عربي English עברית Deutsch Italiano 中文 Español Français Русский Indonesia Português Nederlands हिन्दी 日本の
  
  

   

 

النداء التاسع عشر : تحريمُ عضلِ النساء 

 

قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19)وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (20)وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (21) } سورة النساء

كَانَ النَّاسُ قَبْلَ الإِسْلاَمِ يَجْعَلُونَ النِّسَاءَ كَالمَتَاعِ فَإذا مَاتَ الرًَّجُلُ كَانَ أَوْلِياؤُهُ أَحَقُّ بِامْرَأَتِهِ يَتَزَوَّجُونَها بِدُونِ مَهْرٍ وَلاَ رِضَاً مِنْهَا ، وَكَأنَّهَا شَيءٌ مِنْ مِيرَاثِ الرَّجُلِ المُتَوَفَّى ، فَإنْ شَاءَ بَعْضُهُمْ تَزَوَّجَها ، وَإنْ شَاؤُوا زَوَّجُوهَا ، وَإِنْ شَاؤُوا لَمْ يُزَوِّجُوهَا ، فَكَانُوا أَحَقَّ بِهِا مِنْ أَهْلِها ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ لإِبْطَالِ هَذا التَّعَامُلِ الجَائِرِ .

وَفِي هَذِهِ الآيَةِ يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى النَّاسَ بِعَدَمِ الإِضْرَارِ بِالمَرْأَةِ ، وَبِعَدَمِ مُضَايَقَتِهَا ( عَضْلِهَا ) فِي العِشْرَةِ لِتَتْرُكَ لِلْرَجُلِ مَا دَفَعَهُ لَها مِنْ مَهْرٍ ، أوْ بَعْضِ حُقُوقِهَا عَلَيهِ ، أَوْ شَيْئاً مِنْ حُقُوقِهَا فِي المِيْرَاثِ ، عَلى سَبِيلِ القَهْرِ وَالإِضْرَارِ .

أمَّا إذَا زَنَتِ المَرْأَةُ فَكَانَ لِلرَّجُلِ أنْ يَسْتَرْجِعَ مِنْهَا الصَّدَاقَ الذِي دَفَعَهُ إلَيها ، وَأنْ يُضَاجِرَهَا حتَّى تَتْرُكَهُ ( أيْ أنَّ لَهُ عَضْلَهَا فِي هَذِهِ الحَالَةِ ) . أمَّا فِي غَيْرِ حَالَةِ الزِّنَى فَقَدْ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى الرِّجَالَ بِمُعَاشَرَةِ النِّسَاءِ بِالمَعْرُوفِ ، أيْ مَعَ طِيبِ قَوْلٍ ، وَحُسْنِ فِعْلٍ ، حَتَّى وَلَوْ كَرِهُوهُنَّ ، فَقَدْ يَكْرَهُ الإِنسَانُ شَيْئاً وَيَجْعَلُ اللهُ لَهُ فِيهِ خَيراً كَثِيراً ، كَأنْ تَلِدَ لَهُ المَرْأةُ وَلَداً يَنْبُغُ أو يَسُودُ ، أوْ يَكُونُ ذَا شَأنٍ أوْ أنْ يَنْصَلِحَ حَالُها فَتَكُونَ سَبباً فِي سَعَادَته .

وَإذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أنْ يُفَارِقَ امْرَأَتَهُ لِكُرْهِهِ إيَّاهَا ، وَعَدَمْ صَبْرِهِ عَلى مُعَاشَرَتِها ، وَأنْ يَسْتَبْدِلَ غَيْرَهَا بِها ، وَهِي لَمْ تَأْتِ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ، وَكَانَ قَدْ أَعْطَاهَا الكَثِيرَ مِنَ المَالِ مَقْبُوضاً أوْ مُلْتَزِماً ، دَفَعَهُ إلَيْها ، أَوْ صَارَ دَيْناً فِي ذِمَّتِهِ ، فَعَلَى الرَّجُلِ أنْ لاَ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئاً ، بَلْ عَلَيهِ أنْ يَدْفَعَهُ إليها بِالكَامِلِ ، وَلُوْ كَانَ قِنْطَاراً مِنَ المَالِ . ثُمَّ يُنْكِرُ اللهُ تَعَالَى عَلَى الرِّجِالِ البَاهِتينَ الآثِمِينَ الذِينَ كَانَ مِنْ عَادَتِهِمْ أنَّهُمْ إذَا أَرَادُوا تَطْلِيقَ الزَّوْجَةِ رَموهَا بِالفَاحِشَةِ حَتَّى تَخَافَ وَتَشْتَرِيَ نَفْسَها مِنْهُمْ بِتَرْكِ المَهْرِ الذِي دَفَعُوهُ .

وَيُكَرِّرُ اللهُ تَعَالَى إِنْكَارَهُ عَلَى الرِّجَالِ الذِينَ يُفَكِّرُونَ بِأَخْذِ شَيءٍ مِمَّا أَعْطَوا النِّسَاءَ مِنْ مُهُورٍ وَصَدَاقٍ فَيَقُولُ : كَيْفَ تَسْتَسِيغُونَ أَخْذَ شَيءٍ مِمَّا دَفَعْتُمْ إلى نِسَائِكُمْ كُلاًّ أوْ بَعْضاً ، بَعْدَ أنْ تَأَكَّدَتِ الرَّابِطَةُ ، بَيْنَ الزَّوْجِينِ ، بِأَقْدَسِ رِبَاطٍ حَيَوي ، وَلاَبَسَ كُلٌّ مِنْهُمَا الآخَرَ ، وَأَفْضَى إليهِ بِالاتِّصَالِ الجَسَدِيِّ ، حَتَّى صَارَ أحَدُهُمَا بِمَثَابَةِ الجُزْءِ المُتَمِّمِ للآخَرِ ، وَأخَذْنَ عَلَيكُمْ عَهْدَ اللهِ عَلَى إمْسَاكِهِنَّ بِمَعْرُوفٍ ، أوْ تَسْرِيحِهِنَّ بِإِحْسَانٍ؟!

كان بعضهم في الجاهلية العربية - قبل أن ينتشل الإسلام العرب من هذه الوهدة ويرفعهم إلى مستواه الكريم - إذا مات الرجل منهم فأولياؤه أحق بامرأته يرثونها كما يرثون البهائم والمتروكات! إن شاء بعضهم تزوجها وإن شاءوا زوجوها وأخذوا مهرها - كما يبيعون البهائم والمتروكات! - وإن شاءوا عضلوها وأمسكوها في البيت . دون تزويج حتى تفتدي نفسها بشيء . .

وكان بعضهم إذا توفي عن المرأة زوجها جاء وليه فألقى عليها ثوبه فمنعها من الناس وحازها كما يحوز السلب والغنيمة! فإن كانت جميلة تزوجها; وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها أو تفتدي نفسها منه بمال! فأما إذا فاتته فانطلقت إلى بيت أهلها قبل أن يدركها فيلقي عليها ثوبه فقد نجت وتحررت وحمت نفسها منه!

وكان بعضهم يطلق المرأة ويشترط عليها ألا تنكح إلا من أراد; حتى تفتدي نفسها منه بما كان أعطاها .

. كله أو بعضه!

وكان بعضهم إذا مات الرجل حبسوا امرأته على الصبي فيهم حتى يكبر فيأخذها!

وكان الرجل تكون اليتيمة في حجره يلي أمرها ، فيحبسها عن الزواج حتى يكبر إبنه الصغير ليتزوجها ويأخذ مالها!

وهكذا . وهكذا . مما لا يتفق مع النظرة الكريمة التي ينظر بها الإسلام لشقي النفس الواحدة; ومما يهبط بإنسانية المرأة وإنسانية الرجل على السواء . . ويحيل العلاقة بين الجنسين علاقة تجار أو علاقة بهائم!

ومن هذا الدرك الهابط رفع الإسلام تلك العلاقة إلى ذلك المستوى العالي الكريم اللائق بكرامة بني آدم الذين كرمهم الله وفضلهم على كثير من العالمين . فمن فكرة الإسلام عن الإنسان ، ومن نظرة الإسلام إلى الحياة الإنسانية ، كان ذلك الارتفاع الذي لم تعرفه البشرية إلا من هذا المصدر الكريم .

حرم الإسلام وراثة المرأة كما تورث السلعة والبهيمة كما حرم العضل الذي تسامه المرأة ويتخذ أداة للإضرار بها - إلا في حالة الإتيان بالفاحشة وذلك قبل أن يتقرر حد الزنا المعروف - وجعل للمرأة حريتها في اختيار من تعاشره ابتداء أو استئنافاً . بكراً أم ثيباً مطلقة أو متوفى عنها زوجها . وجعل العشرة بالمعروف فريضة على الرجال - حتى في حالة كراهية الزوج لزوجته ما لم تصبح العشرة متعذرة - ونسم في هذه الحالة نسمة الرجاء في غيب الله وفي علم الله . كي لا يطاوع المرء انفعاله الأول فيبت وشيجة الزوجية العزيزة . فما يدريه أن هنالك خيراً فيما يكره هو لا يدريه . خيراً مخبوءاً كامناً لعله إن كظم انفعاله واستبقى زوجه سيلاقيه :

{ يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن - إلا أن يأتين بفاحشة مبينة . وعاشروهن بالمعروف . فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً } . .

وهذه اللمسة الأخيرة في الآية تعلق النفس بالله وتهدىء من فورة الغضب وتفثأ من حدة الكره حتى يعاود الإنسان نفسه في هدوء; وحتى لا تكون العلاقة الزوجية ريشة في مهب الرياح . فهي مربوطة العرى بالعروة الوثقى . العروة الدائمة . العروة التي تربط بين قلب المؤمن وربه وهي أوثق العرى وأبقاها .

والإسلام الذي ينظر إلى البيت بوصفه سكناً وأمناً وسلاماً وينظر إلى العلاقة بين الزوجين بوصفها مودة ورحمة وأنساً ويقيم هذه الآصرة على الاختيار المطلق كي تقوم على التجاوب والتعاطف والتحاب . . هو الإسلام ذاته الذي يقول للأزواج : { فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً } . . كي يستأني بعقدة الزوجية فلا تفصم لأول خاطر وكي يستمسك بعقدة الزوجية فلا تنفك لأول نزوة وكي يحفظ لهذه المؤسسة الإنسانية الكبرى جديتها فلا يجعلها عرضة لنزوة العاطفة المتقلبة وحماقة الميل الطائر هنا وهناك ..

وما أعظم قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لرجل أراد أن يطلق زوجه « لأنه لا يحبها » . . « ويحك! ألم تبن البيوت إلا على الحب؟ فأين الرعاية وأين التذمم؟ » . .

وما أتفه الكلام الرخيص الذي ينعق به المتحذلقون باسم « الحب » وهم يعنون به نزوة العاطفة المتقلبة ، ويبيحون باسمه - لا انفصال الزوجين وتحطيم المؤسسة الزوجية - بل خيانة الزوجة لزوجها! أليست لا تحبه؟! وخيانة الزوج لزوجته! أليس أنه لا يحبها؟!

وما يهجس في هذه النفوس التافهة الصغيرة معنى أكبر من نزوة العاطفة الصغيرة المتقلبة . ونزوة الميل الحيواني المسعور . ومن المؤكد أنه لا يخطر لهم أن في الحياة من المروءة والنبل والتجمل والاحتمال ما هو أكبر وأعظم من هذا الذي يتشدقون به في تصور هابط هزيل . . ومن المؤكد طبعاً أنه لا يخطر لهم خاطر . . الله . . فهم بعيدون عنه في جاهليتهم المزوّقة! فما تستشعر قلوبهم ما يقوله الله للمؤمنين : { فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً } . .

إن العقيدة الإيمانية هي وحدها التي ترفع النفوس وترفع الاهتمامات وترفع الحياة الإنسانية عن نزوة البهيمة وطمع التاجر وتفاهة الفارغ!

فإذا تبين بعد الصبر والتجمل والمحاولة والرجاء . أن الحياة غير مستطاعة وأنه لا بد من الانفصال واستبدال زوج مكان زوج فعندئذ تنطلق المرأة بما أخذت من صداق وما ورثت من مال لا يجوز استرداد شيء منه ولو كان قنطاراً من ذهب . فأخذ شيء منه إثم واضح ومنكر لا شبهة فيه :

{ وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً . أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً؟ } .

ومن ثم لمسة وجدانية عميقة وظل من ظلال الحياة الزوجية وريف في تعبير موح عجيب :

{ وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً؟ } . .

ويدع الفعل : { أفضى } بلا مفعول محدد . يدع اللفظ مطلقاً يشع كل معانيه ويلقي كل ظلاله ويسكب كل إيحاءاته . ولا يقف عند حدود الجسد وإفضاءاته . بل يشمل العواطف والمشاعر والوجدانات والتصورات والأسرار والهموم والتجاوب في كل صورة من صور التجاوب . يدع اللفظ يرسم عشرات الصور لتلك الحياة المشتركة آناء الليل وأطراف النهار وعشرات الذكريات لتلك المؤسسة التي ضمتهما فترة من الزمان . . وفي كل اختلاجة حب إفضاء . وفي كل نظرة ود إفضاء . وفي كل لمسة جسم إفضاء وفي كل اشتراك في ألم أو أمل إفضاء . وفي كل تفكر في حاضر أو مستقبل إفضاء . وفي كل شوق إلى خلف إفضاء . وفي كل التقاء في وليد إفضاء . .

كل هذا الحشد من التصورات والظلال والأنداء والمشاعر والعواطف يرسمه ذلك التعبير الموحي العجيب : { وقد أفضى بعضكم إلى بعض } . . فيتضاءل إلى جواره ذلك المعنى المادي الصغير ويخجل الرجل أن يطلب بعض ما دفع وهو يستعرض في خياله وفي وجدانه ذلك الحشد من صور الماضي وذكريات العشرة في لحظة الفراق الأسيف!

ثم يضم إلى ذلك الحشد من الصور والذكريات والمشاعر عاملاً آخر من لون آخر : { وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً } ..

هو ميثاق النكاح باسم الله وعلى سنة الله . . وهو ميثاق غليظ لا يستهين بحرمته قلب مؤمن; وهو يخاطب الذين آمنوا ويدعوهم بهذه الصفة أن يحترموا هذا الميثاق الغليظ




                      المقال السابق                       المقال التالى




Bookmark and Share


أضف تعليق

أنت بحاجة للبرامج التالية: الحجم : 2.26 ميجا الحجم : 19.8 ميجا