عربي English עברית Deutsch Italiano 中文 Español Français Русский Indonesia Português Nederlands हिन्दी 日本の
  
  

   

 أحد عظماء التاريخ:


انتقل فكر الغربيين المنصفين للنبي  صلى الله عليه وسلم  من مجرد الإقرار بـأنه نبي عظيم إلى مرتبة كونه أحد العظماء القلائل ذوي التأثير على مجريات التاريخ الإنساني، وقد تطلب انتقال النبي  صلى الله عليه وسلم  إلى هذه المرتبة نشأة مجال الدراسات المقارنة لقدر تأثيره  صلى الله عليه وسلم ، مع أقدار تأثير غيره من الشخصيات التاريخية. وقد كانت أكثر هذه المقارنات مع الأنبياء الذين تصدروا لإبلاغ الرسالات السماوية المكلفين بها، وبالتالي يعزى الفضل في انتقال النبي  صلى الله عليه وسلم  إلى هذه المرتبة لنتائج بحوث ودراسات مقارنة الأديان التي نشطت لدي الغرب متزامنة مع عصر الأنوار الأوربي الذي كان أميل وأكثر نزوعاً إلى الإنسانية وقبول الآخر فكرياً.
 

 

ويشير المستشرق الأمريكي كارل إيرنست(1) carl w.ernst في شهادته لمحمد  صلى الله عليه وسلم  بأنه أحد عظماء التاريخ، إلى دور علم الأديان في الوصول إلى هذه النتيجة قائلاً(2).:
"we would not have it in its present form without the prophet muhammad, and therefore i start without him. nevertheless, the importance of muhammad is not limited to those sources that can be dated with certainty to his own lifetime. he has served as an ongoing model for ethics, law, family life, politics and spirituality in ways that were not anticipated 1400 years ago. there are few people in history who have had a greater impact on humanity and it is through the historical elaboration of tradition that we must seed to understand that impact.

 


" لم يكن بإمكاننا الحصول عليه في صورته الحالية بدون النبى محمد  صلى الله عليه وسلم ، وهذا سبب بدئي به ومع ذلك لم تكن أهمية محمد  صلى الله عليه وسلم  مقصورة فقط على تلك المصادر التي ظهرت أثناء حياته إذ إنه خدم بوصفه نموذجاً مستمراً في الأخلاق، والنظام، والحياة العائلية، والسياسة، والروحانية بأساليب لم يسبق لها مثيل منذ 1400عام. أشخاص قلّة كان لهم تأثير أعظم على البشرية؛ ولكي نفهم ذلك التأثير يجب علينا اللجوء للفحص التاريخي للتراث الديني." وربما يكون من أهم الملامح المرتبطة بتصنيف النبي  صلى الله عليه وسلم  في مرتبة أحد عظماء التاريخ إسهام الألماني هانز كينج(۱) hans kueng بوصفة أول عالم لاهوتي كاثوليكى في العالم يقوم- على حد عبارة كارل إرنست carl ernst – بمحاولة جدية لتفهم محمد  صلى الله عليه وسلم  (2):
"ecumenical german theologian hans kueng was probably the first catholic to make a serious attempt to come to terms with muhammad."

 


فشهادة هانز كينج المنصفة للنبي محمد  صلى الله عليه وسلم  تأتي متعددة جوانب القيمة والتأثير، فهانز كينج من كبار رجال اللاهوت الليبرالي الحر ذي الشعبية الجارفة في ألمانيا والنمسا وسويسرا، مما لا يخفي معه القيمة الدينية لرأيه، هو كذلك رأي معتبر يحمل كل خصائص المعرفة الصحيحة والبحث المنهجي الرصين؛ لأن هانز كينج ليس مجرد لاهوتي  فحسب،بل أكاديمي صارم، وباحث عقلاني حرّ، ذو قدم راسخ في مجال الأديان وتاريخها وبحوثها والحوارات المثمرة بينها، مما أوجد لآرائه وكتاباته تأثيراً كبيراً أمكنه من مجابهة الكنيسة ومطالبتها الإقرار بعظمة النبي محمد  صلى الله عليه وسلم  قائلاً(1):


"blicket man auf des"gesandten gottes" lebenswerk zurueck, so ist das urteil der muslime begreiflich: dieser muhammad hat wie sehr wenige menschen vor und nach ihm gewaltiges, ja epochales geleistet und erreicht, das auch christliche theologie und kirchen heute endlich vorbehaltlos anerkennen sollten…. muhammad der grosse religioese reformator, der gesetzgeber und politische fuhrer, der prophet schlechthin"
" عندما يعود المرء إلى الوراء ناظراً عمل رسول الله يجد حكم المسلمين بأن محمداً قد استطاع ما لم يستطع إلا النادر من البشر أن يذلله وينجزه ويصل إليه، وهذا الحكم هو ما يجب اليوم على الكنيسة وعلى اللاهوت المسيحي الإقرار به أخيراً دون تحفظ.... محمد، المصلح الديني الكبير، المشرَّع، والزعيم السياسي، النبي بجدارة مطلقة".
وليس هانز كينج هو الاستثناء أو الصوت الوحيد في الإسهام اللاهوتي الذي يؤكد صدق العاطفة والشعور الديني لدى المنصفين في تصنيفهم النبيَّ محمداً  صلى الله عليه وسلم  كأحد عظماء التاريخ، فذلك الإسهام اللاهوتي يقطع بخطأ من يحصر بواعث مواقف المنصفين من نبي الإسلام في النزعة العقلانية لدى طوائف العلمانيين من باحثي الغرب وأدبائهم ومفكريهم.

 

 

فاللاهوتيون كانت دوافعهم وراء البحث عن حقيقة محمد  صلى الله عليه وسلم  الدينية لاشك دوافع لاهوتية رامية إما إلى إثبات تفوق اللاهوت المسيحي، أو البحث في مظاهر عدم أصالة النظم الدينية الأخرى.
ومن الأصوات ذات الخلفية والتاريخ اللاهوتي الكاتبة البريطانية كارين أرمسترونج karen armstrong (۱)، والتي جعلت من العون الإلهي تفسيراً أوحد للنجاح الفذ الذي حققه النبي  صلى الله عليه وسلم ، قائلة(2):
"divine aid seemed the only possible explanation for muhammad's extraordinary success."
" العون الإلهي فيما يبدو هو التفسير الوحيد المحتمل للنجاح الفذ الذي حققه محمد".
ولا يقتصر تأثير الفكر اللاهوتي لدى أرمسترونج على ذلك فهى تجعل كذلك من الطابع الإلهي الخالص للقرآن الكريم أحد وجوه عظمة وتفرد الرسالة المحمدية، بقولها(3):
"the only thing that made muhammad's revelation different was that for the first time god had sent a messenger to the quraysh and a scripture in their own language"


" الشيء الفريد الذي ميّز وحي محمد أن الله قد أرسل للمرة الأولى رسولا إلى قريش، وأنزل كتاباً مقدساً بلغتهم"
كما تجعل الإسلام والقرآن الكريم أهم وجوه عظمة النبي التي تضعه في مصاف أحد عظماء التاريخ. تقول(1):
"if we could view muhammad as we do any other important historical figure, we would surely consider him to be one of the greatest geniuses the world has known. to create a literary masterpiece, to found a major religion and a new world power are not ordinary achievements."

 

" إذا استطعنا النظر إلى محمد كما ننظر إلى الشخصيات التاريخية العظيمة الأخرى، فمن المؤكد أننا سنعده أحد أعظم العباقرة الذين عرفهم العالم، فأن يأتي برائعة أدبية، ويؤسس ديانة عظمى، وقوة عالمية جديدة، فتلك إنجازات غير عادية."
ومن بين المعاصرين غير اللاهوتيين الذين وضعوا النبي محمداً  صلى الله عليه وسلم  في مرتبة أحد عظماء التاريخ المستشرق الإنجليزي مونتجمري وات montgomery watt صاحب أغزر مؤلفات حول نبي الإسلام خاصة في ثلاثيته الشهيرة: محمد في مكة، محمد في المدينة، محمد النبي ورجل الدولة. وهو إن لم يكن من اللاهوتيين مثل هانز كينج وكارين أرمسترونج، إلا أنه أرجع نجاح النبي في تبوّء هذه المرتبة كذلك إلى دور العوامل اللاهوتية بجانب العوامل الشخصية. يقول وات تحت عنوان أصل العظمة the foundation of creation (۱):
"the more one reflects on the history of muhammad and of early islam, the more one is amazed at the vastness of his achievement. circumstances presented him with an opportunity such as few men have had, but the man was fully matched with the hour. had it not been for his gifts as seer, statesman, and administrator and, behind these, his trust in god and firm belief that god had sent him, a notable chapter in the history of mankind would have remained unwritten. it is my hope that this study of his life may contribute to a fresh appraisal and appreciation of one of the greatest of the"sons of adam".

 


" كلما استرجعنا تاريخ محمد وتاريخ الإسلام المبكر تملكنا الذهول أمام عظمة هذا الإنجاز، ولاشك أن الظروف كانت مواتية لمحمد فأتاحت له فرصاً للنجاح لم تتحها سوى للقليل من الرجال، غير أن الرجل كان على مستوى الظروف تماماً.
فلو لم يكن مستبصراً ورجل دولة وإدارة ولو لم يضع ثقته في الله، ويقتنع بشكل يقيني أن الله أرسله، لما كتب فصل مهم في تاريخ الإنسانية. ولى أمل أن هذه الدراسة عن حياة محمد يمكنها أن تساعد على إثارة الاهتمام من جديد، برجل هو من أعظم رجال أبناء آدم".
 فهو يجعل من يقين النبي محمد  صلى الله عليه وسلم   بنبوته، وبثقته في الله، وبدوره في تلقي الوحي، عوامل جوهرية لولاها ما تحققت له العظمة، ولولاها ما كان هذا التأثير الكبير في تاريخ الإنسانية".
ويبدو أن كارين أرمسترونج اللاهوتية قد تأثرت في إرجاعها عوامل عظمة محمد  صلى الله عليه وسلم   إلى أمور دينية عقدية باعتمادها على مونتجمري وات بوصفه قيمة كبرى في الاستشراق المعاصر، وهى كثيرة الاقتباس من مؤلفاته والإشارة إليها.

 


لكن يبدو أن جوانب التأثير قد تخطت مجرد الإشارة والاقتباس إلى المتابعة في أصول الأفكار والروح العامة. ولا يجب أن يتبادر إلى الذهن أن تصنيف النبي  صلى الله عليه وسلم  في مرتبة أحد عظماء التاريخ أمر طارئ محدث قاصر على شهادات المنصفين المعاصرين، كما بدا في شهادة كارل إرنست، وهانز كينج، وكارين أرمسترونج، ومونتجمرى وات، بل إن ذلك التصنيف يضرب بجذور عميقة في تاريخ علماء الأديان ومؤرخي الحضارات، مثل جوستاف لوبون(1)gustave le bon  الفرنسي في دراسته لتاريخ الحضارة الإسلامية التي أسماها: حضارة العرب la civilisation des arabes ونشرت عام 1884م،وخصص فيها الفصل الأول من الباب الثاني لدراسة سيرة النبي محمد  صلى الله عليه وسلم ؛ ليطرح بعد الانتهاء من فحص سيرة النبي  صلى الله عليه وسلم  وأقواله وأفعاله تساؤلاً حول عظمة محمد  صلى الله عليه وسلم : أكان الوصول إلى تلك العظمة أمراً مستهدفاً من جانبه أم لا؟ يقول لوبون(1):
"lorsque mahomet mourut, il avait obtenu ce resultat immense de reunir en une seule nation, obeisant a une seule croyance, et capable par suite d'obeir a un seul maitre, tous les peoples de l'arabie. ii serait inutile de rechercher si le resultat attaint fut bien celui que se proposait le prophete. nous connaissons si peu les varies causes de la succession des evenements que nous devons nous contenter d'admettre, commele font habituellement les historiens, que les resultants ontenus par l'influence des grands homes sont reellement ceux qu'ils cherchaient a obtenir. on demontrerait facilement que la valeur de cette regle est contestable, mais ce serait sortir de mon cadre que de le faire ici."

 


" من العبث البحث في مسألة النتائج التي حققها محمد؛ أكانت مما استهدفه قبلا !؟ وإذا لم نكن من المختصين في مسألة حتمية عمل الأسباب في المسببات، فإننا مضطرون إلى مجاراة المؤرخين فيما ذهبوا إليه من أن ما بلغه أعاظم الرجال، ومنهم محمد، من النتائج إنما هو مما كانوا يسعون إلى تحقيقه، ورأي مثل هذا، وإن كان لا يسلَّم به على علاّته، فإن الخوض في نقضه يخرجنا من موضوع هذا الكتاب."
وبعد أن يُبْدي لوبون le bon عدم قناعته بـأن محمداً  صلى الله عليه وسلم  كان يقصد من أعماله وإنجازاته تحصيل مرتبة العظمة وإدراكها، وأن تلك مسألة يحتاج نقضها بحثاً مستقلا لا يناسبه المقام، فإنه يقرر أن محمداً واحد من أعظم من عرفهم التاريخ على الرغم من إغفال المتعصبين والحاقدين الشهادة له بذلك. يقول لوبون lebon(1):
" s'il faut juger de la valeur des homes par la grandeur des oeuvres qu'ils ont fondees, nous pouvons dire que mahomet fut un des plus grands homes qu'ait connus l'histoire. des prejuges religieux ont empeche bien des historiens de reconnaitre l'importance de son oeuvre; mais les ecrivains chretiens eux-memes commencent qujourd'hui a lui render justice. voici comment s'exprime a son egard un des plus distingues d'entreux."
" إذا قيست قيمة الرجال بجليل أعمالهم كان محمد من أعظم من عرفهم التاريخ، وقد شرع بعض علماء الغرب ينصفون محمداً مع أن التعصب الديني قد أعمى بصائر مؤرخين كثيرين عن الاعتراف بفضله"

 


 
أما الفرنسي إميل درمنغم(۱)emile dermenghem  فعلى الرغم من كونه ليس لاهوتياً، فإنه يرجع عظمة النبي  صلى الله عليه وسلم  إلى أمور لاهوتية، ربما بسبب كونه أكثر المستشرقين قرباً من النصوص العربية والتراث الإسلامي خلال الفترة التي أمضاها في الجزائر. يقول درمنغم في كتابه the life of mahomet حياة محمد (۲):
"the very faults of the prophet prove that his unique and real grandeur come from god, from his supernatural inspiration. without god he felt himself alone and weak."
" تدل هفوات النبي على أن عظمته الحقيقية والفذة قد أتته من الله ومن خلال الوحي إليه، فلولا الله لشعر أنه وحيد ضعيف."
 ومع أن هذا النص يسمح لنا بإدراج درمنغم فيمن يصنف النبي  صلى الله عليه وسلم  في مرتبة أرفع من مرتبة العظمة التي نعرض لها الآن، فإننا أدرجناه هنا لوجود نص آخر عن عظمة النبي  صلى الله عليه وسلم  يعد أكثر بياناً لنوع المرتبة التي يريد إدراج النبي  صلى الله عليه وسلم  فيها. يقول درمنغم(1):
"his generosity in the days of his final triumph exhibited a greatness of soul rare indeed in the pages of history."

 


" مروءته وشهامته أثناء انتصاره النهائي ( فتح مكة) تُظهر من عظمة النفس ما لا يوجد مثيله في التاريخ إلا نادراً.
 فهذا النص  أميل إلى وضع النبي  صلى الله عليه وسلم  في مرتبة أحد العظماء القلائل الذين عرفهم التاريخ.
 

 




                      المقال السابق                       المقال التالى




Bookmark and Share


أضف تعليق

أنت بحاجة للبرامج التالية: الحجم : 2.26 ميجا الحجم : 19.8 ميجا