عربي English עברית Deutsch Italiano 中文 Español Français Русский Indonesia Português Nederlands हिन्दी 日本の
  
  

   

إمساكُه صلى الله عليه وسلم بيد المُخاطَب أو منكِبِه لإثارةِ انتباهِه

وتارةً كان صلى الله عليه وسلم يُثيرُ انتباهَ المخاطبِ بأخذ يدِه أو منكِبِه ، ليَزدادَ اهتمامُه بما يُعلِّمهُ ، وليُلقِيَ إليه سمعَه وبصَرَه وقلبَه ، ليكون أوعى له وأذكَر .

 

 

روى البخاري ومسلم1، واللفظُ للبخاري عن عبد الله بنِ سَخْبَرَةَ أبي مَعْمَر قال : سمعتُ ابنَ مسعودٍ يقولُ : ((علَّمني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكفّي بين كفّيه ، التشهّدَ ، كما يُعلِّمني السورةَ من القرآن2:

التحيّاتُ لله ، والصلواتُ والطيِّباتُ ، السلامُ عليك أيُّها النبيُّ ورحمةُ الله وبركاتُه ، السلامُ علينا وعلى عبادِ الله الصالحين ، أشهَدُ أن لا إله إلاّ الله ، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه)) .

 

 

وروى البخاري والترمذي3عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : ((أَخَذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمَنْكِبي ، فقال : كُنْ في الدنيا كأنك غريبٌ أو عابرُ سبيل ، وعُدَّ نفسَك من أهل القبور))4.

وكان ابن عمر يقول : ((إذا أمسيتَ فلا تنتظر الصباح ، وإذا أصبحتَ فلا تنتظر المساء ، وخُذْ من صحتك لمرضك ، ومن حياتك لموتك ، فإنك يا عبد الله لا تدري ما اسمُك غداً))5.

 

 

 

ومن هذا الباب أيضاً ضربُ النبي صلى الله عليه وسلم على فخِذ بعضِ أصحابه في بعضِ الأحيان .

روى مسلم6عن التابعي الجليل أبي العالِية ، قال : ((أخَّر ـ الأميرُ ـ ابنُ زياد الصلاةَ . فجاءني عبدُ الله بنُ الصامت ، فألقيتُ له كُرْسياً فجلَس عليه ، فذكرتُ له صنيعَ ابن زياد ، فعضَّ على شفته وضَرَب فخذي ، وقال : إني سألتُ أبا ذر كما سألتَني ، فضَرَب على فخذي كما ضربتُ على فخذك ، وقال : إني سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني ، فضَرَب على فخذي كما ضربتُ على فخذك7، وقال : صَلِّ الصلاة لوقتها ، فإن أدركَتْك الصلاةُ معهم فصَلِّ ، ولا تقل : إني قد صلَّيتُ فلا أصلّي ، فإنها زيادةُ خير)) .

 

 

----------------------------------

1 ـ البخاري 11 :56 في كتاب الاستئذان (باب الأخذ باليد) ، ومسلم 4 :118 في كتاب الصلاة (باب التشهُّدِ في الصلاة) .

2 ـ هذه العبارةُ تُصوِّرُ شدةَ اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بتعليم هذا التشهُّد . وفي الحديث من أمورِ التعليم : أنَّ المعلِّم ينبغي له أن يُبدي الاهتمامَ البالغَ بالأمر الهام يُعلِّمُه للمُستفيدين ، وأن يُشعِرَهم بذلك ، ليُلقوا إليه بسمعِهم وبَصرِهم وقُلوبِهم ، وليكونوا على كمالِ التيقُّظ فيما يَتَحمَّلونه عنه ، فيَضبِطوا لفظَه وفعلَه وإشارتَه وعبارتَه ، دون زيادةٍ أو نقصٍ أو تغييرٍ أو تبديلٍ أو تهاوُنٍ .

وفيه أيضاً : التعليمُ والتلقين في حالةٍ مذكِّرةٍ ، من شدة القرب ، والأخذ بيد المتعلِّم ، ليَزدادَ انتباهُه بما يُعلَّمه ، وليكون أذكَر لما يُلقى إليه ، من تعليمِه بخطابٍ عامٍّ وحالٍ عاديّةٍ .

وفيه زيادةُ عنايةِ المتعلِّم ببعض المُتعلِّمين لفرطِ ذكائهم ، أو توسُّمِ الخير فيهم ، أو لَمْحِ مَخايِل الرَّجاحةِ والأصالةِ فيهم .

3 ـ البخاري 11 :199 في أوائل كتاب الرقاق ، والترمذي 4 :567 في كتاب الزهد (باب ما جاء في قِصَر الأمَل) .

4 ـ لأنك ميِّت يقيناً ، والموتُ كامنٌ في بُنيتك وكيانِك ، قال سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه : إنَّ رجلاً ليس بينه وبين أبيه آدم إنسانٌ حيّ لعريقٌ في الموت ، ولأنك تَشهدُ بعينيك الناس من أقارب وأباعد يموتون يوماً بعدَ يوم ، فلا بُدَّ أن يكون لك يوم . وقد كان سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : كلَّ يوم يقال : مات فلان وفلان ، ولا بُدَّ من يومٍ يقال فيه : مات عمر . فنحن كما قال القائل : نموتُ ونحيا كلَّ يومٍ وليلةٍ             ولا بد من يومٍ نموتُ ولا نحيا

وقد تدرَّج النبي صلى الله عليه وسلم في تذكير عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، فذكر له الغريب ، ثم عابرَ السبيل ، ثم ساكن القبور . فالغريب المتنقل من بلد إلى بلد ، قلبُه معلَّقٌ بوطنه ، لا يُثقِل على نفسه بالتوسع في أمتعته لعزمه العودة إلى بلده ، فلا يستقر بدار غربته إلاّ بقدر الضرورة أو الحاجة .

وعابرُ السبيل أي المارُّ على الطريق من جانب إلى جانب ، لا أرب له إلاّ فيما يُبلِّغُه إلى مقصِده فلا يلتفتُ إلى شيء يُحوِّلُه عنه ، ولا يُغريه بالتوقف بُستانٌ جميل ، ولا هواء بليل ، ولا ظل ظليل .

وساكنُ القبور هم الموتى الذين سبقوا إلى لقاء الله تعالى ، ومصيرُ الأحياء إلى ما صاروا إليه ، فلذا كان عبد الله بن عمر يقول : إذا أمسيتَ فلا تنتظر الصباح ...

5 ـ جملة (وعُدَّ نفسَك من أهل القبور) ، وجملة (فإنك يا عبد الله ...) جاءت في رواية الترمذي ، وليست في رواية البخاري .

قال الحافظ ابن حجر : ((وفي الحديث : مَسُّ المعلِّم أعضاء المتعلم عندالتعليم ، والموعوظِ عند المَوعِظةِ ، وذلك للتأنيس والتنبيه ، ولا يُفعَل ذلك غالباً إلاّ بمن يميل إليه . وفيه : مخاطبةُ الواحد وإرادةُ الجمع ، وحرصُ النبي صلى الله عليه وسلم على إيصال الخير لأمته ، والحضُّ على ترك الدنيا والاقتصار على ما لا بُدَّ منه)) .

6 ـ 5 :15 في كتاب المساجد (باب كراهية تأخيرِ الصلاة عن وقتِها)

7 ـ قال الإمام النووي في ((شرح صحيح مسلم)) : قوله : فضرب على فخذي ، أي للتنبيه وجَمْعِ الذهن على ما يقوله)) .




                      المقال السابق                       المقال التالى




Bookmark and Share


أضف تعليق

أنت بحاجة للبرامج التالية: الحجم : 2.26 ميجا الحجم : 19.8 ميجا