عربي English עברית Deutsch Italiano 中文 Español Français Русский Indonesia Português Nederlands हिन्दी 日本の
  
  

   

 

بين الدين والوطن
 
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لِمَكَّةَ :
 
" مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ ! وَأَحَبَّكِ إِلَىَّ ! وَلَوْلاَ .. أَنَّ قَوْمِى أَخْرَجُونِى مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ"[1] .
 
 
 
وعن أبي هريرة قال: وَقَفَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْحَزْوَرَةِ، فقال:" عَلِمْتُ أَنَّكِ خَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ الأَرْضِ إِلَى اللَّهِ،  وَلَوْلاَ .. أَنَّ أَهْلَكِ أَخْرَجُونِى مِنْكِ مَا خَرَجْتُ "[2].
 
 
 
"والْحَزْوَرَة َهِيَ مَا يُعْرَفُ الْيَوْمَ بِاسْمِ القشاشية ، مُرْتَفَعٌ يُقَابِلُ الْمَسْعَى مِنْ مَطْلَعِ الشَّمْسِ كَانَ وَلا يَزَالُ سُوقًا مِنْ أَسْوَاقِ مَكَّةَ "[3].
 
***
 
يا قلبَ محمد – صلى الله عليه وسلم -؛ إن التي تركتها للدين؛ للتي ستفتحها بالدين. وإن التي لفظك أهلُها للدين، للتي ستحملك يومًا إذ يدخلون في دين الله أفواجًا :
 
إنّ التي كُنتُ أنحو قَصْد شِرّتها ... أعطت رضاً وأطاعتْ بعد عِصْيانِ
 
***
 
يا قلوب الدعاة، هكذا في هذا الموضع يفترق الدين والوطن ، وهكذا يُقَدم الدينُ على الوطن .. أو أن دينك هو وطنك وإن تَرَكْتَ الموضع الذي وُلدّتَ فيه، أو أن وطن المسلمين الذي فيه قوام دولة الإسلام هو الوطن الشرعي الذي تهوى إليه الأفئدة، وما عداه من بقاع وأصقاع فليست بأوطان، لذلك كان المسلمون دومًا في غربة حينما سكنوا ديار الكفر، وهم أقلية دينية يُحْكمون بقوانين البلدة التي لا يملكونها ولا ينتسبون إليها انتسابًا دينيًا . 
 
***
 
يا قلوب المسلمين، هكذا لمّا قَدَّمَ المسلمون الأوائل هذه التضحية الجسيمة، وتجردوا لله من حطام الدنيا، ومن عقارات وتجارات مكة – كانت لهم دولة العدل والرخاء في المدينة. تمامًا كما فعل اليهود بعد ذلك في عصرنا؛ إذ تجردوا لفكرتهم، وخرجوا من ديارهم مهاجرين من أوربا وأسيا وأمريكا، وتجمعوا في فلسطين، وتتوحدة كلمتهم لإقامة وطنهم، ونزلوا غرباء في أرض المسلمين، وسرعان ما أقاموا دولتهم إسرائيل، ويطمحون الآن إلى أن تكون من الفرات إلى النيل. فهل وعيتم خطر الهجرة، وعظم الهجرة، وأهمية الهجرة :
 
"وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً..."[النساء:100] .
 
***
 
نَعمْ، مكة هي أطيب البلاد، وهي أحب الأماكن إلى العباد : " مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ وَأَحَبَّكِ إِلَىَّ ! " بيد أنها غير صالحة لإقامة دولة المسلمين، وغير ناجعة في حماية المؤمنين .. ولو ظل المسلمون بها ألف سنة ما خرج الإسلام خارج الجزيرة . إلى جانب أن مكة قد تحولت إلى سجن كبير يُحصرُ فيه المسلمون، ويمارس عليهم شتى أنواع التنكيل، والعاكفُ فيها والبادي إنما يحج ويعتمر تحت حُكم الوثنية، برخصة من الأنظمة الشِركية؛ فكان واجبًا على الحركة الإسلامية أن تقطع شوطًا جديدًا، وأن تبادر بخطوة جريئة، وأن تبحث في جزيرة العرب عن قاعدة جديدة، فكانت خطة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في مواسم الحج؛ هي البحثُ عن قبيلة تحمله، أو بلدة تكون مقر دولته، ونقطة انطلاقٍ لرسله إلى أكناف الأرض ...
 
***
 
وفي قوله – صلى الله عليه وسلم - :
 
" وَلَوْلاَ .. أَنَّ قَوْمِى أَخْرَجُونِى مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ" يُظهر لك مدى المعاناة التي لقيتها الدعوة، تلك المعاناة هي التي أوجبت الخروج من مكة، وجعلت من الهجرة واجبًا شرعيًا أو فريضة دينية أو ضرورة وطنية .
 
وهو يؤكد خلوص رغبته في السكنى بمكة مادمت صالحة للدعوة .
 
وهو يُظهر شعورًا عاطفيًا مشروعًا في حب الأوطان وإن كانت على الشرك .
 
وهو يسن سنة استحباب السكن بمكة للدعوة أو للعبادة أو لخدمة الحرم في مواسم الحج ونحوها .
 
ولقد كان يؤمل أن تكون البلد الأمين هي مقرُ دولةِ المسلمين، كأنه كان يطمح أن تكون بلدته هي بيضة العرب في الجاهيلة والإسلام، وأن تكون دار الأمن والمنعة لدين إبراهيم كما كانت من قبل . وهذا من عظيم حب النبي – صلى الله عليه وسلم – لوطنه .
 
***
 
إن حب الأوطان غريزة جُبل عليها الإنسان، فأنت ترى البشر في شتى بقاع الأرض لا يغادرون أوطانهم في أكثر الأحيان إلا باضطرار، على إثر ظلم أو زلزال أو فيضان، أو غير ذلك من الأسباب، فتَعَلُقُ الإنسانِ بوطنه من أمور الفطرة التي جبل اللهُ الناسَ عليها .
 
 بل إن من علامة الشعور الصحي وسلامة المشاعر من القبح والغلظة، أن تكون النفس إلى مولدها مشتاقة، وإلى مسقط رأسها توّاقة.. فأولى البقاع بصبابتك إليها بقعةٌ رضعتَ ماءها، وطعمت غذاءها، وهذا بابٌ من الوفاء، وغير ذلك سوءُ أصل وجفاء ..
 
وفوق ذلك، أن حب الأوطان من شيم أهل الكرم، وقد قالوا في الأمثال : "الكريم يحنُّ إلى جنابه، كما يحنُّ الأسد إلى غابه" .. وإذا كان الطيرُ العتيقُ يتوق إلى أوكاره، فالإنسان الكريم أحقُّ بهذا الشعور إلى أوطانه..
 
 
 
ومهما تَنَعّمَ المهاجرُ في دار هجرته؛ فلا بد للنفوس من اشتياق إلى الأوطان وتولع، ونزوع نحوها ورغبة وتطلع، وحنين دائم يؤرق المضجع؛ لاسيما إذا جاءت أخبارٌ عن الوطن؛ حينها يحنَّ القلب حنين الإبل إلى أعطانها، وكانت حال الاضطراب هي حال القلب، كما كانت حال قلب النبي – صلى الله عليه وسلم – في بعض أيام غربته؛
 
 
 
إذْ لـمّا اشتَاقَ النبيُ – صلى الله عليه وسلم - إلى مكة محل مولده ومنشئه أنزل الله تعالى عليه قوله :" إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ "[القصص85 ]، يعني إلى مكة..
 
 
 
لقد جعل الله الخروج من الديار كقتل النفس ، فقال في آية:
 
"وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ ... " [ النساء :66 ]، فسوَّى بين  الموت والهجرة !
 
وقال الله تعالى أيضًا ـ وقد قرن بين الموت والهجرة ـ:
 
"... وَمَا لَنَا أَلاَّنُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا..."[البقرة246]
 
"وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ، ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ، وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ "[البقرة :84]
 
"لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ " [الممتحنة:8]
 
 
 
***
 
قال شاعر :
 
إذا ما ذكرتَ [الوطن] فاضت مدامعي ... وأضحى فؤادي نُهبةً للهماهمِ
 
حنيناً إلى أرضٍ بها اخضرَّ شاربي ...     وحُلَّت بها عنِّي عقود التمائمِ
 
وألطف قومٍ بالفتى أهل أرضه ...          وأرعاهم للمرء حقَّ التقادمِ
 
***
 
جامع القول؛ أن حب الوطن، سجية فطرية سليمة، وشعور إنساني نبيل، ومشاعر وأحاسيس يُؤجر عليه المؤمن المغترب، فهي من باب الهم .
 
 
 
***
 
وإن ما سقته إليك – أخي القارىء -  يدفع بك إلى مزيد من حب الوطن، وإن أعلى درجات هذا الحب أن تعمل على أسلمة وطنك، ونشر الخير في دياره، وذلك بأن تتعهد عامة الشَعب؛ فتقيم أودهم، وتنعش عديمهم، وتجبر كسيرهم، وتغني فقيرهم، وتعين مريضهم، وتُعلّم جاهلهم، وتقرع ظالمهم، وتصلح فاسدهم،... وهذا سبيل المصلحين الذين يغرسهم الله في الأرض بيده . 
 
 
 
توصيات عملية :
 
ـ اعلم أن أعظم خدمة تسديها لوطنك؛ هي أسلمته ( نشر الإسلام في ربوعه )
 
ـ تعرف على المعني الصحيح لمفاهيم : " الوطنية " ، و " القومية "، و " الأمة العربية" ـ وذلك من منظور إسلامي.
 
----------------------
 
[1] أخرجه الترمذي ( 4305)، عن ابن عباس وصححه الألباني
 
[2] أخرجه أحمد ( 19230)، قال شعيب الأرنؤوط : حديث صحيح على وهم في إسناده
 
[3] المعالم الجغرافية الواردة في السيرة النبوية 98



                      المقال السابق                       المقال التالى




Bookmark and Share


أضف تعليق

أنت بحاجة للبرامج التالية: الحجم : 2.26 ميجا الحجم : 19.8 ميجا