عربي English עברית Deutsch Italiano 中文 Español Français Русский Indonesia Português Nederlands हिन्दी 日本の
  
  

   

 

بين خيام الحجيج
 
...كانت السنوات الثلاثة الأخيرة في المرحلة المكية [ سنة 11، 12، 13من البعثة]؛ تكاد تكونُ موجهةً لتحقيق هدف واحد، هو، البحثُ عن وطن جديد؛ تنطلق منه الدولةُ والدعوة .
 
واشتد الأذى الإعلامي من الوثنية . وطفق المشركون يتتبعون خطوات رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مواسم الحج؛ يسفهونه ويحذرون القبائل منه.
 
 
 
همة عالية وتوكل عظيم
 
أما هو، فلم يتعب ولم يمل . عرض نفسه على قبيلة بني عامر؛ فأبوا . عرض نفسه على قبيلة غسان؛ فرفضوا . عرض نفسه على بني فزارة؛ فأعرضوا، التَقَى بني مرة، التقى بني حنيفة، التقى بني سليم .. بني عبس، بني نصر، ثعلبة بن عكابة، وكندة، وكلب، وبني الحارث بن كعب، وبني عذرة ... قابل هؤلاء وغيرهم؛ فأبوا أن ينصروه، بل منهم من ضربه، ومنهم من نهَرَه . فلله درها من هِمة ! ولله دره من قلبٍ حي لا ينام عن طلب المعالي :
 
قال أبو الطيب ـ من الطويل ـ :
 
عَلى قَدْرِ أهْلِ العَزْم تأتي العَزائِمُ *** وَتأتي علَى قَدْرِ الكِرامِ المَكارمُ
 
وَتَعْظُمُ في عَينِ الصّغيرِ صغارُها ****وَتَصْغُرُ في عَين العَظيمِ العَظائِمُ
 
 
 
وهؤلاء الذين دعاهم النبيُ ـ صلى الله عليه وسلم ـ تملصوا منه على طرائق شتى؛ فمنهم من تهربوا وتعللوا بمواثيق ومعاهدات ـ مثل شيبان ـ كما أشرنا.
 
ومنهم من ساوموه؛ أن يجعل السلطان فيهم من بعده، مثل كنده. وقد قالوا له : إن ظفرت تجعل لنا الملكَ من بعدك ؟ فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: " إن الملك لله يجعله حيث يشاء "[1] . وقد قالت له بنو عامر ـ أيضًا ـ نحو ذلك؛ فقال:" الأمْرُ إلَى اللّهِ، يَضَعُهُ حَيْثُ يَشَاءُ"، فقال كبيرهم ـ وهو فِرَاسُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ ـ: " أَفَتُهْدَفُ نَحُورُنَا لِلْعَرَبِ دُونَك، فَإِذَا أَظْهَرَك اللّهُ كَانَ الأمْرُ لِغَيْرِنَا ؟ لا حَاجَةَ لَنَا بِأَمْرِك!"[2]. وهؤلاء طلاب مُلكٍ لا طلاب رسالة؛ وإنما كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يبحث عن رجال يُضحّون، لا جباة يأكلون . كان يبحث عن دعاة لا جباة !
 
فهذه الدعوة لا يفلح فيها طلاب الدنيا .
 
إن الشخص النفعي لن يبذل معونته للدعوة؛ إلا إذا أحس بالمنفعة المادية من وراء هذه الدعوة .
 
إن التجرد، سمةٌ رئيسية وصفةٌ أساسية لأبناء هذا الدين.
 
ذلك ليعلم المسلمُ أن الأرض لله، والملك لله، والسلطان لله، يجعل أي من ذلك حيث يشاء، والعاقبة للمتقين .
 
ثم أنت رأيتَ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يعدهم ويمنهم بشىء، ولو كان من الملوك أو من قادة الثورات النفعية؛ لطاوعهم فيما يطلبونه ولو بالكلام، حتى يتم له ما أراد، ثم يخلف وعده بعد ذلك حينما يتمكن من رقابهم . كشأن قائدٍ من قادات الثورات الحديثة؛ لما نصره إخونُه؛ غدر بهم، وأخذ يُعمل فيهم القتل، ليستبد له الأمر.
 
أما النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فجلاها بوضوح من أول يوم: أن الأمر لله، يضعه حيث يشاء، هكذا صادقة نقية لا ترى في عقيدتها عوجًا ولا أمتا.
 
 
 
حكمة أفضل من حكمة
 
وقد التقى النبي ـ صلى الله عليهم وسلم ـ بآحاد الأشراف؛ فتصدى لسويد بن الصامت ـ وكان من أكابر يثرب، من الأوس، من بني عوف ـ وكان رجلاً مفكرًا مثقفًا، يحفظ طرفًا من حِكم لقمان ، فدعاه النبيُ ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى الإسلام؛ فقال سويد بلسان العلماء الظرفاء : " فَلَعَلّ الّذِي مَعَك مِثْلُ الّذِي مَعِي ! " .
 
فقال الداعيةُ الحكيم ـ دون حَجْرٍ على فكر أو ازدراء لرأي ـ :
 
" وَمَا الّذِي مَعَك " ؟
 
قال سويد : " مَجَلّةُ لُقْمَانَ - يَعْنِي حِكْمَةَ لُقْمَانَ ".
 
فقال صاحب الأدب الرفيع :" اعْرِضْهَا عَلَيّ "
 
أنصتَ له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو الذي يأتيه الوحيُ من السماء . ثم قال ـ بلسان الناقد المنصف البصير ـ :
 
"إنّ هَذَا لَكَلامٌ حَسَنٌ ! وَاَلّذِي مَعِي أَفَضْلُ مِنْ هَذَا؛ قُرْآنٌ أَنْزَلَهُ اللّهُ تَعَالَى عَلَيّ هُوَ هُدًى وَنُورٌ "[3] .
 
فتلا عليه القرآن، ودعاه إلى الإسلام، فلم يبعد، وأسلم بعد ذلك قبيل مقتله؛ وكان مقتله قبيل يوم بعاث؛ وهذا يعني أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم قابل هذا الرجل قبل العام الثامن من البعثة؛ ومن ثم لا مكان لهذه القصة في أحاديث العقبة، بيد أن أدباء السير يكتبون هذه القصة في معرض الحديث عن بدإ إسلام الأنصار، وبالفعل بدأ إسلام الأنصار بإسلام هذا الرجل الحكيم الأديب .
 
***
 
النصير الصغير
 
ثم كانت المقابلة العابرة لبني عبد الأشهل ـ من الأوس ـ، وقد قدِم الزعيمُ اليثربي " أَبُو الْحَيْسَرِ أَنَسُ بْنُ رَافِعٍ " مَكَّةَ، ومعه ثلة من رجاله، فِيهِمْ "إِيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ " يَلْتَمِسُونَ إبرام تحالف مع قريش ضد الخزرج، فسمع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بهم؛  فَأَتَاهُمْ فَجَلَسَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ لَهُمْ ـ بلسان الناصح ـ  :« هَلْ لَكُمْ إِلَى خَيْرٍ مِمَّا جِئْتُمْ لَهُ ؟». قَالُوا : وَمَا ذَاكَ قَالَ : « أَنَا رَسُولُ اللَّهِ بَعَثَنِى إِلَى الْعِبَادِ، أَدْعُوهُمْ إِلَى أَن ْيَعْبُدُوا اللَّهَ لاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَأُنْزِلَ عَلَىَّ كِتَابٌ ». ثُمَّ ذَكَرَ الإِسْلاَمَ وَتَلاَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، فَقَالَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ ـ وكَانَ غُلاَماً حَدَثاً ـ : أَىْ قَوْمِ! هَذَا، وَاللَّهِ، خَيْرٌ مِمَّا جِئْتُمْ لَهُ ! فَأَخَذَ أَبُو حَيْسَرٍ حَفْنَةً مِنَ  التراب فرماه بها، فقام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عنهم ـ ربما لسوء أدبهم ـ، ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن مات، ولم يزل قومُه يَسْمَعُونَهُ يُهَلِّلُ اللَّهَ، وَيُكَبِّرُهُ، وَيَحْمَدُهُ، وَيُسَبِّحُهُ، حَتَّى مَاتَ، فَمَا كَانُوا يَشُكُّونَ أَنْ قَدْ مَاتَ مُسْلِماً[4].
 
إن هذا الغلام صدح بالحق بين ظهراني الرجال وهم يصدفون عنه . فكان أنْ كتب اللهُ له حسن الخاتمة؛ جزاءَ نصرته، ولقاء وقفته.
 
آه يا أخي من تلك المواقف، تلك التي تكون فيها لحظةُ صدق، أو وقفة حق، أو كلمة طيبة؛ يدخل الإنسانُ على أثرها جنةَ الخلد .
 
وكم تمر بنا تلك الفرص في حياتنا اليومية، فيُبتلى المرءُ بموقف يجد نفسه فيه بين أضراس الباطل؛ ولا معين للحق في هذا المشهد، ومطلوبٌ من الإنسان أن يقف فيها وقفةً إيجابيةً، يُفَرِّقُ فيها بين الحق والباطل .. ولكن ... سرعان ما يحتويه الشيطان، ولا يُريَّ المرءُ ربَه من نفسه خيرًا، فيسكت عن الحق، أو يخوض مع الخائضين .
 
***
 
 
رهط أَسْعَد بْن زُرَارَةَ
 
ولا زال هكذا؛ صلوات الله عليه، يدور على القبائل في مواسم الحج؛ يصدع فيهم بكلمة الحق، حتى أذن الله تبارك وتعالى أن يمن على الأوس والخزرج بهذه النعمة العظيمة؛ نعمة النصرة . فبينا هو عند العقبة ـ بمنى ـ لقي جماعة من الخزرج؛ ـ وكانوا ستة منهم أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ ـ  فطلب النبيُ ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يجلس إليهم يكلمهم؛ فأذنوا له، وقد سألهم عن موطنهم، فأخبروه، وقال : "أَمِنْ مَوَالِي يَهُودَ ؟ "، قالوا: نعم . وبذلك عرف خلفيتهم الثقافية، وعلم من أين سيبدأ الحوار، وقد كانت اليهود في المدينة تبشر بمقدم نبي آخر الزمان .
 
 
 
جلس رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى هؤلاء الشباب؛ فعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن؛ فعرفوا صدقه، فآمنوا، وقالوا : إنّا قَدْ تَرَكْنَا قَوْمَنَا؛ وَلا قَوْمَ بَيْنَهُمْ مِنْ الْعَدَاوَةِ وَالشّرّ مَا بَيْنَهُمْ؛ فَعَسَى أَنْ يَجْمَعَهُمْ اللّهُ بِك، فَسَنَقْدَمُ عَلَيْهِمْ فَنَدْعُوهُمْ إلَى أَمْرِك، وَتَعْرِضُ عَلَيْهِمْ الّذِي أَجَبْنَاك إلَيْهِ مِنْ هَذَا الدّينِ، فَإِنْ يَجْمَعْهُمْ اللّهُ عَلَيْهِ فَلا رَجُلَ أَعَزّ مِنْك. "[5]، وانصرفوا وصدقوا، وقاموا بتبليغ قومهم؛ فبدأ الإسلامُ ينتشر فيهم .
 
***
 
كان إسلام هؤلاء الشبيبة سهلاً سريعًا، للخلفية الدينية التي زرعتها يهود. وللفتن والهزاهز التي طحنت الجميع . ثم إن هؤلاء من الخزرج؛ الذين هم أرق أفئدة، وأطيب قلوبًا، إذ أصولهم ترجع إلى اليمن، وقد تبوءوا دار المدينة من قبل،  وقد قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أهلها « جَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ ! هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً . الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْفِقْهُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ »[6]. هؤلاء صفتهم في القرآن، " يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ" [الحشر:9] .
 
***
 
ومن هنا، ومن هذا الموقف، ومن هذه العزمة، بدأ مجد الأنصار ـ رضي الله عنهم ـ، ومن هنا دخل الأنصارُ التاريخَ . واقتنصت الأوسُ والخزرجُ السيفَ اليماني، والتاجَ الذهبي، والمجد الخالد التالد الأبدي، بفضل سبقهم ونصرتهم وصدقهم وموقفهم التارخي . وهم فوق ذلك أبناء الحروب، وقادة الجنود، وساسة الأمور، وفخر المشاهد، وفرسان الهزاهز، وأبطال المعارك، وإخوان التجارب. فرضي الله عنهم وأرضاهم .
 
***
 
أرأيتَ همته ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الطواف على الناس ؟ أرأيتَ كيف أن أمور العقيدة وأصول الدين ثابتة لا تتغير ؟ وأن الحكمة لا تصادم الحكمة، بيد ثمَّةَ حكمةٌ هي أفصح من أخرى .. وأنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يردَّ حكمةَ سويد ولم يسفهها ؟ ثم أسلم ذلك الرجل المتأدب، ذلك لتعلم أن الحكماء والعقلاء هم أقرب الناس إلى الإسلام، كما القمر أقرب الكواكب إلى الأرض؛ كَيْمَا تعلم أن العقول المستنيرة لا تصدم الشرع السمح، وكيما تُؤمن أن الشرع السمح لا يصدم العقول المستنيرة؛ وكيلا تظن أن هؤلاء الطاعنين في الدين بلغوا مبلغًا من أدب البحث العلمي ! فلو بلغوا طرفًا حسنًا من أخلاقيات الباحثين لما كذوبوا ودلسوا وافتروا؛ كما كذَب العلمانيون، ودلس المستشرقون، وافترى الملحدون!
 
***
 
يا عزيزي، لتأخذك الحميةُ للحق، ولتتخلق بأخلاق الغلام الصغير الذي نصر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقال فيه قولة نور في دياجير الظلام. فاعمل على نشر كلمة الحق وإعلائها، ودحض كلمة الباطل وإذلالها، وقطع مادة الفساد وحسم أدوائها .
 
***
 
لقد حمَل رهطُ أسعد بن زرارة الدعوةَ صافيةً إلى قومهم، ووفوا بوعدهم، وأدوا عهدهم، وصدقوا في قولتهم، وحرصوا أن ينقلوا الخير إلى أوطانهم، وتوسموا خيرًا في هذا الداعي الجديد أن يلم شملهم ويُوَحِّد صفهم، ويُألف أشتاتهم . إنهم حريصون على مصلحة أهلهم وأبناء وطنهم، وقالوا ـ وقد علت وجوهم علائم الرجاء والتفائل ـ :" فَعَسَى أَنْ يَجْمَعَهُمْ اللّهُ بِك" . فكن على هذا القَدْر من حب الخير لأبناء وطنك، وجيرانك، وأهلك، ونقِ قلبك، وطهرْ نفسك، وقل : اللهم مُنَّ علينا بمن يجمع شملنا، ويوحد صفنا .
 
 
 
توصية عملية
 
شارك في قافلة دعوية مع بعض إخوانك، أو برفقة أحد الدعاة، تعرضون الدين على الساهين واللاهين في أنديتهم وملاعبهم؛ خاصة المقاهي وأماكن تجمع الشباب، وتصطحب معك هدايا لا تخلو من كُتيب، أو مطوية، أو شريط، أو أسطوانة أو بطاقة دعوية.
 
------------------------
 
[1] ابن كثير ( السيرة) : 2/159
 
[2] ابن هشام 1/425
 
[3] ابن هشام 1/427
 
[4] أخرجه أحمد (51 / 390)، قال شعيب الأرنؤوط : إسناده حسن.
 
[5] ابن هشام 1/430
 
[6] أخرجه البخاري (191)



                      المقال السابق                       المقال التالى




Bookmark and Share


أضف تعليق

أنت بحاجة للبرامج التالية: الحجم : 2.26 ميجا الحجم : 19.8 ميجا