عربي English עברית Deutsch Italiano 中文 Español Français Русский Indonesia Português Nederlands हिन्दी 日本の
  
  

   

 

معركة بني قينقاع.. دروس وعبر
 
15 شوالسنة2 هـ ـ9  إبريل624.
 
ويمين الله ! إن كانت هذه المعركة لكافية أن تكون وصمة عار شوهاء في جبين اليهود على صفحات التاريخ؛ أن أُخرجوا من ديارهم في عورة امرأة مسلمة كشفوها !
 
 
 
كانت هذه المعركة هي المواجهة العسكرية الأولى بين المسلمين واليهود، وحدثت بعد انتصار بدر العظيم، فاعتمل الغيظُ في قلوب اليهود، وحقدوا على نصر المسلمين، وقد كان أولى بهم أن يفرحوا لهذا الانتصار كما فرح المسلمون بانتصار الرومان في نفس السنة، كما كان أحرى باليهود ـ أيضًا ـ أن يفرحوا للمسلمين؛ فانتصارهم هو انتصار لدعوة التوحيد، ولدينٍ قريب من دينهم، فضلاً عن كون هذا الانتصار جاء في صف الدولة الجديدة التي ينضوي اليهود تحت لوائها، وقد وكتبوا وثيقة دستورية مع رئيسها ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
 
 
 
كل هذا يبين لك صورة طبيعية لجبلة اليهود، ذلكم الذين تحالفوا مع الوثنية ضد نبي من أنبياء الله، يعرفونه كما يعرفون أبناءهم .
 
وبُعيد عودة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من معركة بدر منتصرًا مظفرًا بفضل الله ورحمته، وقد اهتزت المدينة طربًا لهذا النصر العظيم، وانتشر صيت المسلمين في أرجاء الجزيرة، وامتلأت قلوب العرب مهابةً واحترمًا للمسلمين، والله يزع بالسِّنانِ ما لايزع باللسان، وبينما كانت البهجة تظلل سماء المدينة إذ جاءت الأخبار السيئة تترا عن صنائع اليهود، فكان المسلمون يسمعون من اليهود من حين إلى آخر، ما يكدر الصفو، ويحرق القلب، وما لا ينبغي أن ينطق به حليف لحليفه، وقد كانت العرب في جاهليتها تدين بالبر والصلة لحلفائها.
 
ذلك لتعلم أن اليهود أينما كانوا عربًا أو فرسًا أو رومًا هم هم اليهود؛ طبيعة اليهود، وغدر اليهود، ورجس اليهود .. أينما ثُقفوا؛ ضُربت عليهم الضِعة والذلة، والفسق والمسكنة، وباءوا بغضب الله ولعنته أينما راحوا وأينما حلوا، وقليلٌ منهم صادقون.
 
 
  تحركات كعب بن الأشرف
 
إن العرف الأخلاقي يقتدي أن يفرح الحليفُ إذا انتصر حليفه على العدو الأكبر للدولة، ولكن يهود المدينة أظهروا الحقد والعداوة لحلفائهم المسلمين جراء انتصارهم على قريش الوثنية، إذ لما بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين فرغ من بدر بشيرين إلى أهل المدينة - زيد ابن حارثة و عبد الله بن رواحة – يبشران الأمة بانتصار المسلمين في موقعة بدر، فلما بلغ ذلك كعب بن الأشرف قال لمن أخبره : ويلك أحق هذا ؟ هؤلاء ملوك العرب وسادة الناس [يعنى قتلى قريش ] ثم خرج إلى مكة، فجعل يبكى قتلى قريش،  ويحرض على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ [1].
 
وتولى كعب بن الأشرف كبره؛ فأخذ ينظم القصائد المسيئة للإسلام ونبي الإسلام وأزواجه ـ رضي الله عنهن ـ . إذ كان ـ لعنه الله ـ يتشبب ببعض نساء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
 
وهو القائل لقريش : دينكم ( يعني الوثنية ) خير من دين محمد ( يعني التوحيد)، وقال : أنتم أهدى سبيلاً !
 
فنزلت فيه :
 
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً }النساء51
 
فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ : " مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ " وأذن في قتله[2] .
 
***
 
نقض العهد
 
وكان القسط الأكبر من الشتائم والسب والاستهزاء يأتي من يهود بني قينقاع، فهم أقوى فصائل اليهود، وأغناهم، وأشرفهم، وأشجعهم . وقد جاءت الأخبار بنقض اليهود لوثيقة المدينة التي صدّقوا عليها، وحالفوا المسلمين بها، وتعاقدوا على تنفيذ بنودها؛ فذهب النبيُ ـ صلى الله عليه وسلم ـ إليهم بنفسه الكريمة في سوقهم ـ وكانوا صاغة وتُجارًا في الذهب ـ، فوعظهم، وذكّرهم بالله تعالى وقال :
 
"يَا مَعْشَرَ يَهُودَ ! احْذَرُوا مِنْ اللّهِ مِثْلَ مَا نَزَلَ بِقُرَيْشٍ مِنْ النّقْمَةِ، وَأَسْلِمُوا ، فَإِنّكُمْ قَدْ عَرَفْتُمْ أَنّي نَبِيّ مُرْسَلٌ تَجِدُونَ ذَلِكَ فِي كِتَابِكُمْ، وَعَهْدِ اللّهِ إلَيْكُمْ "[3] .
 
فردوا عليه ردًا يناسب أخلاقهم الدنيئة، وطبائعهم الدميمة، ونفوسهم الرجسة، وألسنتهم الدنسة،  وقَالُوا : " يَا مُحَمّدُ ! إنّك تَرَى أَنّا قَوْمُك ! لا يَغُرّنّكَ أَنّك لَقِيت قَوْمًا لا عِلْمَ لَهُمْ بِالْحَرْبِ فَأَصَبْتَ مِنْهُمْ فُرْصَةً ! إنّا وَاَللّهِ لَئِنْ حَارَبْنَاك لَتَعْلَمَنّ أَنّا نَحْنُ النّاسَ "[4]
 
 
 
فأنزل الله تعالى : "قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ "[ آل عمران 12، 13 ] .
 
 
 
وهم على جبنهم، دومًا، تراهم يتحدثون عن الشجاعة التي لا تعرفهم ولا يعرفونها، دومًا، تراهم يقولون نحن أقوى جيش، نحن أكثر نفيرًا، وهم على كثرة نفيرهم وسلطانهم الاقتصادي والإعلامي على درجة مريعة من الخوف والخور، ولتجدنهم أحرص الناس على أي حياة، بأسهم بينهم شديد، تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى.
 
 
 
" قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ " .. فيا أخُ لا تبتئس يومًا بنفير اليهود، ولا يهولنك أمرهم،  فهو ككومة القش الذي تذروه الرياح في عشية أو ضحاها، وقد علمتَ من سنةٍ النبي الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه سيأتي اليوم الذي سيُباد فيه اليهودُ عن آخرهم،  وتختبء فيه بقيتهم الباقية وراء الحجر والشجر، وستنعم الأرض حيئنذٍ لأول مرة بالأمان؛ إذ لم يبق منهم رجل واحد يدب فوقها .
 
***
 
التضييق الاقتصادي
 
لقد تحولت طوائف اليهود داخل المدينة إلى جماعات فتنة، تفرق بين المسلمين، وتنشر الشائعات والأكاذيب، وتفتن المؤمنين، وتتلاعب بالأسعار كنوع من عقاب أهل يثرب أن دانوا بالإسلام، وبحيث يتشاءم الناسُ بمقدم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، كما هو الحال في زماننا عندما يتشاءمُ الشعبُ بالحكومات الجديدة إذا ارتفعت الأسعار.
 
 
 
كانوا اليهود يحاربون المسلمين في أرزاقهم، وكانوا يضيقون سبل المعيشة على كل رجل دخل الإسلام حديثًا، فإن كان له مالاً أكلونه ظلمًا أنْ آمن بالله ورسوله، وإن كان عليه الحق يتقاضونه ليل نهار.
 
 
 
كشف عورة امرأة مسلمة:
 
وكَانَ مِنْ أَمْرِ بَنِي قَيْنُقَاع – أيضًا -  أَنّ امْرَأَةً مِنْ المسلمين قَدِمَتْ بشيء تريد أن تبيعه بِسُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ ، وَجَلَسَتْ إلَى صَائِغٍ يهودي بالسوق، فَجَعَل اليهود يُرِيدُونَهَا عَلَى كَشْفِ وَجْهِهَا، فَأَبَتْ السيدة المسلمة، فَعَمِدَ الصّائِغُ إلَى طَرَفِ ثَوْبِهَا فَعَقَدَهُ إلَى ظَهْرِهَا، فَلَمّا قَامَتْ انْكَشَفَتْ عورتها، فَضَحِكُوا منهَا ، فَصَاحَتْ . فَوَثَبَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الصّائِغِ فَقَتَلَهُ، وَشَدّتْ الْيَهُودُ عَلَى الْمُسْلِمِ فَقَتَلُوهُ .. فَاسْتَصْرَخَ أَهْلُ الْمُسْلِمِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْيَهُودِ ، فَغَضِبَ الْمُسْلِمُونَ فَوَقَعَ الشّرّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَنِي قَيْنُقَاعَ[5]  .
 
***
 
العلاج :
 
وبهذا الصنيع المشين ـ الذي يتفق وجبلة اليهود عليهم  لعائن الله ـ يكونوا قد أكدوا نقضهم لعهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ نقضًا عمليًا، وباتت قضية وجوب التخلص منهم مسألة لا يَنْتَطِحُ فِيهَا عَنْزَانِ .
 
إذْ أن الإبقاء على يهود قنيقاع والعفو عنهم بعد فعلتهم هذه؛ أمرٌ يسيء إلى الإسلام نفسه، ويهين كرامة المسلمين، أن تركوا عورة مسلمة تُكشف بهذه الطريقة دون رد شافٍ كافٍ.
 
وقد نزل قول الله تعالى :
 
"وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ"[الأنفال: 58].
 
فتحرك إليهم سيد الشجعان بجيشه،  فاحصرهم ـ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، حَتّى نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ، في أموالهم ونسائهم وذريتهم، فأمر بهم فكُتفوا، وحينئذ قام حليفهم القديم عَبْدُ اللّهِ بْنُ أُبَيّ ابْنُ سَلُولَ المنافق، بمطالبة النبي- صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ – بطريقة غير مهذبة - بإصدار العفو عن اليهود، فَقَالَ : يَا مُحَمّدُ أَحْسِنْ فِي مَوَالِيّ !
 
وَكَانُوا حُلَفَاءَ الْخَزْرَجِ ، فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ -صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فَقَالَ يَا مُحَمّدُ أَحْسِنْ فِي مُوَالِيّ !
 
 فَأَعْرَضَ عَنْهُ . فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي جَيْبِ دِرْعِ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ -  فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ -: " أَرْسِلْنِي ! "، وَغَضِبَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ – لسوء تصرف المنافق، حَتّى رَأَوْا لِوَجْهِهِ ظُلَلاً، ثُمّ قَالَ : " وَيْحَك أَرْسِلْنِي!!" ، قَالَ : لا وَاَللّهِ لا أُرْسِلْك حَتّى تُحْسِنَ فِي مُوَالِيّ، أَرْبَعَ مِئَةِ حَاسِرٍ وَثَلَاثُ مِئَةِ دَارِعٍ، قَدْ مَنَعُونِي مِنْ الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ تَحْصُدُهُمْ فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ، إنّي وَاَللّهِ امْرُؤٌ أَخْشَى الدّوَائِرَ" .. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - : " هُمْ لَك"[6]  .
 
 
 
وعفا عنهم النبيُ ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولم يأمر بقتلهم؛ نزولاً على رغبة زعيم المنافقين، وهذا من أريحيته صلى الله عليه وسلم؛ على أن يَخرج اليهودُ من المدينة إلى قيام الساعة، وقد أوكل أمرهم إلى حليفهم الصحابي الجليل عبادة بن صامت، وقد كان بمنزلة ابن سلول في حلفه مع اليهود، بيد أن الأول تولى اللهَ ورسوله والثاني تولى اليهود، فقد قال ابن الصامت ـ رضي الله عنه ـ : " يَا رَسُولَ اللّهِ أَتَوَلّى اللّهَ وَرَسُولَهُ ـ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ـ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَأَبْرَأُ مِنْ حِلْفِ هَؤُلاءِ الْكُفّارِ وَوِلايَتِهِمْ "[7]، بينما فعل ابن سلول ما قد رأيتِ، وقد نزل في هذه القصة التي أبانت إيمان عبادة بن الصامت ونفاق ابن سلول آياتٍ بينات منسورة المائدة، قال الله تعالى فيها :
 
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ - فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ - وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَّرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ - إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ - وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ)[المائدة: 51-56]
 
***
 
وأشرف الصحابي الفاضل عبادة بن الصامت على عملية إجلاء يهود قينقاع، وطلبوا التنفس والمهلة، فقال الذي تولى اللهَ ورسوله : ولا ساعة من نهار ! وقد حدد لهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثلاثة أيام يخرجون فيها عن بكرة أبيهم، ولا زال عبادة بن الصامت يسوقهم أمامه كالخرفان، يُخرجهم خارج المدينة كالجِرْذان ، إلى الطريق المؤدية للشام، حيث لحقوا بأذرعات واستقروا بها، وهي مدينة تجارية شامية، تابعة الآن لدرعة بسوريا.
 
***
 
هذه المعركة درسٌ عملي في الولاء البراء، الذي هو من حقوق التوحيد، والذي هو أوثق عرى الإيمان .
 
والولاء يعني مناصرة الله ورسوله والمؤمنين، وإعانتهم والسكنى معهم .
 
والبراء؛ أن يقطع المؤمن صلته بالكفار، ولا يحبهم، ولا يناصرهم، ولا يقيم في أوطانهم إلا لضرورة.
 
وعقيدة الولاء والبراء ـ بذلك ـ تحرم علينا التعاون مع الكفار ضد المسلمين، كأن نفتح لهم أرض الإسلام يسرحون فيها لنشر الأمراض الفتاكة، أو يبنون على الأراضي الإسلامية القواعد العسكرية التي تنطلق منها الطائرات لضرب المسلمين هنا وهناك، وهي تحرم علينا أيضًا عقد الصفقات التجارية مع العدو المحارب، أو العدو المحتل، فضلاً عن تصدير ثروات البلاد الطبيعية إليهم ـ كالغاز ونحوه ـ بأي سعركان.
 
قال الله تعالى : "لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْمُفْلِحُونَ" [ المجادلة 22].
 
 
 
وعقيدة الولاء والبراء، تحرم علينا أيضًا أن نخذل إخواننا المستضعفين، أو أن نتركهم يقاتلون وحدهم في الميدان، فضلاً عن حرمة منع المعونات عنهم، أو إغلاق المعابر دونهم، أو شن الحرب الإعلامية على جهادهم، أو تشويه صورة أبنائهم و قادتهم . وقد قال تعالى (وَإِنْ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمْ النَّصْرُ) [الأنفال 72 ].
 
 
 
توصيات عملية :
 
1ـ احرص دومًا على أن تحب في الله وأن تبغض في الله .
 
2ـ مدارسة حول هذا السؤال : " كيف كان الولاء والبراء هو أوثق عرى الإيمان ؟ "، وذلك في ضوء الحديث الشريف " أوثق عري الإيمان:  الموالاةُ في الله، والمعاداةُ في الله، والحب في الله، والبغض في الله "[8]
 
4ـ مدارسة سورة المائدة، حفظًا وتفسيرًا، فإن كسلتَ فلا يفوتنك رُبع : " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء" ، وربع : " لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود ".
 
----------------------------
 
[1] انظر : البيهقي: السنن الكبرى  9 / 183
 
[2] أخرجه البخاري ( 2327)
 
[3] ابن هشام 2 / 46
 
[4] ابن هشام 2 / 46
 
[5] ابن هشام 2 / 47
 
[6] ابن هشام 2 / 48
 
[7] ابن هشام 2 / 49
 
[8] أخرجه الطبراني في معجمه الكبير (11/215) ح11537، وهو في السلسلة الصحيحة 998



                      المقال السابق                       المقال التالى




Bookmark and Share


أضف تعليق

أنت بحاجة للبرامج التالية: الحجم : 2.26 ميجا الحجم : 19.8 ميجا