عربي English עברית Deutsch Italiano 中文 Español Français Русский Indonesia Português Nederlands हिन्दी 日本の
  
  

   

 

بطولات الخندق
 
هذه هي الحلقة الثالثة في غزوة الأحزاب . فيها وقفةٌ حول حَلَبَةِ البِراز بين علي بين أبي طالب وعمرو بن ود، وبيان حرمة أكل ثمن الموتى، وبيان القتل الخطأ الذي لا دية فيه، والعروج على فضل الصلاة والدعاء والابتهال إلى الله وقت المحن والنكبات، والوقوف على مشهد الخونة من أبناء الوطن الواحد الذين تحالفوا مع العدو الغازي وتخابروا ضد الأحلاف وأذْعروا قومهم...
 
 
 
مبارزة عليُ بن أبي طالب عمروَ بن ود :
 
" كَانَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدّ قَدْ قَاتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ حَتّى أَثْبَتَتْهُ الْجِرَاحَةُ فَلَمْ يَشْهَدْ يَوْمَ أُحُدٍ ؛ فَلَمّا كَانَ يَوْمُ الْخَنْدَقِ خَرَجَ مُعْلِمًا لِيُرِيَ مَكَانَهُ فَلَمّا وَقَفَ هُوَ وَخَيْلُهُ قَالَ:  مَنْ يُبَارِزُ ؟ ..
 
فَبَرَزَ لَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لَهُ : يَا عَمْرُو:  إنّك قَدْ كُنْت عَاهَدْت اللّهَ أَلا يَدْعُوك رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ إلَى إحْدَى خَلّتَيْنِ إلا أَخَذْتَهَا مِنْهُ .
 
قَالَ لَهُ: أَجَلْ ..
 
قَالَ لَهُ عَلِيّ : فَإِنّي أَدْعُوك إلَى اللّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ وَإِلَى الإِسْلامِ.
 
 قَالَ : لا حَاجَةَ لِي بِذَلِكَ.
 
 قَالَ : فَإِنّي أَدْعُوك إلَى النّزَالِ.
 
 فَقَالَ لَهُ: لِمَ يَا ابْنَ أَخِي ؟ فَوَاَللّهِ مَا أُحِبّ أَنْ أَقْتُلَك .
 
 قَالَ لَهُ عَلِيّ : لَكِنّي وَاَللّهِ أُحِبّ أَنْ أَقْتُلَك !!
 
 فَحَمَى عَمْرٌو عِنْدَ ذَلِكَ فَاقْتَحَمَ عَنْ فَرَسِهِ فَعَقَرَهُ، وَضَرَبَ وَجْهَهُ، ثُمّ أَقْبَلَ عَلَى عَلِيّ فَتَنَازَلا وَتَجَاوَلا ، فَقَتَلَهُ عَلِيّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ . وَخَرَجَتْ خَيْلُهُمْ مُنْهَزِمَةً حَتّى اقْتَحَمَتْ مِنْ الْخَنْدَقِ هَارِبَة "[1] .  
 
 
 
ذاك الإمام السيد الضرغام في إحدى صولاته .. إنه مشهد يُحيي البطولة الحقة في النفوس، بعدما زاغ الناس بمفهوم البطولة إلى ساحات الملاعب والمراقص، فصار "البطل " هو اللاعب الذي يركل الكُرة في الشِباك،  وصار " رأس الحربة " و " المُهاجم " الذي سقط مخ رأسه إلى مخ ساقه؛ فالكل ينظر إلى موضع قدمه لا إلى موضع عقله؛ فذلك هو البطل المزعوم، ومثله بطل الفيلم وبطل التمثيلية وبطل المسرحية... وكثر هؤلاء الأبطال في ميادين الخلاعة ممن تُرسم له التصاوير على الملابس، وأكياس البطاطس المقلي، وعُلب الحلوى ..وهؤلاء الأبطال الباطلون إذا تدبرتَ أمرهم تجدهم في أخلاقهم من السَّفلة والحشوة، وطغام الفَسَقة، ورعاع الناس، يحاربون كل فضيلة ويمحقون في نفوس الناس كل قيمة كريمة .
 
 
 
نحن في مسيس الحاجة لإحياء معاني البطولة الإسلامية، والشجاعة الحربية، والأعمال الخيرية في شتى ميادين الحياة، فهذه هي البطولة التي تَبني ولا تهدم، وليست كتلك البطولة المزيفة التي تحرك الغرائز .
 
 
 
وفي مشهد البطولة الذي نراه هذا، نرى علي بن أبي طالب  ـ رضي الله عنه ـ يقف - وهو الشاب الصغير – أمام سيد فرسان العرب وأجلدهم وأشدهم بأسًا، حيث قام عليٌّ له لـمّا قال مرارًا : " مَنْ يُبَارِزُ ؟ .." ولم يقم له أحد.
 
فانبرى له الأسد، ودعاه إلى الإسلام فأبى، فدعاه إلى النزال ، وقال: "لِمَ يَا ابْنَ أَخِي؟ فَوَاَللّهِ مَا أُحِبّ أَنْ أَقْتُلَك !"،  قال ذلك استصغارًا لعلي، ولصداقة قديمة كانت بين عمرو بن ودّ وأبي طالب.
 
فقال الهَيْصَرُ  المقدام– في شجاعة وحماسة - : "  لَكِنّي وَاَللّهِ أُحِبّ أَنْ أَقْتُلَك !!  " ..
 
فاغتاظ عمرو بن ود، وظن الناسُ أن الفتى هالك أمام شيخ فرسان العرب ، ولكن سرعان ما بدى عليٌّ الغضنفرَ الهَصُوُر، وخصمه هو الضيغم الصغير ...
 
***
 
وذكر ابن إسحاق أن المشركين بعثوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشترون جيفة عمرو بعشرة آلاف، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-:
 
"هو لكم ولا نأكل ثمن الموتى"[2] .
 
ولما أقبل علي – رضي الله عنه -  بعد قتله لعمرو بن عبد ود على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو متهلل، قال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هلا سلبته درعه، فإنه ليس في العرب درع خير منها؟ قال: إني حين ضربته استقبلني بسوءته فاستحييت يا ابن عمي أن أسلبه [3] .
 
 
 
وثمة عدة دروس نستخلصها من موقف مقتل عمرو بن ود أحد طغاة العرب في الجاهلية:
 
- أن المقاتل المسلم هو داعية إلى الحق قبل أي اعتبار حربي، فقد بدأ بالحوار الدعوي مع خصمه الذي تحدى المسلمين بالمبارزة، وعرض عليه المقاتلُ المسلم أن يدخل في الإسلام قائلاً : " فَإِنّي أَدْعُوك إلَى اللّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ وَإِلَى الْإِسْلامِ" .. وهو أمر يؤكد على أن القتال في الإسلام ليس عبارة عن قتال من أجل السلب أو النهب إنما القتال في الإسلام يتسم برسالته الدعوية التي تُعلي من قدر العقيدة والأخلاق على أي مصلحة عسكرية ..
 
- وفي قول المقاتل المسلم لطاغية العرب : " فَإِنّي أَدْعُوك إلَى النّزَالِ"، دلالة على ما ينبغي أن يتصف به المسلم من الشجاعة والرغبة والاستعداد في منزالة الطغاة في ساح الحروب وغيرها لتخليص البشرية منهم !
 
-أن حُسن الأخلاق الحربية واحترام آدمية الأعداء لهي من أبرز صفات المقاتل المسلم، فنرى أن عليًا لما قتل عمرو بن ود وانكشفت عورته، قال علي بن أبي طالب - معللاً سبب عدم أخذ سلب عمرو – "إني حين ضربته استقبلني بسوءته فاستحييت يا ابن عمي أن أسلبه" .. صور رائعة في احترام حقوق الإنسان، وفي سمو أخلاق الجنود الإسلاميين في ميادين القتال .
 
 
 
لا نأكل ثمن الموتى !
 
ولما حاول عدو الله نوفل بن عبد الله اقتحامَ الخندق، ومات مقتولاً  فيه، عندما أصر على اقتحامه في فرقة من المشركين - سأل المشركون المسلمين جثته بمال يعطونه المسلمين، فأرسل المشركون إلى النبي – صلى الله عليه وسلم -: أن ارسل إلينا بجسده ونعطيك اثني عشر ألفاً، فتعفف رسول الله عن هذا المال الخبيث، ونهاهم عن ذلك وكرهه !! وقال: " ادْفَعُوا إِلَيْهِمْ جِيفَتَهُمْ فَإِنَّهُ خَبِيثُ الْجِيفَةِ خَبِيثُ الدِّيَةِ"[4]. فلم يقبل منهم شيئًا، وخلى بينهم وبينه ..
 
 
 
وفي رواية : عن عن عكرمة أن نوفلاً تردى به فرسه يوم الخندق فقُتل فبعث أبو سفيان إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بديته مائة من الإبل فأبى النبي -صلى الله عليه وسلم -وقال : "خذوه فإنه خبيث الدية خبيث الجثة"[5] .
 
قال السرخسي : " وإنما كره هذا لئلا يُنسب إلى المسلمين ما لا يليق بمكارم الأخلاق، فقد كان عليه السلام يقول: بعثت لأتمم مكارم الأخلاق "[6] .
 
وبهذا الموقف يكون لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – السبق في تحريم أكل ثمن الجثث، وهو بذلك يظهر لأعدائه الجانب الأخلاقي في الحروب..
 
 
 
أهمية اللجوء إلى الله لفك الحصار:
 
فقد دَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الأحْزَابِ فَقَالَ :
 
"اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ سَرِيعَ الْحِسَابِ اهْزِمْ الأحْزَابَ! اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ"[7].  
 
وكان يدعوا قائلاً: "اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا"[8].
 
 
 
لقد تعودنا من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مشهد التضرع والخضوع والتذلل إلى الله، في مثل هذه المواقف، إنه – وهو الرسول المُؤيّد – يرفع يديه إلى السماء، يمرِّغُ وجهه لجبار السماوات ليّمكنه من رقاب جبابرة الأرض، يتذلل لمالك الملك ليُذل له ملوك الدنيا..
 
إنَّه من يتق ويصبر ولله يخضع، ويضرع، يرفع عنه البلاء، " أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ " [ النمل:62 ] .
 
 
 
إن هذا هو شأن القادة الربانيين مع الله، في العسر واليسر، كانوا قادة وقدوة، وسادة وأسوة، ليس من شيمتهم العربدة واللهو والغفلة، إنما من شيمتهم قيام الليل وصيام النهار، ودعاء المضطر .
 
 
 
أهمية الصلاة وقت الحرب :
 
فعَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ:" مَلأ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا كَمَا شَغَلُونَا عَنْ صَلاة الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ"[9].
 
 
 
وقد جعل عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَ مَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ جَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كِدْتُ أَنْ أُصَلِّيَ حَتَّى كَادَتْ الشَّمْسُ أَنْ تَغْرُبَ قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا !!" .. قال جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: فَنَزَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-  بُطْحَانَ فَتَوَضَّأَ لِلصَّلاة، وَتَوَضَّأْنَا لَهَا، فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَمَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ[10] .
 
 
 
فلا يخفى عليك في هذا الدرس أهمية الصلاة في جميع أوقات المسلم وأنفَسها وأشدها، بل تزداد أهمية الصلاة أكثر وأكثر في ساعات القتال، فالمسلم أحوج ما يكون فيها إلى الله، وهي رَوح له وريحان في وقت تتطاير فيه الرقاب، ويفر فيه الشجعان إلا من ثبته الله، وأحرى بالصلاة وسيلة لذلك، فمن أراد الثبات فعليه بعماد الدين .
 
 
 
انظر كيف حزن الصحابة حزنًا شديدًا على صلاة العصر التي فاتتهم في يوم من أيام الخندق حيث الحصار والبرد، والنَّفح واللَّفْح، فلم تفوتهم صلاةٌ واحدة أيامَ الأحزاب سوى هذه الصلاة، فما بال أقوام ضيَّعوا ركن الإسلام في المنشط فضلاً عن المكره، وفي اليسر فضلاً عن العسر .. إن هؤلاء قد حادوا عن سبيل المؤمنين . فأولى لهم...!
 
 
 
قريظة تخون الدولة الإسلامية
 
وفي أثناء الحصار المضروب على المدينة المنورة، انشق فصيلٌ من فصائل المدينة على القيادة والشعب والوطن .. وكان الأصل – حسب بنود الوثيقة المكتوبة بين فصائل المدينة – أن جميع أبناء الوطن على شتى نِحَلهم ومللهم يتحدون لصد أي عدوان خارجي، ولكنَّ قريظة خانت؛ فخيبها الله !
 
 
 
فقد خرج عدو الله حُيَيّ بْنُ أَخْطَبَ النّضْرِيّ ، حَتّى أَتَى كَعْبَ بْنَ أَسَدٍ الْقُرَظِيّ، زعيم بني قريظة، وصَاحِبَ عَقْدِ بَنِي قُرَيْظَةَ وَعَهْدِهِمْ مع الدولة الإسلامية، فقال حُيَي لكعب :
 
 " ...وَيْحَك يَا كَعْبُ جِئْتُك بِعِزّ الدّهْرِ، وَبِبَحْرٍ طَامّ[11]، جِئْتُك بِقُرَيْشٍ عَلَى قَادَتِهَا وَسَادَتِهَا، حَتّى أَنْزَلْتهمْ بِمُجْتَمَعِ الأَسْيَالِ مِنْ رُومَةَ، وَبِغَطَفَانَ عَلَى قَادَتِهَا وَسَادَتِهَا حَتّى أَنْزَلَتْهُمْ بِذَنَبِ نَقْمَى إلَى جَانِبِ أُحُدٍ ، قَدْ عَاهَدُونِي، وَعَاقَدُونِي عَلَى أَنْ لا يَبْرَحُوا حَتّى نَسْتَأْصِلَ مُحَمّدًا وَمَنْ مَعَهُ " ..
 
فَقَالَ  لَهُ كَعْبٌ : جِئْتنِي وَاَللّهِ بِذُلّ الدّهْرِ وَبِجَهَامٍ قَدْ هَرَاقَ مَاءَهُ فَهُوَ يَرْعَدُ وَيَبْرُقُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ ! وَيْحَك يَا حُيَيّ ! فَدَعْنِي وَمَا أَنَا عَلَيْهِ، فَإِنّي لَمْ أَرَ مِنْ مُحَمّدٍ إلّا صِدْقًا وَوَفَاءً .
 
 فَلَمْ يَزَلْ حُيَيّ بِكَعْبِ يَفْتِلُهُ فِي الذّرْوَةِ وَالْغَارِبِ[12] حَتّى سَمَحَ لَهُ عَلَى أَنْ أَعْطَاهُ عَهْدًا وَمِيثَاقًا : لَئِنْ رَجَعَتْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ ، وَلَمْ يُصِيبُوا مُحَمّدًا أَنْ أَدْخُلَ مَعَك فِي حِصْنِك حَتّى يُصِيبَنِي مَا أَصَابَك . فَنَقَضَ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ عَهْدَهُ وَبَرِئَ مِمّا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللّهِ -صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ-[13] .
 
 
 
هنا نرى مشهد الذين أُشربوا حُب الخيانة – كما أُشربوا عبادة العِجل الذهبي – وكيف أثبتوا للتاريخ أنهم لا عهد لهم ولا ذِّمَّة ، وأن الله صدق فيهم قوله : " "أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ " [البقرة:100]، " "الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ " [الأنفال :56]، فالخيانة تجري في عروق اليهود جريان الماء في النهر، فلا بقاء لهم – بزعمهم - إلا بالخيانة؛ فليس عليهم – بزعمهم – في الأُميين سبيل!
 
 
 
وأنتَ – حفظك الله – ترى كيف يفتخرُ هذا الرِعْدِيدةُ الخائن " حُيي " بخيانته وكيف جمع جيوش الوثنية لحرب الدولة الإسلامية التي يعيش اليهود في وافر ظلالها آمنين لهم ذمة الله ورسوله . ثم تأمل شهادة الأعداء، والحق ما شهد به الأعداء، إذ قال كعب : "وَيْحَك يَا حُيَيّ ! فَدَعْنِي وَمَا أَنَا عَلَيْهِ، فَإِنّي لَمْ أَرَ مِنْ مُحَمّدٍ إلّا صِدْقًا وَوَفَاءً " !!!  ثم لازال الأول يزين للثاني الغدر ونقض العهد، حتى اتفق لهم الرأي على ذلك، فهم لا يتفقون إلا على خراب الأرض وفساد الشجر والثمر،  فخاب وخسر من وثَّقهم أو وثَقَ لهم.
 
 
 
الدبلوماسية الإسلامية وقت الأزمات:
 
ولَمّا انْتَهَى إلَى رَسُولِ اللّهِ- صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ – خبر نقض العهد من قريظة، بَعَثَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ –وفدًا دبلوماسيًا إلى ديار بني قريظة لتحري الخبر، ولتجديد العهد، ولتحذيرهم من مغبة نقض العقد،  أوالتعاون مع العدو المحتل، وكان على رأس هذا الوفد المبارك القيادات الإسلامية الآتية :
 
1- سَعْدَ بْنَ مُعَاذِ، سَيّدُ الأوْسِ .
 
2-َسَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، سَيّدُ الْخَزْرَجِ
 
3- عَبْدُ اللّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، الشاعر
 
4- َخَوّاتُ بْنُ جُبَيْرٍ ،من بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ .
 
فَقَالَ لهم نبي الحكمة – صلى الله عليه وسلم -: " انْطَلِقُوا حَتّى تَنْظُرُوا ، أَحَقّ مَا بَلَغَنَا عَنْ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ أَمْ لا؟ فَإِنْ كَانَ حَقّا فَالْحَنُوا لِي لَحْنًا أَعْرِفُهُ، وَلا تَفُتّوا فِي أَعْضَادِ النّاسِ، وَإِنْ كَانُوا عَلَى الْوَفَاءِ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فَاجْهَرُوا بِهِ لِلنّاسِ "[14]..
 
 
 
 فَخَرَجُوا حَتّى أَتَوْهُمْ؛ فَوَجَدُوهُمْ عَلَى أَخْبَثِ مَا بَلَغَهُمْ عَنْهُمْ، ورفع الوفد الإسلامي إلى القائد العام- صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ- التقرير التالي :
 
1- نَالُوا مِنْ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ-، فسبوه علنًا أمام الوفد.
 
2-نقضوا العهد، بل أنكروه، وَقَالُوا : مَنْ رَسُولُ اللّهِ ؟ لا عَهْدَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مُحَمّدٍ ولا عَقْدَ.
 
 3- شَاتَمَهُمْ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَشَاتَمُوهُ- وَكَانَ رَجُلاً فِيهِ حِدّةٌ - فَقَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ : دَعْ عَنْك مُشَاتَمَتَهُمْ فَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ أَرْبَى مِنْ الْمُشَاتَمَةِ .
 
 ثُمّ أَقْبَلَ سَعْدٌ وَسَعْدٌ وَمَنْ مَعَهُمَا ، إلَى رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ- فَسَلّمُوا عَلَيْهِ ثُمّ قَالُوا : "عَضَلٌ وَالْقَارّةُ " ؛ أَيْ كَغَدْرِ عَضَلٍ وَالْقَارّةِ بِأَصْحَابِ الرّجِيعِ ، خُبَيْبٍ وَأَصْحَابِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - :
 
"اللّهُ أَكْبَرُ ! أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ !!"[15] .
 
 
 
وهكذا تأكدت الخيانة، فلم يُجد مع اليهود رفق ولا لطف، حتى بعدما أرسل النبيُ ـ صلى الله عليه وسلم ـ إليهم وفده الكريم ليردهم إلى الرشد، ويجدد معهم العهد، فنحن أهل وطن واحد، والشرائع والأعراف تأمرنا بالتضامن لصد هجوم المعتدين، ولكن أبى غيهم أن يستجيبوا لنداء العقل والأخلاق، بل ران على قلوبهم زَبدُ الخيانة .
 
 
 
وكانت نصيحة القائد الحكيم ألا يفتَ الوفدُ في أعضاد المسلمين؛ فلا يجهروا بنبأ الخيانة اليهودية، وأن يلحنوا له لحنًا و يُعَرِّضوا بكلمة يعرف منها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – نقض اليهود للعهد .
 
 
 
إن القائد الإسلامي يخشى الفتنةَ على شعبه، ويخشى عليهم أن يَدُبَ الخوفُ والفزعُ في قلوبهم، إنه يريد شعبه دائمًا راسخ الإيمان، ساكن الواجدان، فكم من شعب أكله الفزع ، وكم من جيش هزمه الرعب قبل اللقاء. إن الهزيمة النفسية قد تكون أشد وطأة من الهزيمة العسكرية أو ممهدة لها وميسرة لها.
 
 
 
ولكن خبر الخيانة اليهودية انتشر بين الناس انتشار النار في الهشيم، ليمحص الله المؤمنين ويكشف ضغائن المنافقين، فظهر على إثر ذلك المثبطون والمتشائمون والجبناء الذين يزيدون في تسعير الفتنة وتأجيج الأزمة، والمائِقون والمرجفون الذين يصيدون في الماء العكر، وهؤلاء جميعًا قال الله فيهم :
 
"وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إلا غُرُوراً{12}" [ الأحزاب ].
 
" قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا، وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلا قَلِيلاً{18} أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ، فَإِذَا جَاء الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ، فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً{19} " [ الأحزاب].
 
قال الحارث المخزومي :
 
إن الوشاة قليلٌ إن أطعتهم ... لا يرقبون بنا إلاً ولا ذمما
 
 
 
إن على المسلم في مثل هذه النوازل أن يدفع هذه الأراجيف ولا يدعها تفت في النفوس، وعليه أن ينف الوشاية والشائعات وأن يذب عن أعراض المجاهدين، ولا يَلجّ في شيء مُلتَبس حتى يتبين له الصواب فيه، وتَسْتَوضحَ له الحقيقة.. وعليه أن يسهم في كل ما هو من شأنه تثبيت الناس وتشجيع المقاتلين، واستنفار الهمم، والتشمير للمجد، والذود عن حياض سيد المرسلين :
 
فمِن يَحْمي حِمَى الإسْلام أمْ مَن ... يَذُبّ عن المَكارم أو يذُود ؟
 
***
 
دارات هذه الصفحة التي بين يديك – أخي – بين شجاعة علي بن أبي طالب، ونكسة المُعوقين الفاشلين . وبين أخلاقيات الحرب عند المسلمين – حتى أنهم ليتعففون عن أكل ثمن الموتى – وبين خيانات اليهود الثابتة المتكررة عبر حقب الزمن . وكان حال القيادة الإسلامية – على مدار هذه الصفحة التي تقرأها – هو حال الحكيم المتضرع العابد. فقد رأيتَ النبي  ـ صلى الله عليه وسلم ـ يُصَرّفُ الأمور في المعركة الداخلية، وفي المُحاصرة الخارجية،  بحكمة فائقة وعبقرية فذة، وهو في أثناء ذلك النبي الخاشع المبتهل لربه، مع الإِهْراع  إلى الصلاة بين ساعة وأخرى .  
 
 
 
توصية عملية :
 
مدارسة حول خيانات اليهود عبر العصور
 
---------------------
 
 
[1] ابن هشام  2 / 224
 
[2] السيرة الحلبية 2/ 628
 
[3] ابن كثير: السيرة النبوية 3/ 205
 
[4] أحمد: (2230)
 
[5] ابن أبي شيبة (36824)
 
[6] شرح السير الكبير1/484
 
[7] البخاري :(3806)
 
[8] أخرجه أحمد (10573)، وهو في السلسلة الصحيحة برقم 2018
 
[9] البخاري : (3802)
 
[10] البخاري :(3803)
 
[11]الطام: البحر العظيم
 
[12]الذروة والغارب : أعلى الشئ وأصله.
 
[13] ابن هشام 2 / 220
 
[14] ابن هشام 2 /  221
 
[15] ابن هشام 2 /  221



                      المقال السابق                       المقال التالى




Bookmark and Share


أضف تعليق

أنت بحاجة للبرامج التالية: الحجم : 2.26 ميجا الحجم : 19.8 ميجا