عربي English עברית Deutsch Italiano 中文 Español Français Русский Indonesia Português Nederlands हिन्दी 日本の
  
  

   

 

واصبر نفسك 
 
قال عيسى بنُ مَرْيم عليه السلام: "سيكون في آخرِ الزمان عُلماء يُزَهِّدون في الدُّنيا ولا يَزهدون، ويُرَغِّبون في الآخرة ولا يَرْغَبون، يَنْهَوْن عن إتيان الوُلاة ولا ينْتهون، يُقَرِّبون الأغنياء، ويُبْعِدون الفُقراء، ويتَبسِّطون للكبراء، ويَنْقبضون عن الحُقراء، أولئك إخوانُ الشياطين وأعداء الرحمن "[1].
 
***
 
هناك فقهاء وعلماء أرستقراطيون ! في قصور عاجية، أقرب الناس إلى الكُتب لكنهم أبعد الناس عن الواقع ! وفقه الواقع ! لا يعرفون طريقًا للبسطاء .. تجد الواحد منهم قد أُشرب جلسات الوجهاء والأغنياء، يجلس بينهم يتصنع في المقال والفعال، ينمق كلماته، ويجوّد عبارته . فإذا ما جلس إلى البسطاء – هذا إذا جلس – تراه خبيث النفس،كسلان، ضيق الصدر، حديد اللسان .
 
إن هذا الصنف من  الدعاة نذكرهم بقول الله تعالى :
 
"وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً" [الكهف: 28].
 
لقد نزلت هذه الآية الكريمة على النبي – صلى الله عليه وسلم - عندما طلب أشرافُ مكة منه أن يجعل لهم مجلسًا غير مجلس العبيد والفقراء, وذلك لأن نفوس هؤلاء السادة تأنف أن تجلس مع الضعفاء في مجلس واحد، ولم لا فهم يجلسون للتباهي والتفاخر بالأموال والأولاد والأنساب أم الضعفاء تربوا في جلسات محمد على معان سامقة لم يعرفها كبراء القوم بعد ..
 
فنزلت الآية السالفة تأمر النبي – صلى الله عليه وسلم – بأن يصبر  نفسه مع الذين جاءوا إلى مجلسه من أجل الدعاء والصلاة صباحًا ومساءًا يبتغون بذلك وجه الله تعالى . هؤلاء على الداعية أن يتمسك بهم ولا يغفل عنهم وعليه أن يتعهدهم بالتربية والنصح والتعليم .
 
 
 
"وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ "
 
قال سعدٌ :
 
نزلت هذه الآية فينا، ستة : فِيَّ، وَفِي ابن مسعود، وصهيب، وعمار ، والمقداد، وبلال ،  قال : قالت قريش لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنا لا نرضى أن نكون أتباعًا لهم فاطردهم عنك ، قال : فدخل قلبَ رسولِ الله- صلى الله عليه وسلم- من ذلك ما شاء الله أن يَدْخُلَ فأنزل الله عز وجل :
 
"وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ " الآية[2] ..
 
 
 
إن من الناس من يبحث عن الوجاهة في كل موضع، حتى في الدين ومجالس العلم، فهؤلاء اشترطوا أن يتم طرد الفقراء من المجلس الذي يجلسون فيه إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، خشيةَ أن يُعير الغني بمجلس جلس فيه إلى فقير، وخوفًا من أن يُعير الوجهاء بمجلس جلسوا فيه إلى البسطاء ، وهي صورة تنم عن بشاعة النفوس التي كان يراوضها الداعية الأول– صلى الله عليه وسلم – . وتنم عن تلك البيئة الصعبة التي لا ترحم ولا تحترم ضعيفًا أو فقيرًا :  بيئةٌ شديدة، ونفوسٌ حديدة، فصلى الله على الهادي البشير الذي جعل منهم أخوة متحابين متآخين متكافلين، يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة!
 
 
 
وقد تكرر الموقف في المدينة المنورة حينما جاء الاقرع بن حابس التميمي، وعيينة ابن حصن الفزاري فوجدوا النبي- صلى الله عليه وسلم- قاعدا مع عمار وصهيب وبلال وخباب بن الارت في أناس من ضعفاء المؤمنين، فلما رأوهم حقروهم، فخلوا به فقالوا: إن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب قعودا مع هذه الأعبد، فإذا جئناك فأقمهم عنك فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت. قال : " نعم " .. قالوا : فاكتب لنا عليك كتابًا . فدعا بصحيفة ودعًا عليّا ليكتب والضعفاء قعود في ناحية فنزل جبرائيل عليه السلام فنزل جبيرل بالآية :
 
"وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ " [ الأنعام52][3].
 
حتى قوله تعالى :
 
"وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ " [الأنعام: 54]
 
"وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ "
 
وبعد نزول الآية استجاب صاحب الخلق العظيم، فنادى عمارًا وبلالاً وصهيب وجماعة من ضعفاء المسلمين ، فقال لهم : سلام عليكم . وأدناهم منه حتى  قال خباب : " حتى وضعنا ركبنا على ركبته "[4] .
 
 
 
هذا هو حال الداعية مع أتباعه الضعفاء، رحيم شفيق ودود، بالمؤمنين رؤوف رحيم، سهل لين، يبشرهم برحمة الله ويتواضع لهم حتى أن ركبته تختلط بركاب أتباعه .
 
 
 
توصيات عملية :
 
1-اصبر نفسك مع أصدقاء الخير الأتقياء واجعل بينك وبين أصدقاء السوء ألف سد.
 
2- اصبر نفسك مع مجالس الحكمة، ودروس التزكية، وحلق الذكر .
 
3-اصبر نفسك مع الفقراء والضعفاء، علمهم مما علمك الله، وأعطهم مما أعطاك .
 
-----------------------
 
[1]العقد الفريد 1/163
 
[2] أخرجه (ابن ماجه 4118) وصححه الألباني
 
[3] ولعلها نزلت مرتين مرة في مكة ومرة في المدينة للموقف السابق
 
[4] أخرجه ابن ماجه( 4117)، وصححه الألباني .



                      المقال السابق                       المقال التالى




Bookmark and Share


أضف تعليق

أنت بحاجة للبرامج التالية: الحجم : 2.26 ميجا الحجم : 19.8 ميجا