عربي English עברית Deutsch Italiano 中文 Español Français Русский Indonesia Português Nederlands हिन्दी 日本の
  
  

   

 

إجلاء بَنِي النّضِيرِ
 
رَبِيعٍ الأوّلِ 4 هـ - أغسطس 625 م
 
يوم الرجيع وبئر معونة :
 
العامان الثالث والرابع كانا أشبه ـ إلى حد ما ـ بعام الحزن في المرحلة المكية؛ غير أن الحزن الذي كان في هذين العامين طال جميع المسلمين؛ فلم يخل بيت من قتيل أو جريح عقب مأساة أُحد؛ ومما زاد الحزن حزنًا، أن حدثت مآسيَ أخرى كانت في ذيل أحد !
 
 
 
فبعد معركة أحد؛ تجرأ العربُ على المسلمين بشكل مريع، ولا أدل من ذلك من حادثتي " الرجيع " و " بئر معونة" في شهر صفر سنة 4هـ، فقد قَتل الأعرابُ الأجلاف نحو ثمانين من الصحابة القراء وهم في طريقهم لممارسة شعيرة الدعوة إلى الله في بعض القبائل. ولم يتمكن النبيُ ـ صلى الله عليه وسلم ـ من تأديب هؤلاء الأعراب الذين غدروا بالصحابة إلا بعد فترة.
 
 
 
ولم يزل المسلمون في المدينة المنورة؛ يتناقلون مشاهد البطولة التي سطرها القراء بدمائهم؛ وكيف قال "خبيب بن عدي" لجموع الغادرين : أنه يحب أن يُقتل ولا أن يشاك محمدٌ بشوكة في قدمه، وكيف حفظ الله جثمان " عاصم بن ثابت " بالنحل؛ فلم يستطع أحدٌ من الغادرين أن يظفر بجثمانه لينال المكافأة التي فرضتها بعض عائلات قريش لمن يأتي برأس عاصم الذي قتل صنديدًا من صناديد الشرك يوم بدر.
 
 
 
وفي حادثة بئر معونة؛ عندما ذهب الصحابي الجليل حرام بن ملحان برسالة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى عدو الله " عامر بن الطفيل "؛ فلما وقف حرام بن ملحان بين يدي هذا الغادر لم ينظر في رسالة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ؛ وأمر رجلاً فطعن حرام بن ملحان بالحربة من الخلف، فلما نفذت فيه ورأى الدم، قال حرام : الله أكبر ! فزت ورب الكعبة!
 
ثم استنفر الطاغيةُ بعض القبائل المتوحشة؛ فأجابته رعل وزكوان وعصية ومالوا على الدعاة ميلة واحدة فقتلوهم جميعًا؛ ولم ينج من هذه المجزرة سوى عمرو بن أمية الضمري؛ فقد نجا بأعجوبة، وفي طريقه للعودة إلى المدينة؛ نزل في ظل شجرة؛ إذ جاء رجلان من بني كلاب فنزلا معه، فلما ناما فتك بهما عمرو، وهو يظن أنه أصاب ثأرًا من أصحابه، "وَإِذَا مَعَهُمَا عَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللّهِ ـ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ـ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ فَلَمّا قَدِمَ أَخْبَرَ رَسُولَ اللّهِ ـ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ـ بِمَا فَعَلَ فَقَالَ لَقَدْ قَتَلْتَ قَتِيلَيْنِ لأدِيَنّهُمَا"[1].
 
***
 
قنوت النوازل :
 
ولم يزل رسولُ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقنت في صلاته يدعو على القبائل التي شاركت في قتل الدعاة، حتى نزل وحيًا يبشرُ الناسَ بالثواب العظيم الذي لقيه شهداء الرجيع وبئر معونة، فترك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حيئنذ قنوته، وقد شرّع بذلك سنة القنوت في النوازل العامة من حروب وزلازل ومصائب.
 
***
 
يقتلون الضيفان :
 
ثم شرع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في جمع دية هذين القتيلين، فخرج رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يومًا في نفر من أصحابه فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيّ - رِضْوَانُ اللّهِ عَلَيْهِم - فصلى فى مسجد قباء، ثم أتى بنى النضير، يَسْتَعِينُهُمْ فِي دِيَةِ ذَيْنِك الْقَتِيلَيْنِ اللّذَيْنِ قَتَلَهما الصحابيُ الجليل " عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ الضّمْرِيّ "، لِلْجِوَارِ الّذِي كَانَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ -عَقَدَ لَهُمَا، وإنما يطالبهم النبي بمساعدته في هذه الدية وفق بنود الدستور الذي كتبه معهم، والذي يقتضي تعاون كل الفصائل في أمر الديات . 
 
 
 
 فَلَمّا أَتَاهُمْ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ- يَسْتَعِينُهُمْ فِي دِيَةِ ذَيْنِك الْقَتِيلَيْنِ قَالُوا : نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، نُعِينُك عَلَى مَا أَحْبَبْت، مِمّا اسْتَعَنْت بِنَا عَلَيْهِ. ثُمّ خَلَا بَعْضُهُمْ بِبَعْضِ فَقَالُوا : إنّكُمْ لَنْ تَجِدُوا الرّجُلَ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ هَذِهِ - وَرَسُولُ اللّهِ -صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - إلَى جَنْبِ جِدَارٍ مِنْ بُيُوتِهِمْ قَاعِدٌ -: فَمَنْ رَجُلٌ يَعْلُو عَلَى هَذَا الْبَيْتِ فَيُلْقِي عَلَيْهِ صَخْرَةً فَيُرِيحُنَا مِنْهُ ؟ وقالوا فيما بينهم: نقتله ونأخذ أصحابه أسارى إلى مكة، فنبيعهم من قريش،  فَانْتَدَبَ لِذَلِكَ عَمْرُو بْنُ جَحّاشِ بْنِ كَعْبٍ ، أَحَدَهُمْ فَقَالَ: أَنَا لِذَلِكَ! [2]..
 
وهذا المشهد يُظهر لك أن الغدر والخيانة في جبلات اليهود أشبه بالدم الذي يجري في العروق، مثلهم كمثل السوسة؛ لا تحيا إلا على النهش والنخر.
 
 
 
مصارحة :
 
فَقَالَ لَهُمْ سَلَامُ بْنُ مِشْكَمٍ: لا تَفْعَلُوا ! فَوَاَللّهِ لَيُخَبّرَنّ بِمَا هَمَمْتُمْ بِهِ.. يا قوم أطيعوني هذه المرة وخالفوني الدهر، والله لئن فعلتم ليخبرن بأنا قد غدرنا به، وإن هذا نقض للعهد الذي بيننا وبينه، فلا تفعلوا !
 
 لكن غَلبت شياطينهم عقلاءهم ، فَصَعِدَ عَمْرُو بْنُ جَحّاشِ – لعنه الله - لِيُلْقِيَ الصَخْرَةً عَلَي النبي – صلى الله عليه وسلم – [3].
 
 
 
ورغم أن الغدر ليس من شيم الحلفاء الشرفاء إلا أن اليهود درجوا على نقض العهود وأدمنوا الخيانة والخسة حتى مع أبناء وطنهم وحلفائهم ..
 
ومواقف التاريخ تؤكد في كل مرة أنهم أهل غدر وخيانة ..
 
وصدق الله إذ يقول فيهم : "الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ " [الأنفال:56].
 
 
 
اكتشاف المؤامرة
 
فلما هم القوم بالغدر،وقد أشرف "ابن جحاش"بالصخرة، وقد أوشك أن يلقيها على رأس النبي- صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ -، إذ بالوحي يأَتَى رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فيخبره بِمَا أَرَادَ الْقَوْمُ، فَقَامَ  فورًا - كأنه يريد حاجة- وَخَرَجَ رَاجِعًا إلَى الْمَدِينَةِ[4] .
 
 
 
فبينما اليهود على ذلك – ينتظرون أن يعود النبي- صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ -  إلى مكانه بعد أن يقضي حاجته لينفذوا جريمتهم الشنعاء – وقد دأبوا – عليهم لعائن الله – على سفك دماء الأنبياء والمرسلين - إذ جاءَ جاءٍ من اليهود من المدينة،فلما رأى إخوانه من اليهود يتآمرون على قتلالنبي - صلى الله عليه وسلم- قال لهم: ما تريدون ؟ قالوا: نريد أن نقتل محمدًا ونأخذ أصحابه، فقال لهم: وأين محمد ؟ قالوا: هذا محمد قريب، فقال لهم صاحبهم: والله لقد تركت محمدًا داخل المدينة، فسقط في أيديهم[5] .
 
وأيقنوا أن النبي أُخبر بما هموا به .. !
 
واستبطأ الصحابةُ النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلما يئسوا، قال أبو بكر: ما مقامنا هاهنا بشئ ! لقد توجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم- لأمر -، فقاموا في طلبه، وحينئذ  قال حيي بن أخطب : "لقد عجل أبو القاسم، كنا نريد أن نقضي حاجته ونقريه" وندمت يهود على ماصنعوا[6].
 
وطفق أصحاب رسول الله يبحثون عنه، وفي طريقهم َلَقُوا رَجُلاً مُقْبِلاً مِنْ الْمَدِينَةِ، فَسَأَلُوهُ عَنْهُ، فَقَالَ رَأَيْته داخلاًالْمَدِينَةَ . فَأَقْبَلَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ –حَتّى انْتَهَوْا إلَيْهِ- صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ- فَأَخْبَرَهُمْ الْخَبَرَ، بِمَا كَانَتْ الْيَهُودُ أَرَادَتْ مِنْ الْغَدْرِ بِهِ [7].
 
 
 
وعليك أن تلحظ أن اليهود قتلوا عددًا من أنبياء بني إسرائيل الذين هم أقرب إليهم من نبي العرب ـ صلى الله عليه وسلم ـ؛ فليس بمستغرب إذنْ ما هموا به وأجمعوا عليه.
 
 
 
إمهال العدو ليتأهب للجلاء :
 
ثم بَعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ – في رسالة يحملها محمد بن مسلمة الأوسي، فأقبل عليهم ووبخهم – رضوان الله تعالى عليه -، وقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرسلني إليكم يقول لكم :"اخْرُجُوا مِنْ الْمَدِينَةِ ، وَلَا تُسَاكِنُونِي بِهَا ،فقدهممتم بما هممتم به من الغدر، وَقَدْ أَجّلْتُكُمْ عَشْرًا ، فَمَنْ وَجَدْتُ بَعْدَ ذَلِكَ بِهَا ، ضَرَبْتُ عُنُقَهُ"[8] .
 
 وأخبرهم – في تقرير تفصيلي -  بما هموا به من ظهور عمرو بن جحاش على ظهر البيت ليطرح الصخرة، فسكتوا ولم يقولوا حرفاً ، فَأَقَامُوا أَيّامًا يَتَجَهّزُونَ[9] .
 
وهكذا أمهلهم النبي ُـ صلى الله عليه وسلم ـ هذه المدة؛ ولم يقابل الغدر بالغدر، وغيره من حكام الدنيا يميلون ميلة واحدة على الفصيل الغادر.
 
 
 
دور المنافقين في تثبيت الأعداء!
 
وعزم اليهود على الخروج، لولا أن جماعة المنافقين ثبتتهم، وبعث عبد الله بن أبي بن سلول ـ زعيم المنافقين ـ إلى إخوانه اليهود برسالة قال فيها : أَنْ اُثْبُتُوا وَتَمَنّعُوا ، فَإِنّا لَنْ نُسَلّمَكُم، إنْ قُوتِلْتُمْ قَاتَلْنَا مَعَكُمْ، وَإِنْ أُخْرِجْتُمْ خَرَجْنَا مَعَكُمْ[10] .
 
 
 
وقال : لا تَخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ، فَإِنّ مَعِي أَلْفَيْنِ يَدْخُلُونَ مَعَكُمْ حِصْنَكُمْ فَيَمُوتُونَ دُونَكُمْ، وَتَنْصُرُكُمْ قُرَيْظَةُ، وَحُلَفَاؤُكُمْ مِنْ غَطَفَانَ ، وَطَمَعَ رَئِيسُهُمْ حَيّ بْنُ أَخْطَبَ فِيمَا قَالَ لَهُ ابن سلول، وَبَعَثَ إلَى رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ- يَقُولُ: إنّا لا نَخْرُجُ مِنْ دِيَارِنَا ، فَاصْنَعْ مَا بَدَا لَك [11].
 
وفي هذه الشراكة التي كانت بين النفاق واليهودية قال الله تعالى :
 
{أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ }الحشر11
 
وقال مبينًا هشاشة هذا التحالف :
 
"لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ" الحشر 12
 
 
 
عاقبة الغدر:
 
ولما جاء إلى النبي خبر رفض اليهود مغادرة المدينة .. قال :" الله أكبر !!"، فقال أصحابه : الله أكبر[12].
 
وَِأَمَرَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - بِالتّهَيّؤِ لِحَرْبِهِمْ وَالسّيْرِ إلَيْهِمْ.وَأَمّرَ أَبَا لُبَابَةَ عَلَى الْمَدِينَةِ وَابْنَ أُمّ مَكْتُومٍ عَلَى الصّلاةِ [13].
 
 ثُمّ سَارَ بالجيش الإسلامي،وحُملت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبة من خشب ، عليها مسوح أرسل بها سعد بن عبادة رضي الله عنه[14].
 
 وَعَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَحْمِلُ اللّوَاءَ،  حَتّى نَزَلَ الجيش الإسلامي بِهِمْ،ِ ووصل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى أرض العدو، وصلى بجنوده العصر بفناء العدو[15].
 
ولما جاء وقت العشاء رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بيته في عشرة من أصحابه عليه الدرع وهو على فرس، واستعمل على العسكر علي بن أبي طالب[16]، وبات المسلمون يحاصرونهم ويكبرون حتى أصبحوا ثم أذن بلال بالفجر، فغدا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-في أصحابه الذين كانوا معه فصلى بالناس، ودخل القبة، وكان رجل من يهود يقال له غزول، وكان أعسر رامياً يبلغ نبله ما لا يبلغه نبل غيره، فوصل نبله تلك القبة، فأمر بها فحولت. وفي ليلة من الليالي فُقد عليٌ ـ رضي الله تعالى عنه ـ قرب العشاء، فقال الناس: يا رسول الله ما نرى علياً، فقال: "دعوه، فإنه في بعض شأنكم"، فعن قليل جاء برأس الرجل الذي يقال له " غزول " الذي وصل نبله قبته ، كمن عليّ حين خرج يطلب غرة من المسلمين ومعه جماعة، فشد عليه فقتله وفرّ من كان معه، فأرسل رسول الله -صلى الله عليه وسلم -مع عليّ أبا دجانة وسهل بن حنيف في عشرة، فأدركوا أولئك الجماعة الذين كانوا مع غزول وفروا من عليّ فقتلوهم[17] .
 
وحَاصَرَهُمْ المسلمون سِتّ لَيَالٍ، وفيها َنَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ[18] .
 
 
 
إحراق بعض زروع العدو
 
وخلال فترة الحصار أَمَرَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - بِقَطْعِ النّخِيلِ وَالتّحْرِيقِ فِيهَا ، واستعمل على قطع النخل أبا ليلى المازني وعبدالله بن سلام. وكان أبو ليلى يقطع العجوة وعبدالله يقطع اللين[19].فَنَادَوْهُ أَنْ يَا مُحَمّدُ قَدْ كُنْتَ تَنْهَى عَنْ الْفَسَادِ ، وَتَعِيبُهُ عَلَى مَنْ صَنَعَهُ فَمَا بَالُ قَطْعِ النّخْلِ وَتَحْرِيقِهَا [20] ؟
 
ولما قطعت العجوة شق نساء اليهود الجيوب، وضربن الخدود، ودعون بالويل[21] .
 
وقال اليهود من خلف الحصون للمؤمنين: إنكم تكرهون الفساد وأنتم تفسدون، وحينئذٍ وقع في نفوس بعض المسلمين من ذلك شيء .
 
فأنزل الله : "مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ " [الحشر:5]
 
وكان جميع ما قطعوا وحرقوا ست نخلات[22] .
 
شأن الإعلام اليهودي دومًا؛ تضخيم الصغير، وتصغير الضخيم !
 
وفي هذا الموقف جواز إحراق مزارع العدو إذا تترس بها .
 
كما أن القول بإباحة قطع شجر العدو إذا اقتضت المصلحة؛ هو مذهب جمهور الفقهاء .
 
 
 
إسلام  يَامِينُ بْنُ عُمَيْرٍ،  وَأَبُو سَعْدِ بْنُ وَهْبٍ :
 
وخلال فترة الحصار، أسلم  مِنْ بَنِي النّضِيرِ رَجُلانِ يَامِينُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَأَبُو سَعْدِ بْنُ وَهْبٍ، أَسْلَمَا عَلَى أَمْوَالِهِمَا فَأَحْرَزَاهَا[23] .
 
قال أحدهما لصاحبه: والله إنك لتعلم أنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-فما ننتظر أن نسلم فنأمن على دمائنا وأموالنا، فنزلا من الليل وأسلما فأحرزا أموالهما.
 
ثم قال  رَسُولَ اللّهِ -صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ-:لِيَامِينَ :" أَلَمْ تَرَ مَا لَقِيتُ مِنْ ابْنِ عَمّك ، وَمَا هُمْ بِهِ مِنْ شَأْنِي ؟".  فَجَعَلَ يَامِينُ بْنُ عُمَيْرٍ لِرَجُلِ جُعْلاً- وهو عشرة دنانير- عَلَى أَنْ يَقْتُلَ لَهُ عَمْرَو بْنَ جِحَاشٍ الذي أراد أن يلقي الحجر على رسول الله ، فقتله غيلة فسر بذلك النبي [24].
 
وهو مشهد قلما نراه  في الحروب، أن ينتقل بعض الجنود من خصم إلى خصم . إن حالة من التأثر ويقظة الضمير غيرت من توجه هذين الجنديين (يَامِينُ وابْن وَهْبٍ) ـ من هول قيامهم بمقاتلة رسولٍ من رسل الله ..
 
 
 
الاستسلام :
 
ولا زال عبدالله بن أبي ابن سلول يبعث لبني النضير أن اثبتوا وتمنعوا، فإنكم إن قوتلتم قاتلنا معكم وإن أخرجتم خرجنا معكم، فانتظروا ذلك، ولم يحصل لهم منه شيء، وجعل سلام بن مشكم وكنانة بن صوريا يقولان لحيي : أين نصرُ ابن أبيّ الذي زعمت؟ فيقول حيي: ما أصنع، هي ملحمة كتبت علينا[25].
 
 
 
وانتظر يهود النضير - طيلة فترة الحصار-، النصرة والمدد الذي وعدهم إياه ابن سلول، ومنتهم به قريظة هي الأخرى، وكذلك غطفان، فقد دب الرعب في قلوب الخائنيين، فَاعْتَزَلَتْهُمْ قُرَيْظَةُ وَخَانَهُمْ ابْنُ أُبَيّ وَحُلَفَاؤُهُمْ مِنْ غَطَفَانَ ، وَلِهَذَا شَبّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قِصّتَهُمْ وَجَعَلَ مَثَلَهُمْ "كَمَثَلِ الشّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قَالَ إِنّي بَرِيءٌ مِنْكَ"[26] .
 
ولما اشتد الحصار على اليهود- وهم أهل جبن وخور- وَقد قَذَفَ اللّهُ فِي قُلُوبِهِمْ الرّعْبَ، َأَرْسَلُوا إلَيْ النبي  - صلى الله عليه وسلم - : نَحْنُ نَخْرُجُ عَنْ الْمَدِينَةِ..  فَأَنْزَلَهُمْ عَلَى أَنْ يَخْرُجُوا عَنْهَا بِنُفُوسِهِمْ وَذَرَارِيّهِمْ وَأَنّ لَهُمْ مَا حَمَلَتْ الْإِبِلُ إلّا السّلَاحَ وَقَبَضَ النّبِيّ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - الْأَمْوَالَ و السّلَاحُ والأرض والديار، ووَجَدَ مِنْ السّلاحِ خَمْسِينَ دِرْعًا ، وَخَمْسِينَ بَيْضَةً وَثَلاثَمِائَةٍ وَأَرْبَعِينَ سَيْفًا، وَكَانَتْ بَنُو النّضِيرِ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - لِنَوَائِبِهِ وَمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يُخَمّسْهَا لِأَنّ اللّهَ أَفَاءَهَا عَلَيْهِ ، وَلَمْ يُوجِفْ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهَا بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ[27] .
 
 قَالَ مَالِكٌ : خَمّسَ رَسُولُ اللّهِ -صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ -قُرَيْظَةَ ، وَلَمْ يُخَمّسْ بَنِي النّضِيرِ. لِأَنّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُوجِفُوا بِخَيْلِهِمْ وَلَا رِكَابِهِمْ عَلَى بَنِي النّضِير ِ كَمَا أَوْجَفُوا عَلَى قُرَيْظَةَ وَأَجْلَاهُمْ إلَى خَيْبَرَ[28]  .
 
 
 
يخربون بيتوهم :
 
ولما عزم اليهود على ترك المدينة، صاروا ينقضون العمد والسقوف، وينزعون الخشب حتى الأوتاد، وينقضون الجدران حتى لا يسكنها المسلمون حسداً وبغضاً .
 
وهذا شأن اليهود في عصرنا أيضًا؛ فلا يتركون مغتصبة ( أو مستوطنة ) إلا إذا خربوها وأتلفوا بناياتها، وقد فعلوا ذلك لما تركوا مدينة " طابا " في سيناء .
 
***
 
وخرج بنو النضير- من ديارهم - مظهرين التجلد: وخرجت النساء على الهوادج وعليهن الديباج والحرير وقطف الخز الأخضر والأحمر وحلي الذهب والفضة، مَعَهُمْ الدّفُوفُ وَالْمَزَامِيرُ وَالْقِيَانُ يَعْزِفْنَ خَلْفَ الرجال وَإِنّ فِيهِمْ لأمّ عَمْرٍو المطربة، تغني، بِزُهَاءِ وَفَخْرٍ مَا رُئِيَ مِثْلُهُ مِنْ حَيّ مِنْ النّاسِ فِي زَمَانِهِمْ !!
 
فجعلوا يمرون قطارا في أثر قطار، وقد تحملوا على ستمائة بعير .
 
ونادى أبو رافع سلام بن أبي الحقيق، ورفع مسك جمل[29] وقال: هذا مما نعدهلخفض الأرض ورفعها، فإن تكن النخل قد تركناها فإنا نقدم على نخل بخيبر[30].
 
والحق، أنهم يحسنون دومًا مثل هذه الأدوار الدعائية؛ وهم سادة الإعلام في كثير من الأصقاع .
 
إذ لعل هذه الهيئة التي خرجوا بها تحرز لهم شيئًا معنويًا في أوساطهم، وشيئًا دعائية في غيرهم .
 
***
 
فَكَانَ أَشْرَافُهُمْ مَنْ سَارَ مِنْهُمْ إلَى خَيْبَرَ : سَلامُ بْنُ أَبِي الْحَقِيقِ وَكِنَانَةُ بْنُ الرّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحَقِيقِ ، وَحُيَيّ بْنُ أَخْطَبَ . فَلَمّا نَزَلُوهَا دَانَ لَهُمْ أَهْلُهَا .
 
والباقون ساروا  إلى الشام: إلى أذرعات [31] .
 
وقد حزن المنافقون على رحيل إخوانهم اليهود، علمًا أن أهل النفاق هم أهل بلبلة وإرباك لا يفلحون إلا في الكلام، وهم أولى بالناس بالظاهرة الكلامية التي تحدث في المجتمعات؛ فلعلك ترى مجتمعًا الكل فيه يعمل وينتج؛ إلا فصيل واحد يتكلم ويتكلم، وهو فصيل النفاق.
 
***
 
لقد استخدم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أسلوب الحصار للضغط على اليهود من أجل الخروج، ولم يستخدم فيهم أسلوب سفك الدماء، وإن كانوا قد شرعوا جميعًا في جريمة اغتيال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وهي جريمة في نظر جميع القوانين الوضعية لا عقاب لها سوى الإعدام، ولو تواطىء الآلاف في هذا الشروع الذي لم يفض إلى قتل رئيس الدولة .
 
لذا نحن نعتبر أن ما فعله النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع يهود النضير مثالٌ رائع ساطع في رحمة الحاكم المسلم بجماعة من جماعات أهل الذمة التي خرجت على القانون .
 
ثم أرنِي حاكمًا واحدًا من حكام زماننًا عفا عن فصيل شرع في قتله !
 
 
 
 تعميق الإيثار بين جند الله  :
 
أما عن الأموال التي خلفتها النضير؛ فلم يستول عليها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد أفاء الله بها عليه .
 
بل نحن لم نر أثرًا واحدًا دل على امتلاك رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لخزينة مالية خاصة به، وقد كان زعماء العرب والعجم يمتلكون من الخزائن الخاصة ما تغنى به الشعراء .
 
لكنْ صاحب الخلق العظيم قسّم هذه الأموال على فقراء المسلمين؛ وقد كان أغلبهم من المهاجرين، وقد كانوا لا يزالون عالة على الأنصار، وعبئًا شديدًا على كواهلهم .
 
***
 
ثم تأمل هذه المشهد العظيم في الإيثار :
 
أرسل النبي ُـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى  ثابت بن قيس بن شماس، فقال النبي: "ادع لي قومك "، قال ثابت: الخزرج يا رسول الله ؟ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " الأنصار كلها ! " فدعا له الأوس والخزرج، فتكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله. ثم ذكر الأنصار وما صنعوا بالمهاجرين، من إنزالهم في منازلهم، وإيثارهم على أنفسهم بأموالهم. ثم قال لهم: "إنْ شِئْتُمْ قَسَمْتُ أَمْوَالَ بَنِي النّضِيرِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ وَأَقَمْتُمْ عَلَى مُوَاسَاتِهِمْ فِي ثِمَارِكُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ أَعْطَيْنَاهَا لِلْمُهَاجِرِينَ دُونَكُمْ وَقَطَعْتُمْ عَنْهُمْ مَا كُنْتُمْ تُعْطُونَهُمْ مِنْ ثِمَارِكُمْ"[32] .
 
 
 
فقالوا- وما أجمل ما قالوا - : بل اقسم هذه فيهم، واقسم لهم من أموالنا ما شئت! ! .
 
وتكلم سعد بن عبادة وسعد بن معاذ. فقالا: يا رسول الله بل تقسم بين المهاجرين ويكونون في دورنا كما كانوا، بل نحب أن تقسم ديارنا وأموالنا على المهاجرين الذين تركوا ديارهم وأموالهم وعشائرهم وخرجوا حباً لله ولرسوله، ونؤثرهم بالغنيمة ولا نشاركهم فيها.
 
ونادت الأنصار- تؤكد كلام القائدين -: رضينا وسلمنا يا رسول الله ! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- : "اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار[وأبناء أبناء الأنصار]"[33].
 
وأنزل الله تعالى فيهم  "وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ "[الحشر:9]
 
 
 
فكان الرسول أكرم من الأنصار .فَأَعْطَاهَا رَسُولُ اللّهِ الْمُهَاجِرِينَ، على ألا يأخذوا من أموال إخوانهم بعد هذا الفيء، فَاسْتَغْنَوْا بِمَا أَخَذُوا وَاسْتَغْنَى الْأَنْصَارُ بِمَا رَجَعَ إلَيْهِمْ مِنْ ثِمَارِهِمْ[34].
 
فقال أبو بكر رضي الله عنه- وقد هزه كرم الأنصار وإيثارهم -: "جزاكم الله يا معشر الانصار خيرًا" وجادت قريحته بشيء من الشعر يمدح فيه الأنصار[35].
 
***
 
جائزة تكريمية :
 
وأعطى النبيُ -صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ-  سعدَ بن معاذ ـ رضي الله عنه ـ سيفَ بن أبي الحقيق، وكان سيفا له ذكر عند اليهود. وإنما مُنح سعد – رضوان الله عليه – هذا السيف على سبيل الجائزة والتكريم، فقد كان يطعم الجيش الإسلامي في غزو النضير، وهو صاحب القبة الخشبية، التي جُعلت مقًرا متحركًا لرصد تحركات العدو.
 
***
 
توصيات عملية :
 
1ـ مدارسة سورة الحشر .
 
2ـ مطالعة أحكام الفيء في كتب الفقه.
 
 
 
----------------------------
 
 
[1] ابن القيم : زاد المعاد 3 / 221
 
[2] ابن هشام 2 / 189، الحلبي 2/ 387
 
[3] انظر : زاد المعاد  3 /  115
 
[4] ابن هشام 2 / 189
 
[5] الصالحي 4 / 318
 
[6] الصالحي 4 / 318، 319
 
[7] ابن هشام 2 / 189
 
[8] ابن هشام 2 /  191
 
[9] الحلبي 2/ 387
 
[10] ابن هشام 2 /  191
 
[11] ابن القيم : زاد المعاد  3 / 115
 
[12] ابن القيم : زاد المعاد  3 / 115
 
[13] ابن القيم : زاد المعاد  5 /  63
 
[14] الصالحي - 4 /  322
 
[15] الحلبي 2/ 387
 
[16]ويقال أبا أبكر
 
[17]الحلبي 2/ 387
 
[18]ابن هشام  2 /  190
 
[19]الحلبي 2/ 387
 
[20]ابن هشام  2 /  191
 
[21]الحلبي 2/ 387
 
[22]الحلبي 2/ 387
 
[23]ابن هشام  2 / 192
 
[24]ابن هشام  2 / 192
 
[25]الحلبي 2/ 387
 
[26]ابن القيم : زاد المعاد 3 /  115
 
[27]ابن القيم : زاد المعاد - 3 /  115 ، ابن هشام  2 /  191
 
[28]ابن القيم : زاد المعاد - 3 /  115
 
[29]المسك : الجلد
 
[30]ابن هشام  2 /  191 والصالحي  4 /  324
 
[31] الحلبي 2/ 387
 
[32] ابن القيم : زاد المعاد  5 /  63
 
[33] الحلبي 2/ 387
 
[34] ابن القيم : زاد المعاد  5 /  63
 
[35] الصالحي  4 /  325



                      المقال السابق                       المقال التالى




Bookmark and Share


أضف تعليق

أنت بحاجة للبرامج التالية: الحجم : 2.26 ميجا الحجم : 19.8 ميجا