عربي English עברית Deutsch Italiano 中文 Español Français Русский Indonesia Português Nederlands हिन्दी 日本の
  
  

   

 

مكان محبة النبي صلى الله عليه وسلم :
 
 
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :" ومن حقه – صلى الله عليه وسلم – أن يكون أحب إلى المؤمن من نفسه وولده وجميع الخلق كما دل على ذلك قوله سبحانه:"قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموالٌ اقترفتموها وتجارةٌ تخشون كسادها ومساكنٌ ترضونها أحبَّ إليكم من الله ورسوله وجهادٍ في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين""، وقال الشيخ السعدي رحمه الله :" هذه الآية الكريمة أعظم دليلٍ على وجوب محبة الله ورسوله – صلى الله عليه وسلم - وعلى تقديمها على محبة كل شيء، وعلى الوعيد الشديد والمقت الأكيد على مَن كان شيءٌ من المذكورات أحبَّ إليه من الله ورسوله وجهادٍ في سبيله، وعلامةُ ذلك أنه إذا عُرض عليه أمران؛ أحدهما يحبه الله ورسوله وليس لنفسه فيها هوى، والآخر تحبه نفسه وتشتهيه ولكنه يفوِّت عليه محبوباً لله ورسوله أو يُنقصه، فإنه إن قدَّم ما تهواه نفسه على ما يحبه الله دل على أنه ظالمٌ تاركٌ لما يجب عليه".
 
 
 
 
وعن عبد الله بن هشام رضي الله عنه قال:" كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذٌ بيد عمر بن الخطاب فقال له عمر: يا رسول الله، لأنت أحبُّ إلي من كل شيء إلا من نفسي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحبَّ إليك من نفسك. فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي. فقال النبي  صلى الله عليه وسلم:"الآن يا عمر"، قال الحافظ العيني رحمه الله :"قوله (حتى أكون) أي لا يكمل إيمانك حتى أكون، قوله (الآن) يعني كمل إيمانك"، وعن أنس رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:" لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين"،
 
 
 
 
 
قال الحافظ العيني رحمه الله:" قال أبو الزناد: هذا من جوامع الكلم الذي أوتيه عليه الصلاة والسلام، إذ أقسام المحبة ثلاثة؛ محبة إجلال وإعظام كمحبة الوالد، ومحبة رحمة وإشفاق كمحبة الولد، ومحبة مشاكلةٍ واستحسان كمحبة الناس بعضهم بعضاً، فجمع عليه السلام ذلك كله"، قلت: فمكان حب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قلب المؤمن أولى وأعلى من مكان غيره في أقسام المحبة كلها؛ أما محبة الشفقة والرحمة فتلك التي يضحي لأجلها المحب بكل نفيسٍ وغالٍ في سبيل محبوبه، ولئن كان أحدنا يضحي بنفسه وماله وراحته في سبيل ولدٍ لا يدري أيكون له فتنة ونقمة أم رحمة ونعمة، فكيف بالرسول صلى الله عليه وسلم وهو النعمة المسداة من رب العالمين، وهو طريقنا إلى محبة الله ومرضاته وجنته، فرسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بلوازم هذا الحب من أبنائنا وبناتنا، وهو كذلك، وأما محبة الإجلال والإعظام فلئن كان أحدنا يبذلها لوالديه وحقيقٌ بهما ذلك لما لهما من حق وسابقة نعمة وفضل، فلعمر الحق لا أحد أولى بذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يدانيه في منزلة تعظيمه وتوقيره ملِكٌ معظَّم ولا أميرٌ مبجّل ولا والد والدة ولا صاحب فضل ولا نعمة، كيف وكل نعمة نعيشها في ظلال الإسلام قد تفيأنا ظلها بفضل الله تعالى عن طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو أولى بمحبة التعظيم والتوقير وأولى بلوازم هذه المحبة من آبائنا وأمهاتنا وهو كذلك، وأما محبة المشاكلة والاستحسان فلا تخرج عن أن تكون فرعاً عن محبوبٍ أعظم أو أن تكون دوراناً في فلك المصالح ، وإذا كان الأمر كذلك فأي محبوب أعظم من الله تعالى وأي فرع أقرب لهذه المحبة من محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان الدوران مع المصلحة فأي مخلوقٍ أنفع لنا بمصلحة دين أو دنيا حتى نقدم حبه على حب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا شك إذاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بهذه المحبة أيضاً وهو أولى بلوازمها من غيره، فإذا عُلم ما تقدم فقد اجتمعت الدواعي على تقديم حب رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل أقسام المحبة، وطرح كل ما سواه من المخلوقين جانباً، وهو كذلك. 
 
 
 
 
ولقد تكلم القاضي عياض رحمه الله بكلامٍ نفيس عن علامة محبته صلى الله عليه وسلم فذكر منها لزوم اتباعه وموافقته والرغبة في سنته وامتثال أمره وترك نواهيه والتأدب بأدبه في عُسره ويسره صلى الله عليه وسلم، ثم قال:"ومنها بغض من أبغضَ الله ورسوله، ومعاداة من عاداه، ومجانبة من خالف سنته وابتدع في دينه، واستثقاله كل أمر يخالف شريعته، قال الله تعالى :" لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادُّون من حادَّ الله ورسوله"، وهؤلاء أصحابه صلى الله عليه وسلم قد قتلوا أحباءهم وقاتلوا آباءهم وأبناءهم في مرضاته، وقال له عبد الله بن عبد الله بن أُبي : لو شئت لأتيتك برأسه، يعني أباه".
 
 
 
 
قلت: فلا شك أن محبته صلى الله عليه وسلم تستلزم معاداة مبغِضِه، وأن من ادعى حب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعلن ببغضه وحربه لمن أبغض رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فهو كاذب، ونسبته إلى محبة النبي صلى الله عليه وسلم نسبة كاذبة، فحق رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفدَّى بالأرواح والأولاد والأهلون والأموال والأوطان، وها هو خبيب بن عدي رضي الله عنه وأرضاه حين أراد المشركون قتله، "فلما وضعوا فيه السلاح وهو مصلوبٌ نادوه وناشدوه: أتحب محمداً مكانك؟ فقال: لا والله العظيم، ما أحب أن يفديني بشوكة يُشاكها في قدمه، فضحكوا"، نعم إن من لا يفهم حقيقة هذا الحب يضحك لجهله، أما من أُشرب في قلبه حب محمد صلى الله عليه وسلم فلا يفتدي نفسه بشوكة في قدمه الشريفة صلوات الله وسلامه عليه، وهكذا حب محمد صلى الله عليه وسلم، فهل من محبين...



                      المقال السابق                       المقال التالى




Bookmark and Share


أضف تعليق

أنت بحاجة للبرامج التالية: الحجم : 2.26 ميجا الحجم : 19.8 ميجا