فليقتله> فوجده النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه، إلا أنه لم يقتله ، وإنما أمر بربط يديه إلى عنقه ثم قرنه إلى راحلته ، فلم يركب خطوة حتى قدم المدينة .[1]

  

وقدم شقران بالأسرى بعد يوم فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه واستشارهم في الأسرى وخيرهم بين  أن تُضرب أعناقهم أو يؤخذ منهم الفداء ،فاختلف الصحابة فيما يفعل ،وأخذ أبو بكر يكلم النبي فيهم ، ويطلب منه أن يمن عليهم، أو يفاديهم، بينما رأى عمر بن الخطاب قتلهم ، فقال صلى الله عليه وسلم : < إن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم ، قال < فمن تَبِعني فإنه مني ، ومَن عصاني فإنَّكَ غفورٌ رحيم > إبراهيم 36وإن مثلك يا عمر مثل نوح ، قال< ربِّ لا تذَر على الأرض من الكافرين ديَّاراً > نوح 26  وأخذ عليه الصلاة والسلام برأي أبي بكر ، فقبل منهم الفداء!!!

 

 

فجعل فداء الرجل أربعة آلاف، أو ثلاثة آلاف ، أو ألفين أو ألفاً بحسب ثراءه ،ومنهم مَن منَّ عليه بغير فداء، لأنه لا مال له ، ومنهم من قبل منه أن يعلم عشرة  من أولاد الأنصار الكتابة ويخلي سبيله ،ولم يخشَ النبي صلى الله عليه وسلم على أبناء المسلمين من تأثير هؤلاء المشركين  على عقول هؤلاء الصغار من ذراري المسلمين؛ فإن محو الأمية لا يمحو فكراً ولا اعتقاداً ، كما أن هؤلاء الأسرى في قلب مجتمع المسلمين ، وتحت إشرافه ورقابته ورعايته...  بدليل أن  زيد بن ثابت-كاتب الوحي، وأحد كتبة المصحف- قد تعلم الكتابة يومئذٍ مع جماعة من الأنصار.

وبهذا كان النبي الأُمِّي أول من حارب الأُمِّية بطريقة عملية  ،تعتبر خطوة سباقة    ، [2].وهي خطوة سبَّاقة في ذلك الزمن السحيق[3]

 

 

   وفي غزوة حنين ، بعدما فتحها  رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاصر حصن الطائف، و نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم :< أيُّما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر> ، فخرج بضعة عشر رجلاً ،فأعتقهم ودفع كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين ،وأمرهم أن يُقرئوهم القرآن ويعلموهم السٌّنن.[4]

 

 

إلا  أن عفوه صلى الله عليه وسلم كان بحكمة ، ومع من يستحق:

   فيبدر عُرض الأسرى على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقرع فيهم بين المسلمين ، وأمر بقتل النصر بن الحارث ، ثم خرج صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بعرق الظبية أمر بقتل عقبة بن أبي معيط وكان من بين الأسرى ، فقال عقبة < فمن للصبية يا محمد؟ قال: النار > فقتله عاصم بن ثابت الأنصاري.[5]

  

وكذلك حدث مع "عمرو بن عثمان الشاعر القرشي الذي اشتهر بلقبه ( أبي عزة ) نسبة إلى إحدى بناته ، حيث لم يكن له من العقب سوى البنات ، هذا الشاعر كان رقيق الحال ، قليل ذات اليد ،  يتكسب من شعره ،وكان يلقي في أندية قريش ومجالسها قصائد يمدح فيها زعماءها ويذكر أمجادهم ويعدد مآثرهم ، ثم إذا عرج على شيء من حياتهم لم يجد أفضل من الوقيعة في رسول الله ( الصابىء) ودينه ( الغريب) ،وأصحابه ( الأشتات) ولا يزال كذلك حتى يحوز إعجاب قريش ورضاها ؛ وكان يقبض ثمن ذلك سريعا وربما قبل أن يقوم من مقامه .

  

وفي معركة بدر استصحبت جحافل المشركين أبا عزة دون أن تدري تلك الجموع أو يعلم الشاعر بما أعده الله سبحانه لهم من هزيمة نكراء، سرعان ما فرقت جمعهم وشتت شملهم وأطاحت برؤوس صناديدهم ، وجمع الأسرى في مكان واحد بعد نهاية المعركة ، يدفعهم المسلمون بغيظ وحنق ، ويسوقونهم أمامهم في مشهد مروع من الذل لم تعرفه قريش من قبل ، فيمضون إلى المدينة مطأطئي الرؤوس ، يلجمهم الخوف فلا يجرؤون على التناجي فيما بينهم ، إلا بنظرات كسيرة وتأوهات مكتومة ، حتى إذا بلغوها وقد هدأت ثورة المسلمين أخذت النبي صلى الله عليه وسلم شفقة عليهم فأعرض عن قتلهم وقال كلمة الفصل فيهم : لا يفلتن أحد إلا بفداء أو ضربة عنق ...وكان من بين الأسرى السبعين شاعر قريش أبو عزة ،وقد امتقع لونه وجف ريقه واضطرب فؤاده خشية أن يذكِّر أحد رسول الله صلى الله عليه وسلم -وما كان ناسياً- ببعض سيئاته و خزاياه .

  

وسارعت قريش في افتداء أسراها وكان أسبق الناس إلى ذلك و أعجلهم الأغنياء من أصحاب الأموال ، والزعماء من أهل الشرف ،حتى تم إطلاق سراح معظم الأسرى ،وعادوا إلى مكة سالمة رقابهم وأرواحهم وبقيت في الأسرى بقية عجزت عن الفداء ، ولم تجد ما تدفعه ثمناً للحرية ، فتوجست شرا ًوأيقنت بالهلاك والموت المحقق .

  

 

  إلا أن رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكمته جعلته يعيد النظر في أمر هؤلاء فيقبل من بعضهم أن يعلِّم أولاد المسلمين الكتابة والقراءة ، إن كان يُحسنها ، فقام نفر منهم بذلك أياماً عديدة ، حتى استحقوا حياتهم وحريتهم فعادوا إلى أهلهم فرحين ...أما أبو عزة –كما سلف الذكر- فلم يكن غنيا ًتفديه أمواله ، ولا ممن يصلح لتعليم شيء ...إلا أنه أبصر ما في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم من سعة وحلم ورأفة ولين ، فعادت خيوط الأمل في ذهن أبي عزة تنسج بيوتها ، حتى استجمع شجاعته وتمالك نفسه وتعرض للنبي صلى الله عليه وسلم ذات مرة وهو في طريقه ، فصاح مستجيرا ًمسترحما ً: يا محمد ...لقد عرفت مالي من مال وإني لذو حاجة وذو عيال ، فامنُن عليَّ وتوقف النبي صلى الله عليه وسلم يستمع ذلك الرجاء الصادق ثم تذكر بنات أبي عزة،وكان يعلم فقره وفاقته فغلبت عليه الرحمة ، ونسي ما كان من أبي عزة من إساءة ، فأمر بإطلاق سراحه ومنَّ عليه بلا مقابل من مال أو سواه ...إلا أنه قبل أن يعجل بالخروج إلى مكة واللحاق ببناته وأهله أخذ عليه النبي صلى الله عليه وسلم : أن لا يظاهر عليه أحداً ما عاش أبداً ، وأن لا يجلس في مجلس فيؤلب عليه عدواً ، وأن لا يعود إلى استخدام شعره ولسانه في تهيج الناس على الإسلام .فقبل أبو عزة بالشرط ، و لم يكن ليبخل عن نفسه بمثل هذا القبول ، بل زاد من شدة فرحه وعظيم تأثره برحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم له ولبناته ، أن وقف على باب المسجد أمام الملأ ينشد مادحا ً:

 

مَن مُبلغ عني الرسول محمدا ً*** بأنك حق والمليك حمد

وأنت امرؤ تدعو إلى الحق والهدى*** عليك من الله العظيم شهيد

وأنت امرؤ بُئت فينا مباءة *** لها درجات سهلة وصعود

فإنك من حاربته لمحارَب *** شقي ومن سالمته لسعيد

ولكن إذا ذُكرتَ بدراً وأهله ***تأوب ما بي حسرة وقعود

   ثم انطلق صوب مكة مسرعاً ...ولكن هناك في مكة البلد الذي يمور بالأحزان وصيحات الثأر لم يترك له الناس مجالاً للوفاء والثبات على عهده لرسول الله صلى الله عليه وسلم بل تكاثر أهل مكة عليه وألحوا عليه،تدفعهم إلى ذلك جراحات بدر وحقد دفين في الصدر، فمازالوا به حتى نقض عهده وعاد سيرته الأولى الخبيثة يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم...ومما لا شك فيه أن أمره قد بلغ رسول الله ، كما بلغه أنه كان يتندر في مجالس قريش مزهواً بقوله : خدعتُ محمدا ً!!!!

   ثم يمر بكفه على عوارض وجهه زيادة في الخُبث والاستهزاء . 

وأغلب الظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن نادماً على عفوه عنه ، فهو لم يفعل إلا خيرا ًوحكمة ، ولكن من المؤكد أنه قد غير وجهة نظره فيه ، وقرر بحقه أمراُ لا بد منه إذا أمسك به ثانية .

   وهكذا قضي الأمر بالنسبة لأبي عزة ، فلم تمر سنة أو زهاؤها إلا ومعركة أحد تضطرم نارها وتتأجج لافحة حارقة ،اكتوى المسلمون هذه المرة بنيرانها بسبب مخالفتهم لأمر النبي صلى الله عليه وسلم "[6]

   "وعندما رجع المشركون من الغزوة تركوا أبا عزة عمرو بن عبد  الله نائماً مكانه حتى ارتفع النهار عليه ، فأسره عاصم بن ثابت ،وأخذه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو عزة < يا محمد مُن عليَّ > فقال صلى الله عليه وسلم:< إن المؤمن لا يُلدغ من جُحرٍ مرتين ، لا ترجع إلى مكة تمسح عارضيك تقول: < خدعتُ محمدا ًمرتين> ويتعجل الأسير قبل أن يصل إلى نهايته يسترحم : < مَن للبنات يا محمد ؟ >فيجيبه النبي صلى الله عليه وسلم بشدة :< لهن النار...لهن النار > ثم أمر به فضرب عنقه!!

 

   وهكذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الحزم وعدم اللين مع من لا يستحق...فقد كان قلبه صلوات الله عليه وسلامه واسعاً لكل تائب ، وكانت شدته بالمرصاد لكل غادر "[7] ، [8]

و بهذا تتضح أخلاق الإسلام الذي سبق جميع الحضارات في التأكيد على حقوقالأسرىالذين كان من المعتاد لهم أن يعملوا مقابل الطعام أو أن يحصلوا عليه بوسائلهم الخاصة؛ أما الإسلام، فقد أكرمهم وجعل المسلمين يؤثرونهم على أنفسهم في الطعام ، ويكسونهم ويحمونهم من حر الشمس ، بل وجعل إطعام هؤلاء الأسرى صدقة تحسب في موازين حسناتهم، لقوله تعالى:

<وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا*إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا>(الإنسان 8 ـ 12)!!![9]

 

   "فالإسلام لم يحارب الأمم،وإنما حارب المتسلطين فقط، كما كان هدفه من الحرب هو التحرير     وليس الإكراه على الدين ، بدليل أنه أعطى الحق لغير المسلمين في الاحتفاظ بأديانهم مقابل دفع الجزية لكي يحميهم الجيش المسلم وقت الضرورة "[10]...لأن الإسلام هو الدين الوحيد الذي حارب من أجل إقرار السلام ، فهو يرى أن كل البشر إخوة لأنهم خلقوا من ضلع آدم ، لقوله تعالى : < يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌخَبير>الحجرات - 13،فالخلق إذن كلهم إخوة، سواسية عند الله ،لا يتفاضلون إلا بالتقوى [11]

 

 

   ولعل أحد الأدلة على ذلك أن كلمة "حرب" وردت  في القرآن الكريم ست مرات فقط، بينما تكرر لفظ "السلم" ومشتقاته في ما يربو على مائة وثلاثين مرة؛ لأن السلام هو القاعدة الرئيسة التي تنطلق منها العلاقات الدولية في الإسلام، ولكنه السلام الذي ينطلق من مقام القوة ويحمي الحقوق... وأما الحرب فهي الاستثناء عن تلك القاعدة، ويعدها الإسلام جريمة إن لم تكن عادلة، ولغرض مشروع كالدفاع عن الدين ونشره، وإخضاع الناس لسلطان الإسلام لأنه الحق، والعدل، ونصرة المستضعفين من المسلمين، وكذلك لتأديب الناكثين الذين ينقضون الهدنة أو المعاهدة مع المسلمين والله عز وجل يقول:< وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ> {البقرة: 190}، وقال الله تعالى:< وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ{البقرة 193}، وقال تبارك وتعالى: <وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ>  {التوبة: 12} فإذا اضطر المسلمون إلى خوض الحرب ضد أعدائهم فإنه يجب على المقاتل المسلم التوكل على الله والثبات والتضحية في سبيل الله تعالى، وأن يكون الهدف الأسمى نصب عينيه إما النصر أو الشهادة..يقول رسول الله {: "من قُتِلَ دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد"(14).

 


   وإذا دارت رحى الحرب وطلب العدو أو مال إلى السلم فإن الإسلام الحنيف يدعو ذويه إلى قبوله والترحيب به؛ ولكن مع أخذ الحذر والحيطة؛ وذلك حقناً للدماء.. يقول الله عز وجل في كتابه العزيز: <وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ>{الأنفال: 61}.[12]

 

--------------------------------------------------------------------------------

[1]محمد مهدي عامر. مصدر سابق،ص 149

[2]يوسف عبد الله  القرضاوي.  هل يجوز قتل أسرى الكفار في الحروب؟ أم يجب تبديلهم بالأسرى المسلمين؟، متاح في:

http://www.muslm.net/vb/showthread.php?t=242047
 

 محمد مهدي عامر.مصدر سابق  ، ص150-151[3]

 المصدرالسابق ، ص302[4]

[5]المصدر السابق، ص 148-149 ة

عبد الله نجيب سالم.مواقف إنسانية في السيرة النبوية، ص89- 93.[6]

محمد مهدي عامر. قصة كبيرة في تاريخ السيرة ، ص189-190[7]

 عبد الله نجيبسالم . مواقف إنسانية في السيرة النبوية ، ص88-95.[8]

[9]the ethics of war in islam.-the revival voice of the muslim youth , january 28, 2006,available at:http://www.therevival.co.uk/?p=289

[10]war ethics in islam,available at: http://www.iviews.com/articles/articles.asp?ref=dw0408-2428

[11]the ethics of war in islam,op.cit

 

ممدوح إبراهيم الطنطاوي.أخلاقيات الحرب في الإسلام.- مجلة الجندي المسلم، ع112،1/8/2003متاح في:  [12]

http://jmuslim.naseej.com/detail.asp?innewsitemid=124046

 islam




                      المقال السابق                       المقال التالى




Bookmark and Share


أضف تعليق

أنت بحاجة للبرامج التالية: الحجم : 2.26 ميجا الحجم : 19.8 ميجا