عربي English עברית Deutsch Italiano 中文 Español Français Русский Indonesia Português Nederlands हिन्दी 日本の
  
  

   

 

بيعة العقبة الثانية
 
 
في أواخر المرحلة المكية؛ كان حال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما وصفه جابر بن عبد الله الأنصاري :
 
" يَتْبَعُ النَّاسَ فِى مَنَازِلِهِمْ بِعُكَاظٍ، وَمَجَنَّةَ، وَفِى الْمَوَاسِمِ بِمِنًى، يَقُولُ :
 
(مَنْ يُئْوِينِى ؟ مَنْ يَنْصُرُنِى ؟ حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّى، وَلَهُ الْجَنَّةُ).
 
 "حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَخْرُجُ مِنَ الْيَمَنِ أَوْ مِنْ مُضَرَ؛ فَيَأْتِيهِ قَوْمُهُ فَيَقُولُونَ : احْذَرْ غُلاَمَ قُرَيْشٍ لاَ يَفْتِنُكَ !
 
 "وَيَمْشِى ـ صلى الله عليه وسلم ـ بَيْنَ رِحَالِهِمْ وَهُمْ يُشِيرُونَ إِلَيْهِ بِالأَصَابِعِ؛ حَتَّى بَعَثَنَا اللَّهُ إِلَيْهِ مِنْ يَثْرِبَ، فَآوَيْنَاهُ، وَصَدَّقْنَاهُ؛ فَيَخْرُجُ الرَّجُلُ مِنَّا، فَيُؤْمِنُ بِهِ، وَيُقْرِئُهُ الْقُرْآنَ، فَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ فَيُسْلِمُونَ بِإِسْلاَمِهِ؛ حَتَّى لَمْ يَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الأَنْصَارِ إِلاَّ وَفِيهَا رَهْطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُظْهِرُونَ الإِسْلاَمَ، ثُمَّ ائْتَمَرُوا جَمِيعاً، فَقُلْنَا : حَتَّى مَتَى نَتْرُكُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يُطْرَدُ فِى جِبَالِ مَكَّةَ وَيَخَافُ ؟ "[1] .
 
***
 
هذه كانت حالة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في نهاية المرحلة المكية؛ كما السواد القاتم الذي يسبق طلعة الفجر.
 
يدور على الناس في المنازل،  والأسوق، ومنتديات الشعراء، ومواسم الحج
 
يقول هذه الجملة التي تقطع نياط القلوب المُحبة :
 
" مَنْ يُئْوِينِى ؟ مَنْ يَنْصُرُنِى ؟ حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّى، وَلَهُ الْجَنَّةُ ".
 
يمشي بين الناس؛ يدعوهم إلى الله، وهم يشيرون إليه سخريةً أو استهزاء، وقد تواصوا به؛ فأخذ الأب يُحذر ابنة، والأخ يخذر أخاه، والصديق يحذر صديقه؛ كل الناس، في كل الجزيرة، من أقصاها إلى أقصاها؛ ومن الشام حتى اليمن؛ الجميع يحذر الجميع، الناسُ يُخوفون الناس، يقول الواحد منهم لأخيه إذا قصد مكة حاجًا أو متاجرًا  : " احْذَرْ غُلاَمَ قُرَيْشٍ لاَ يَفْتِنُكَ ! " .
 
***
 
إنه البلاء الإعلامي الذي كابده الأنبياء والمصلحون، فصبروا على ما كُذبوا وأُوذوا حتى أتاهم نصر الله.
 
إنها آثار الحملة الإعلامية ـ حملة التشويش وغسل الأدمغة ـ التي أحسنتها قريشٌ . قد آتت أُكلها الآن؛ فصارت الجزيرة إلى هذه الحال من التنكر لدعوة الإسلام.
 
قد كان صناديد مكة ينشرون الخطباءَ على قوارعِ الطرق، وفي مداخل مكة، يحذرون الضيفان والتجار والحجاج؛ احذروا سحر محمد؛ "سِحْرٌ يُفَرّقُ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَأَبِيهِ، وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَأَخِيهِ، وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَعَشِيرَتِهِ".
 
***
 
حتى جاء موسم الحج سنة 13 من البعثة؛ وجاء وفد البيعة لموعدهم، وقد عزموا على مقابلة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ  وحمله إلى ديارهم .
 
قال كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ :
 
فَلَمَّا فَرَغْنَا مِنْ الْحَجِّ وَكَانَتْ اللَّيْلَةُ الَّتِي وَعَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَمَعَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ ـ  أَبُو جَابِرٍ سَيِّدٌ مِنْ سَادَتِنَا ـ وَكُنَّا نَكْتُمُ مَنْ مَعَنَا مِنْ قَوْمِنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَمْرَنَا فَكَلَّمْنَاهُ وَقُلْنَا لَهُ :
 
يَا أَبَا جَابِرٍ ! إِنَّكَ سَيِّدٌ مِنْ سَادَتِنَا وَشَرِيفٌ مِنْ أَشْرَافِنَا، وَإِنَّا نَرْغَبُ بِكَ عَمَّا أَنْتَ فِيهِ أَنْ تَكُونَ حَطَبًا لِلنَّارِ غَدًا !
 
" ثُمَّ دَعَوْتُهُ إِلَى الإسْلَامِ، وَأَخْبَرْتُهُ بِمِيعَادِ رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَأَسْلَمَ، وَشَهِدَ مَعَنَا الْعَقَبَةَ، وَكَانَ نَقِيبًا ... "[2].
 
***
 
كانت فاتحة خير؛ أن أسلم هذا الصنديد السيد، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ، الذي شهد بدرا، وقُتل في أحد، ذلك الذي قال فيه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يحدث ولده جابر :
 
" أَفَلا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللَّهُ بِهِ أَبَاكَ ؟ "
 
 قَالَ  جابر بن عبد الله : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ !
 
 قَالَ : " مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ، إِلا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَكَلَّمَ أَبَاكَ كِفَاحًا، فَقَالَ : يَا عَبْدِي، تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ، قَالَ:  يَا رَبِّ تُحْيِينِي؛ فَأُقْتَلُ فِيكَ ثَانِيَةً، فَقَالَ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ : إِنَّهُ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لا يَرْجِعُونَ ! قَالَ : يَا رَبِّ فَأَبْلِغْ مَنْ وَرَائِي "  قَالَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: { وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } "[3] .
 
***
 
قال كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ  ـ متابعًا حديثه عن ليلة العقبة الثانية ـ:
 
 " فَنِمْنَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ مَعَ قَوْمِنَا، فِي رِحَالِنَا، حَتَّى إِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ خَرَجْنَا مِنْ رِحَالِنَا لِمِيعَادِ رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ نَتَسَلَّلُ مُسْتَخْفِينَ تَسَلُّلَ الْقَطَا[4]، حَتَّى اجْتَمَعْنَا فِي الشِّعْبِ عِنْدَ الْعَقَبَةِ، وَنَحْنُ سَبْعُونَ رَجُلاً، وَمَعَنَا امْرَأَتَانِ مِنْ نِسَائِهِمْ: نَسِيبَةُ بِنْتُ كَعْبٍ ـ أُمُّ عُمَارَةَ إِحْدَى نِسَاءِ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ ـ، وَأَسْمَاءُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ـ إِحْدَى نِسَاءِ بَنِي سَلِمَةَ وَهِيَ أُمُّ مَنِيعٍ ـ ."[5] .
 
***
 
ومن الملاحظ أن عددَ أصحابِ العقبةِ زاد خلال السنواتِ الثلاثِ الأخيرةِ من ستٍ إلى اثني عشر إلى سبعين .. انتبه نحن لا نتحدث عن المسلمين في المدينة ! إنما نشير إلى حركة الدعاة الفاعلين في المجتمع اليثربي الذين كَلفوا أنفسهم مشقة السفر وتحمل تبعة البيعة؛ هذا النجاح الكبير للدعوة الإسلامية في المدينة كان بفضل دعاة توفر فيهم الإيمان والإخلاص والحماسة والعمل  .
 
لو لم تكن حركة الدعوة في المدينة على قدر هذه المسئولية؛ لَمَا خرج منها في هذا العام سبعون؛ يتسللون إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ تسلل الطريدة من يد الصائد ـ؛ يفقهون معنى الكتمان والسرية، يعلمون جيدًا طبيعة المرحلة المكية؛ يلتقون برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أواخر أيام الحج؛ حتى لا ينكشف أمر بيعتهم، وإذا انكشفت لاذوا بالخروج في معترك خرجة الحجيج، يتخيرون الوقت الأنسب لإبرام البيعة؛ فقد كان لقاؤهم تحت جناح الليل؛ والعيون نائمة، والآذان غائبة؛ فاجتماعُ جماعةٍ من الأوس والخزرج بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حد ذاته؛ أمرٌ خطير بالنسبة لقريش.
 
***
 
كلمة العباس
 
قال كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ  :
 
" فَاجْتَمَعْنَا بِالشِّعْبِ نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ؛ حَتَّى جَاءَنَا، وَمَعَهُ يَوْمَئِذٍ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ، إِلا أَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يَحْضُرَ أَمْرَ ابْنِ أَخِيهِ، وَيَتَوَثَّقُ لَهُ فَلَمَّا جَلَسْنَا؛ كَانَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَوَّلَ مُتَكَلِّمٍ، فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ  ـ وَكَانَتْ الْعَرَبُ مِمَّا يُسَمُّونَ هَذَا الْحَيَّ مِنْ الْأَنْصَارِ الْخَزْرَجَ أَوْسَهَا وَخَزْرَجَهَا ـ إِنَّ مُحَمَّدًا مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُمْ، وَقَدْ مَنَعْنَاهُ مِنْ قَوْمِنَا مِمَّنْ هُوَ عَلَى مِثْلِ رَأْيِنَا فِيهِ، وَهُوَ فِي عِزٍّ مِنْ قَوْمِهِ وَمَنَعَةٍ فِي بَلَدِهِ"[6]  .
 
قال العباس :
 
" وَإِنّهُ قَدْ أَبَى إلا الانْحِيَازَ إلَيْكُمْ، وَاللّحُوقَ بِكُمْ؛ فَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنّكُمْ وَافُونَ لَهُ بِمَا دَعَوْتُمُوهُ إلَيْهِ وَمَانِعُوهُ مِمّنْ خَالَفَهُ فَأَنْتُمْ وَمَا تَحَمّلْتُمْ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم؛ فمن الآن فدعوه فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده"[7] .
 
***
 
 الاستفادة من رموز المجتمع
 
ووجود العباس هنا له مغزىً مهم؛ ذلك لتعلمَ الأنصارُ أن الذين يدافعون عن محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليس أتباعه فحسب ؛ إنما يَنقسمُ الذب عن محمدٍ، على المسلمين عامة، وعلى آل محمد خاصة مسلمهم وكافرهم على حد سواء؛ وهؤلاء المشركون ممن هم من بني هاشم وبني عبد المطلب هم الذين ساندوا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في محنة الحصار؛ ودخلوا معه الشعب بقيادة أبي طالب.
 
يشير العباس إلى ذلك بقوله : " وَقَدْ مَنَعْنَاهُ مِنْ قَوْمِنَا مِمَّنْ هُوَ عَلَى مِثْلِ رَأْيِنَا فِيهِ".
 
 أما قوله : "  وَهُوَ فِي عِزٍّ مِنْ قَوْمِهِ وَمَنَعَةٍ فِي بَلَدِهِ "، ففيه مبالغة. وموقفه هذا، وكلمته البليغة تيك؛ إنما يهدف بذلك كما قال سيدنا كعب : " أَحَبَّ أَنْ يَحْضُرَ أَمْرَ ابْنِ أَخِيهِ، وَيَتَوَثَّقُ لَهُ" .
 
وفي ذلك درسٌ لأبناء الدعوة الإسلامية؛ أن يستعينوا برجالات المجتمع المنصفين ممن يُحسبون في صف المخالفين للدعوة؛ فأنت تجد نماذجَ محترمة، ومعادنَ طيبة في بعض القادة والساسة والكُتاب ممن لا يعملون للفكرة الإسلامية . وواجب الدعوة أن تستفيد من هذه الرموز المنصفة خير استفادة لمصلحة الدعوة؛ كأن نَدْعُوهم لعمل مشترك، أو نوجه أحدهم لباب من أبواب الخير للدين، أو نعقد ندوة أو محاضرة لكاتب من كتابهم؛ يشرح ويطرح ما يخدم الدعوة.
 
على أن بعض قادة الدعوة أحيانًا يقعون في خطإٍ؛ هو العمل على تلميع هذه الرموز التي لا نضمن ولاءها الكامل للدعوة الإسلامية، وفي نفس الوقت نرى بعض هؤلاء الرجال ـ من أبناء الدعوة الإسلامية ـ من لا يُحسن تفعيل الكوادر الفكرية والتربوية التي تنضوي تحت لواء الدعوة الإسلامية؛ ممن يستطيعون أن يسدوا مسد غيرهم أو يسدوا شيئًا من مسدهم.
 
 
 
التمترس بالعشيرة
 
هذا جانب من فقه موقف العباس .
 
وجانب آخر؛ أن يُحسن الداعية التمترس بأهله وعائلته وعشيرته؛ وأن يتخير لدعوته منهم؛ من يُوجهه التوجيه السديد لخدمة الدعوة، وهذا بالضبط ما صنعه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع العباس، ومع عمه أبي طالب من قبل.
 
***
 
قال كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ  ـ ردًا على العباس ـ :
 
" فَقُلْنَا قَدْ سَمِعْنَا مَا قُلْتَ .  فَتَكَلَّمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَخُذْ لِنَفْسِكَ وَلِرَبِّكَ مَا أَحْبَبْتَ ".
 
***
 
" فَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ  فَتَلا، وَدَعَا إِلَى اللَّهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ، وَرَغَّبَ فِي الإسْلامِ"[8] .
 
***
 
بنود البيعة الكبرى
 
قال جابر بن عبد الله :
 
فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلاَمَا نُبَايِعُكَ قَالَ :
 
1ـ « تُبَايِعُونِى عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِى النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ
 
2ـ والنَّفَقَةِ فِى الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ
 
3ـ  وَعَلَى الأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْىِ عَنِ الْمُنْكَرِ
 
4ـ  وَأَنْ تَقُولُوا فِى اللَّهِ، لاَ تَخَافُونَ فِى اللَّهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ
 
5ـ  وَعَلَى أَنْ تَنْصُرُونِى؛ فَتَمْنَعُونِى إِذَا قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَزْوَاجَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ ..
 
.. وَلَكُمُ الْجَنَّةُ »[9].
 
***
 
وهذه خماسيةٌ ؛ فوق سادسيةِ العام السالف، فتم للأنصارِ أحدَ عشرَ بندًا؛ هي نواة الدولة الإسلامية التي أوشكت على السطوع.
 
ومن الملاحظ أن بنود هذه البيعة أشد وأعلى من بنود السابقة.
 
أنت ترى " الإنفاق والقتال" في طيات هذه البيعة الكبرى.
 
إن الجهاد بالنفس والمال هو جوهر هذه البيعة العظيمة؛ فلا قوام لدعوة ولا دولة ولا خلافة دون تضحية بالنفس وبالمال .
 
 
 
السمع والطاعة
 
أما البند الأول، ففي السمع و الطاعة ـ في السلم وفي الحرب، في السكنة وفي الحركة، في الحضر وفي السفر: "تُبَايِعُونِى عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِى النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ" .
 
وهذا أصل في نجاح أي عمل جماعي، وبغير السمع والطاعة؛ تذهب الريح، وتفتر القوة، ويضيع العمل :
 
{وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ }الأنفال46
 
 
 
الإنفاق
 
وكان البند الثاني في الجهاد بالمال، فحن مقبلون على مرحلة الدولة؛ وهي بحاجة على جيش وقوة، واقتصاد وعُدة، فقال : " والنَّفَقَةِ فِى الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ " .فواحد من اثنان، الإنفاق أو الهلاك :
 
{وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ }البقرة195
 
 
 
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
 
وكان البند الثالث، في فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ذلكم الأصل الذي هو علامةٌ على خيرية هذه الأمة وفضلها وريادتها:
 
"كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم، مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ " [آل عمران110].
 
 
 
كلمة الحق
 
وكان البند الرابع : " وَأَنْ تَقُولُوا فِى اللَّهِ، لاَ تَخَافُونَ فِى اللَّهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ"،
 
وفي حديث عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ : "وَأَنْ نَقُومَ ـ أَوْ نَقُولَ ـ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا؛ لا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ "[10].
 
أن يخوضوا الغمرات للحق، أن يصدعوا بكلمة الحق بين ظهراني الناس. وأيُ شيءٍ أعظمُ منزلةً من رجل قام إلى ظالم فزجره، أو فاجر فنهره، أو معتدٍ فزَبَره.
 
وإنْ قُتل صاحب كلمة الحق جزاء كلمته؛ فهو سيد من سادات الشهداء.
 
إن قومًا ضاعت فيهم كلمة الحق؛ لخليق أن يزول أثرهم؛ وإنْ يُخربون إلا أوطانَهم وما يشعرون . ألم يروا كم أهلك الله من حضارة من الحضارات لما ضاعت بينهم كلمةُ الحق . وأنَّ صفاتَ الذين يحبهم الله ويحبونه؛ أنهم لا يخافون فيه لومة لائم :
 
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }المائدة54
 
 
 
القتال
 
ثم كان البند الخامس والأهم؛ القتال دون رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى يبلِّغ رسالةَ ربه؛ ينصروه، ويذودا عنه مثلما يدافعون عن أزواجهم وأبنائهم، فقال :
 
" وَعَلَى أَنْ تَنْصُرُونِى؛ فَتَمْنَعُونِى إِذَا قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ، مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَزْوَاجَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ ".
 
وهو الميثاق الغليظ الذي أخذه الله على الأمم السابقة؛ وقتما بُعث محمدٌ؛ لتؤمنن به ولتنصرنه :
 
{وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران: 81]
 
الجنة
 
خمس بنود؛ إنْ التزمتم بهن؛ فلكم الجنة . هكذا كانت الثفقة والتجارة مع الله . لم يمنهم بمنصب أو وزارة أو إمارة أو مكافأة مالية . وهذه هي طبيعة العلاقة بين الداعي ودعوته؛ لا ينتظر من وراءاها عرضًا من أعراض العاجلة، وما الحياة الدنيا إلا متاع قليل، فضلاً عن كون هذه البيعة لا تصلح إلا للذين تجردوا لله، وأخلصوا أنفسهم لنيل رضوانه، وللدارُ الآخرةُ خيرٌ للذين يتقون، أفلا تعقلون ؟ 
 
***
 
مبادرة الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ
 
قال كعب بن مالك :
 
"فَأَخَذَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ : نَعَمْ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَنَمْنَعَنَّكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أُزُرَنَا[11]، فَبَايِعْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَنَحْنُ أَهْلُ الْحُرُوبِ، وَأَهْلُ الْحَلْقَةِ[12]، وَرِثْنَاهَا كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ ! "[13].
 
هذه كلمة سيد الخزرج، هو حديث عهد بالإسلام، بل أسلم قبيل هذه البيعة بساعات، وقد توفي ـ رضي الله عنه ـ قبيل الهجرة بشهر واحد؛ إذن عاش هذا الزعيم في الإسلام مدة سنة واحدة تقريبًا؛ ولم تر له أعظم من موقفه هذا وكلمته تلك، تلك التي بلغته بُلغة الرضوان والخلد في الجنان؛ هذا مثلٌ صارخ في ضمائر القادة والزعماء الذين عاشوا الدهور الطويلة لا ينصرون الحق ولو بِبِنْتِ شَفَةٍ، وهم يحملون أوزار شعوبهم وأهليهم، وهم يَصرمُون ثمرة جهاد الإسلاميين؛ ينسبونه للعملاء والعلمانيين؛  قد باعوا مجد الآخرة بمجد دنيوي زائلٍ، ألا ساء ما يحكمون!
 
***
 
استفسار لأبي الْهَيْثَمِ بْن التَّيِّهَانِ
 
قَال كعب :
 
 فَاعْتَرَضَ الْقَوْلَ ـ  وَالْبَرَاءُ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ ـ حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ ـ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الرِّجَالِ [يعني اليهود ] حِبَالاً وَإِنَّا قَاطِعُوهَا [يَعْنِي الْعُهُودَ ]؛ فَهَلْ عَسَيْتَ إِنْ نَحْنُ فَعَلْنَا ذَلِكَ، ثُمَّ أَظْهَرَكَ اللَّهُ؛ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى قَوْمِكَ وَتَدَعَنَا ؟
 
 فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ثُمَّ قَالَ :
 
" بَلْ الدَّمَ الدَّمَ، وَالْهَدْمَ الْهَدْمَ، أَنَا مِنْكُمْ، وَأَنْتُمْ مِنِّي؛ أُحَارِبُ مَنْ حَارَبْتُمْ، وَأُسَالِمُ مَنْ سَالَمْتُمْ "[14] .
 
لقد تبسم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ، لكلمة أبي الْهَيْثَمِ، والتي إن دلت على شيء فإنما تدل على شخصية جادة تحرص على أمن وطنها وسلامة أهلها، فهو يتساءل سؤال المحقق الحصيف ـ الذي يفكر في مستقبل الأمور ـ عن مصير قومه إذا ما نبذوا أحلاف الجاهلية؛ حتى إذا ما أنعم الله على نبيه بالنصر والتمكين، تركهم محمدٌ وعدوهم !
 
نعم، تبسم لهذا المعنى الذكي، تشجيعًا وتقديرًا لصاحب الرأي والفكر، وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا تبسم؛ كأنما خرج الصبح من ثغره؛ حينئذ ينتشر نوره على البسيطة، وتتوسم الثغورُ من مبسمه البشائرَ والأفراح من هنا وهنا وهنا .
 
وفي ثنايا هذه البسمة التي أنارات ظلمة العقبة، وفي ثنايا هذه الإشراقة التي خرجت من جبينه الوضاح، قال مُعاهدًا وواعدًا وعد الحر الكريم :
 
" بَلْ الدَّمَ الدَّمَ، وَالْهَدْمَ الْهَدْمَ": أي حُرَمتي مع حُرْمَتِكم، وبيتي مع بَيْتِكم. والعرب تقول : دَمِي دَمُك وهَدَمِي هَدَمُك في النُّصْرة.
 
 "أَنَا مِنْكُمْ، وَأَنْتُمْ مِنِّي؛ أُحَارِبُ مَنْ حَارَبْتُمْ، وَأُسَالِمُ مَنْ سَالَمْتُمْ "
 
ويا لها من شهادة ووسام ! فهؤلاء صاروا من الرسول وصار الرسول منهم لما نصروه والتزموا بيعته .
 
وهذه العطية الكريمة ليست للأنصار خاصة؛ بل هي لكل من وقف موقف النصرة للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فمن تبعه فهو منه، ومن نصره فهو منه .
 
إن أنصار رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في كل زمان ومكان؛ يبعثهم الله على رأس كل قرن؛ فسلكهم ينابيعَ هدايةٍ ونورٍ؛ ينشرون الإسلام في أصقاع الأرض، إسلامًا صافيًا طاهرًا كيوم نزوله؛ غير ذي عوج، لا يخشون في الله لومة لائم، أولئك يقول لهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " أَنَا مِنْكُمْ، وَأَنْتُمْ مِنِّي " . أولئك الذين يعرفهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على الحوض غرًا محجلين .
 
***
 
تنبيه حكيم من أَسْعَد بنُ زُرَارَة
 
قال جابر بن عبد الله:
 
 فَقُمْنَا إِلَيْهِ فَبَايَعْنَاهُ؛ وَأَخَذَ بِيَدِهِ أَسْعَدُ بنُ زُرَارَةَ ـ وَهُوَ مِنْ أَصْغَرِهِمْ ـ فَقَالَ :  رُوَيْداً يَا أَهْلَ يَثْرِبَ ! فَإِنَّا لَمْ نَضْرِبْ أَكْبَادَ الإِبِلِ إِلاَّ وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، وَإِنَّ إِخْرَاجَهُ الْيَوْمَ مُفَارَقَةُ الْعَرَبِ كَافَّةً، وَقَتْلُ خِيَارِكُمْ، وَأَنْ تَعَضَّكُمُ السُّيُوفُ، فَإِمَّا أَنْتُمْ قَوْمٌ تَصْبِرُونَ عَلَى ذَلِكَ وَأَجْرُكُمْ عَلَى اللَّهِ، وَإِمَّا أَنْتُمْ قَوْمٌ تَخَافُونَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ جَبِيَنةً، فَبَيِّنُوا ذَلِكَ فَهُوَ أَعْذَرُ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ.
 
 قَالُوا : أَمِطْ عَنَّا يَا أَسْعَدُ؛ فَوَاللَّهِ لاَ نَدَعُ هَذِهِ الْبَيْعَةَ أَبَداً وَلاَ نَسْلُبُهَا أَبَداً. قَالَ جابر : فَقُمْنَا إِلَيْهِ فَبَايَعْنَاهُ، فَأَخَذَ عَلَيْنَا ،وَشَرَطَ عَلَيْنَا، وَيُعْطِينَا عَلَى ذَلِكَ الْجَنَّةَ[15].
 
هذا سعد بن زرارة ـ أول مسلمي يثرب، وأشد الأنصار تحمسًا للإسلام ـ ؛ لم يكن ليفعل ذلك إلا ليحفز الأنصار على التمسك بالبيعة وإدراك تبعاتها المستقبلية، والاستعداد النفسي لكل ما يترتب عليها من صروف وأحوال.
 
رأي أَسْعَدُ بْن زُرَارَةَ ـ بثاقب بصيرته ـ أن تبعات هذه البيعة؛ ثلاثٌ هي :
 
1ـ "مُفَارَقَةُ الْعَرَبِ كَافَّةً ـ فهم في خندق وأنتم في خندق، لهم دينهم ولكم دين .
 
2ـ " وَقَتْلُ خِيَارِكُمْ" ـ إذ لن تترك العربُ رسولَكم؛ وأنتم ستقاتلون دونه ـ كما نص البند الخامس ـ؛ فتُقتلون دونه، وهذا حق الوفاء ببيعكم الذي بايعتم.
 
3ـ " وَأَنْ تَعَضَّكُمُ السُّيُوفُ" ـ فمن لم يُقتل دون رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلا أقل من مكابدة القتال؛ فيصيبكم في سبيل الله القرح والجرح.
 
***
 
الانتخابات التنظيمية، والمجموعات التربوية
 
 وهنا قال رَسُولُ اللَّهِ  ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ :
 
" أَخْرِجُوا إِلَيَّ مِنْكُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا يَكُونُونَ عَلَى قَوْمِهِمْ ".
 
 فَأَخْرَجُوا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا مِنْهُمْ تِسْعَةٌ مِنْ الْخَزْرَجِ، وَثَلَاثَةٌ مِنْ الْأَوْسِ[16].
 
ومن سنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه ترك لجماهير الأنصار حرية انتخاب ثلة من النقباء، ليكونوا عليهم أمراء، يتعهدوا قومهم بالنصح والتربية والتعليم.
 
وفي الحال، وفي تلك الساعة الحرجة من الليل؛ انتخبوا منهم اثني عشر نقيبًا؛ ومن ثم يكون تحت النقيب الواحد نحو ستةٍ من الرجال. وهكذا جعل الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من جماهير وفد العقبة؛ مجموعاتٍ تربويةً، وأسرًا إيمانيةً، كل مجموعة أو كل أسرة تتألف من ستةٍ أو سبعةٍ من المؤمنين العاملين المبايعين. 
 
... علينا أن نفقه وسيلة " المجموعات التربوية" التي ابتكرها الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ؛ وهي إن كانت وسيلة من وسائل التربية فهي سُنة من السنن النبوية التي يجهلها الكثيرون.
 
... يا ترى ! ما الذي كان يدور داخل هذه المجموعات، بين الأخ وأخيه، أو النقيب وتلميذه ؟ لك أن تتخيل ذلك؛ وأن تعصف ذهنك حول مئات أو آلاف الجلسات التي جلسوها، وعلى كل حال لن تخلوا هذه المجموعات من اجتماعها على مدارسة القرآن، والتفقه في الدين، والتعبد بالليل، والدعوة بالنهار، وتهيئة المدينة لاستقبال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ .  
 
... وهكذا فقهوا العمل الجماعي الدعوي من أول جلسة جلسوها إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
 
 ***
 
صرخة الشيطان
 
وبعد أن تمت البيعة، ثم الانتخابات، ثم المجموعات، كل ذلك في ساعة من الليل؛ كان حقًا على الشيطان أن يُنفس عن مصيبته؛ إذا رأى الملعون أن شمل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأن الدولة الإسلامية قاب قوسين أو أدنى؛ فصرخ صرخته ـ كما في الحديث الصحيح ـ : "يَا أَهْلَ الْجُبَاجِبِ[17]، هَلْ لَكُمْ فِي مُذَمَّمٍ، وَالصُّبَاةُ مَعَهُ، قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى حَرْبِكُمْ ؟ "
 
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ :
 
" هَذَا أَزَبُّ الْعَقَبَةِ، هَذَا ابْنُ أَزْيَبَ، اسْمَعْ أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ ! أَمَا وَاللَّهِ لَأَفْرُغَنَّ لَكَ!"[18]
 
وهنا أمر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يَرفع الصحابةُ إلى رحالهم، وقد بدأت مكة تستيقظ على صوت الشيطان، وقد أكد لنا الرسول ـ في الحديث الصحيح ـ أنه شيطانٌ فعلاً وذكره باسمه واسم أبيه ( أَزَبُّ الْعَقَبَةِ، هَذَا ابْنُ أَزْيَبَ ). ومن ثم لا حجة لهؤلاء الذين يستحيون من سنة نبيهم؛ ويقولون : هو مشرك من مشركي مكة وَصفه الرسولُ بصفة الشيطان !
 
***
 
الاختبار الأول للأنصار
 
ثم قال الْعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ :
 
وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَئِنْ شِئْتَ لَنَمِيلَنَّ عَلَى أَهْلِ مِنًى غَدًا بِأَسْيَافِنَا !ّ
 
 فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ:
 
" لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ "[19]
 
وقد نص البند الخامس : " َعَلَى أَنْ تَنْصُرُونِى؛ فَتَمْنَعُونِى إِذَا قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ...".
 
ومعلومٌ أن فريضة القتال في سبيل الله لم تُشرع إلا في العهد المدني.
 
إن هذا الموقف كان الاختبار الأول للأنصار؛ ونجحوا إذ كانوا على أتم استعداد على امتشاق السيوف في وجه صناديد قريش إذا أمر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ، بيد أنه هو الذي كف أيدهم عن ذلك، وقال مؤكدًا على طبيعة المرحلة المكية :
 
" لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ ".
 
هنا، يقولها صراحةً؛ أن الأمر بالكف عن القتال ـ في الفترة المكية ـ كأن بأمر من الله؛ ومن ثم يزال المسلمون يعملون بهذا التكاليف حتى يأتيهم أمرٌ آخر من الله يأذن لهم في القتال، ثم يأتيهم أمر ثالث بقتال الذين يقاتلونهم، ثم أمر رابع بقتال كل من وقف عقبة في سبيل إقامة المجتمع الإسلامي، وهكذا نرى التدرج التشريعي في فريضة الجهاد؛ شأن الشريعة الإسلامية في كثير من الأحكام .
 
ومن قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ :" لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ " ـ تستشف مدى التزامه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بحدود كل مرحلة، وحركيته الدقيقة، وتحرجه الشديد من تأخير فعل لا يقبل التأخير، أو تقديم فعل لا يقبل التقديم، يدلك هذا على نفسٍ منضبطة، وشخصية متزنة، وداعيةٍ ؛ ملتزمٍ بأحكام الله  .
 
***
 
يا أخي ! أين ثفقتك مع الله  ـ تبارك وتعالى ـ ، وبيعتك مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، تلك التي تلقاه بها على الحوض . 
 
... دومًا، راجع نص الثفقة في الآية 111 من سورة التوبة .
 
***
 
توصيات عملية :
 
1ـ تطبيق أسلوب " المجموعات التربوية " التي استخدمها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كوسيلة لتربية الصحابة .
 
2ـ الاستفادة من ذوي الأرحام ممن يحترمون الفكرة الإسلامية ـ بأن يقدموا أي دعم لدعوتك .
 
3ـ حفظ حديث البيعة ( حديث جابر )، وكتابته على سبورة المسجد، أو إعداد ملصق يحمل هذا الحديث .
 
4ـ إعداد حملة دعوية تحت عنوان : " ولكم الجنة "؛ وهي حملة من خمس محاور؛ هي بنود البيعة : طاعة الله ورسوله، الجهاد بالمال، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكلمة الحق، ونصرة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ. أما وسائل الحملة؛ فهي : الخطب والدروس ورسائل الجوال والمطويات وغيرها من طرق نقل الدعوة .
 
------------------------
 
[1] أخرجه أحمد (30 / 364) السلسلة الصحيحة:63
 
 
 
[2] أخرجه أحمد (33 / 391) صححه الألباني في تحقيق فقه السيرة.
 
 
 
[3] أخرجه ابن ماجه (186 ) وصححه الألباني
 
[4]طائر يضرب به المثل في الحذر،و يوجد من القطا سلالات عديدة، وهي منتشرة في جميع أنحاء الكرة الارضية .
 
[5] أخرجه ابن ماجه (186 ) وصححه الألباني
 
[6] أخرجه ابن ماجه (186 ) وصححه الألباني
 
[7] ابن هشام 1/141، 142
 
[8] أخرجه ابن ماجه (186 ) وصححه الألباني
 
[9] أخرجه أحمد (4830) وهو في السلسلة الصحيحة:63
 
[10] أخرجه البخاري (6660)
 
[11]أي نساءنا كنى عنهن بالأُزر 
 
[12]أي السلاح
 
[13] أخرجه أحمد ( 15237)، وصححه الألباني في تحقيق فقه السيرة
 
[14] أخرجه أحمد ( 15237)، وصححه الألباني في تحقيق فقه السيرة
 



                      المقال السابق                       المقال التالى




Bookmark and Share


أضف تعليق

أنت بحاجة للبرامج التالية: الحجم : 2.26 ميجا الحجم : 19.8 ميجا