عربي English עברית Deutsch Italiano 中文 Español Français Русский Indonesia Português Nederlands हिन्दी 日本の
  
  

   

 

لماذا المدينة المنورة ؟
 
دخلتْ المدينةُ المنورة التاريخَ؛ لما شرفها الله بهجرة محمد – صلى الله عليه وسلم – إليها، وفُضِّلتْ على سائر البلاد – حاشا مكة -، وصارت بقعة مقدسة لها حرمُها، وباتت بيضة المسلمين، وعقر دارهم، ومقر دولتهم، وعاصمة خلافتهم، ومنها انطلق السفراء إلى بقاع الأرض يحملون رسالات الإسلام إلى ملوك وزعماء العالم.
 
***
 
لقد جعل الإسلامُ من هذه البقعة الزاوية؛ مدينةً مقدسةً تهفو إليها النفوس، بعدما استقبلته وأبت عليه بقاعٌ أخرى، وقد كان النبي – صلى الله عليه وسلم –  يعرض نفسه على القبائل في موسم الحج فلا نصير ولا منعة .
 
إن الوفاء المحمدي لم يكن مقصورًا على البشر الذين ناصروه؛ بل امتد التقدير النبوي للأرض التي نصرت الإسلام .
 
حينئذ يزول عَجبك حينما تقرأ هذا العدد الهائل من الأحاديث الشريفة  التي أطنبت في فضائل المدينة .
 
وكانت المكافئة لها لا تحدها حد..
 
 فكانت البركة فيها ضعفي ما بمكة ..
 
قال النبي - صلى الله عليه وسلم – :
 
 " اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَىْ مَا بِمَكَّةَ مِنَ الْبَرَكَةِ "[1] .
 
وكانت حَرمًا كالحرم المكي :
 
فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ :" الْمَدِينَةُ حَرَمٌ؛ فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا؛ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لاَ يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَدْلٌ وَلاَ صَرْفٌ "[2] .
 
" إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لابَتَيْ الْمَدِينَةِ[3]، أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهَا[4]، أَوْ يُقْتَلَ صَيْدُهَا"[5] .
 
 
 
وظَفَرَت بدعاء النبي – صلى الله عليه وسلم – :
 
" اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِى ثَمَرِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِى مَدِينَتِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِى صَاعِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِى مُدِّنَا . اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَبْدُكَ وَخَلِيلُكَ وَنَبِيُّكَ، وَإِنِّى عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، وَإِنَّهُ دَعَاكَ لِمَكَّةَ، وَإِنِّى أَدْعُوكَ لِلْمَدِينَةِ، بِمِثْلِ مَا دَعَاكَ لِمَكَّةَ وَمِثْلِهِ مَعَهُ "[6].
 
 
 
بل استحب النبي – صلى الله عليه وسلم – الموت فيها :
 
فعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: " مَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوتَ بِالْمَدِينَةِ؛ فَلْيَفْعَلْ فَإِنِّي أَشْفَعُ لِمَنْ مَاتَ بِهَا"[7] .
 
 
 
... بل المرض فيها :
 
فقال : " الْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، لا يَدَعُهَا أَحَدٌ رَغْبَةً عَنْهَا إلا أَبْدَلَ اللَّهُ فِيهَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، وَلا يَثْبُتُ أَحَدٌ عَلَى لأوَائِهَا وَجَهْدِهَا إلا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ "[8] .
 
 
 
وهي محفوظة من شر الدجال ومن شر الأوبئة :
 
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ، لا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلا الدَّجَّالُ "[9].
 
 
 
وتنفي الفساق والخبثاء والماجنين والأشرار كما ينفي الكيرُ خبث الحديد
 
قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "ألا إِنَّ الْمَدِينَةَ كَالْكِيرِ؛ تُخْرِجُ الْخَبِيثَ.. لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَنْفِيَ الْمَدِينَةُ شِرَارَهَا، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ[10] .
 
 
 
ومن أرادها وأهلها بسوء دمره الله تبارك وتعالى  :
 
قَالَ النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "مَنْ أَرَادَ أَهْلَ هَذِهِ الْبَلْدَةِ بِسُوءٍ يَعْنِي الْمَدِينَةَ أَذَابَهُ اللَّهُ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ"[11] .
 
***
 
والناظرُ لطبيعة المدينة المنورة – حرسها الله - والمتأمل في أحوالها يظهر له أنها أنسب البقاع لإقامة دولة الإسلام الناشئة، وذلك لعدة عوامل توفرت في المدينة المنورة .
 
ومن هذه العوامل
 
1-حصانتها العسكرية :
 
 فالمدينة مُحصنة من الجهة الشرقية بحرة واقم، ومن الجهة الغربية بحرة الوبرة، ومن الجهة الجنوبية بحصون اليهود،  والحرة هي مساحات بركانية صخرية وعرة تُعجز الجيوش والخيول.. فهي إذًا محصنة من جميع الجهات عدا الجهة الشمالية؛ وهي الجهة التي ضُرب حولها الخندق فيما بعد، والخنادق لا تنفع إلا في مثل هذه القرى المحّصنة .
 
وقد ورد ذكر الحرتين في رؤيا الهجرة وفي حديث الهجرة، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم - : "قَدْ أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ؛ رَأَيْتُ سَبْخَةً ذَاتَ نَخْلٍ، بَيْنَ لَابَتَيْنِ- وَهُمَا الْحَرَّتَانِ"[12]
 
وقد رآها في رؤيا غزوة أحد أنها درعٌ حصينة فقال : " وَرَأَيْتُ أَنِّي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ، فَأَوَّلْتُهَا الْمَدِينَةَ "[13] .
 
 
 
2- وسطيتها الجغرافية في الجزيرة العربية: فهي وسط بين اليمن و الشام ، ووسط بين الهند و مصر .
 
 
3- التهيئة الفكرية التي تسبب فيها اليهود : فكان  حديث يهود المدينة عن اقتراب زمان نبي تكون يثرب ملجأه.. قال بعض الأنصار : " إن مما دعانا إلى الإسلام - مع رحمة الله تعالى وهداه-  لما كنا نسمع من رجال يهود - وكنا أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور- فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون، قالوا لنا: إنه تقارب زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم! فكنا كثيرًا ما نسمع ذلك منهم .. فلما بعث الله رسوله - صلى الله عليه وسلم- أجبناه حين دعانا الى الله تعالى، وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به؛ فبادرناهم إليه فآمنا به، وكفروا "[14] .
 
 
 
4- استعداد أهل المدينة للاتفاف حول قيادة تجمع شملهم : فقد أنهكتهم الحروب، التي أفنتهم جيلاً بعد جيل، فسادَ شعورٌ عام بين الأوس والخزرج ورغبة في إنهاء هذه الثارات إلى الأبد . وقد كانت هذه الحروب تضرم زمنًا طويلاً ، وكانت تقوم على أتفه الأسباب، كحرب حاطب التي كانت بين الأوس والخزرج بسبب رجل يهودي !
 
 
 
5- زوال شيوخ الحروب :وهم قادة القبائل ومسعرو النعرات الجاهلية، وهؤلاء الشيوخ قضت عليهم طاحونة الحروب والفتن، مما مهد الطريق لجيل من الشباب في تبوء زمام القيادة في أقوامهم كسعد بن معاذ وسعد بن عبادة وأسعد بن زرارة وغيرهم من الشباب الذين نصروا الإسلام؛ فهؤلاء لم تتأصل فيهم النعرات الجاهلية التي رسخت في آبائهم .
 
***
 
ونزل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – المدينةَ المنورة – أدام الله أمنها-؛ فشملها بسياسته الرشيدة، ووحدها برعايته الكريمة .. وأقام– صلى الله عليه وسلم – بين الأوس والخزرج؛ فنَظَمَ شملهم، ووصل حبلهم، وجمع كلمتهم، وألّف أفئدتهم؛ فانتشرت كلمة العدل، وانشقت عصا الفُرقة، وخمدت الدماء، ونامت الفتن.
 
***
 
 إن في ذلك لدرسٌ في بناء الدول . إن في ذلك لدرسٌ في إعداد الأمم . هكذا بالمنهج الإسلامي، وبالقيادة الرشيدة، وبالشباب الطاهر، تقوم الجماعات وتُبنى الحضارات . فإذا توفرت هذه المقومات الثلاثة : المنهج والإدارة والأتباع؛ فإن مسألة إيجاد الوطن الإسلامي الذي يضم هذه الدعوة – هي في حقيقة الأمر مسألة وقت لا أكثر .
 
والحرية والأخوة، شرطان ضروريان في الوطن الذي تُبنى فيه دولة الإسلام، فلا قوام لدولة إسلامية في وطن أسير أو تابع أو محتل، ولا قوام لدولة إسلامية في وطن تلتطم فيه أمواج الفُرقة والعصبيات والنعرات؛ إذ ينبغي أن تجتمع كلمةُ أبناء هذا الوطن على القيادة الإسلامية في جو الأخوة والمحبة ..
 
 فقد اختار النبي – صلى الله عليه وسلم – الوطن الـحُرَ والشعب المتاحب المجتمِعَ حوله.
 
ومن ثم لم ينزل المدينةَ غريبًا أو ضيفًا أو لاجئًا بل دخلها قائدًا وحاكمًا.
 
وقد كان هذا التصور واضحًا غاية الوضوح في أذهان الأنصار.
 
وواهًا لتلك الأخوة ! تلك الوشيجة التي جعلت الأسود عدلاً للأبيض، تلك التي قضت على عصبيات الجاهلية، وكانت حائط صد لأي فتنة تشوب وحدة المسلمين .
 
ولذلك كان "محاربة وحدة الصف" هو مدخل أعداء هذه الأمة لاحتلال أرض المسلمين – وذلك بزرع الشقاق والفتن والقلاقل بين الشعوب المسلمة، والمحاولات الدؤوبة في تقسيم المسلمين إلى طوائف وفرق، وتنشئة قضايا اسمها " أقليات دينية" و" أقليات عِرقية" و" طوائف" في العراق ومصر والسودان والمغرب وغيرها، بحيث تكون هذه القضايا هي حصان طروادة أومسمار جحا لدخول هذه البلدان الإسلامية وانتهاب خيرها واحتلال أرضها وتنصير أهلها . فهبو يا شباب !
 
يا أَيها الحيُّ المقيمونا ... هُبُّو، فيوشك يوما لا تهبُّونا
 
 
 
توصيات عملية :
 
1ـ زيارة المدينة المنورة ـ حرسها الله ـ ، وهي رحلة غير مكلفة إن عزمت النية .
 
2ـ مطالعة موقع " مركز بحوث دراسات المدينة المنورة " على الإنترنت.
 
3ـ اقتناء خريطة للمدينة المنورة، تساعدك في فهم الغزوات . 
 
---------------------------
 
[1] أخرجه البخاري (1885)
 
[2] أخرجه مسلم (3396)
 
[3]أي ما بين حرتيها الشرقية والغربية
 
[4]أي كل شجر فيه شوك، مفردها عضاهة وعضيهة
 
[5] أخرجه مسلم ( 2426).
 
[6] أخرجه مسلم ( 3400)
 
[7] أخرجه أحمد ( 5438)، وهو في السلسلة الصحيحة: 2928
 
[8] أخرجه مسلم: 2426
 
[9] أخرجه مسلم ( 2449)
 
[10] أخرجه مسلم : (2451)
 
[11] أخرجه مسلم ( 2456)
 
[12] أخرجه البخاري ( 2134)
 
[13] أخرجه أحمد ( 2445)، ابن عباس، السلسلة الصحيحة: 1100
 
[14] ابن هشام 2/37



                      المقال السابق                       المقال التالى




Bookmark and Share


أضف تعليق

أنت بحاجة للبرامج التالية: الحجم : 2.26 ميجا الحجم : 19.8 ميجا