عربي English עברית Deutsch Italiano 中文 Español Français Русский Indonesia Português Nederlands हिन्दी 日本の
  
  

   

 

على إثر الصلح
 
نزول سورةِ الفتح :
 
وانصرف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الحديبية قافلاً إلى المدينة، وفي الطريق نزلت السورةُ : { إِنّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا . لِيَغْفِرَ لَكَ اللّهُ مَا تَقَدّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخّرَ وَيُتِمّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا } [ الفتح : 1، 2]
 
فقال : نزلت علي آية هي أحب إلي من الدنيا جميعًا !
 
فقال رجل :يا رسول الله أو فتح هو ؟  قال : أي والذي نفسي بيده إنه لفتح .
 
فتحًا مبينًا ظاهرًا، وسيدخل الناسُ في دين الله أفواجًا، وسيخضع لهذا الدين ملوكُ أوربا وآسيًا، ولن يتركَ اللهُ اللَّهُ "بَيْتَ مَدَرٍ، وَلا وَبَرٍ إِلا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلامَ وَذُلاً يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ"[1]، {وَأَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ }الأنفال19
 
ويا جندَ اللهِ : {اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ، إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ }الأعراف128
 
{... عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ }الأعراف129
 
 
 
قدوم نسوةٌ مؤمناتٌ:
 
 وجَاءَ نِسْوَةٌ مُؤْمِنَاتٌ، من قريش إلى المسلمين، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى :
 
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }الممتحنة10
 
 
 
فَطَلَّقَ عُمَرُ يَوْمَئِذٍ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا لَهُ فِي الشِّرْكِ، فَتَزَوَّجَ إِحْدَاهُمَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَالأخْرَى صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ.
 
 
 
جماعة أبي بصير:
 
 وفي المدينة، جاء أَبُو بَصِيرٍ  وهو رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَهُوَ مُسْلِمٌ، وقد أراد الرجل أن يعيش بين إخوانه المسلمين، فَأَرْسَل المشركون فِي طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ، فَقَالُوا للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: الْعَهْدَ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا،  فسلم النبيُ ـ صلى الله عليه وسلم ـ أبا بصير إلى الرجلين ـ بناءً على نص الاتفاقية ـ ، فَخَرَجَا بِهِ حَتَّى بَلَغَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَنَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ  لأحَدِ الرَّجُلَيْنِ : وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَى سَيْفَكَ هَذَا يَا فُلانُ جَيِّدًا، فَاسْتَلَّهُ الْآخَرُ فَقَالَ : أَجَلْ وَاللَّهِ، إِنَّهُ لَجَيِّدٌ لَقَدْ جَرَّبْتُ بِهِ ثُمَّ جَرَّبْتُ.
 
 فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ : أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْهِ.
 
 فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ، فَضَرَبَهُ حَتَّى بَرَدَ، أي مات، وَفَرَّ الآخَرُ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ يَعْدُو، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ حِينَ رَآهُ:
 
" لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا " .
 
 فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ : قُتِلَ، وَاللَّهِ صَاحِبِي، وَإِنِّي لَمَقْتُولٌ.
 
فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ ،  فَقَالَ:  يَا نَبِيَّ اللَّهِ، قَدْ وَاللَّهِ أَوْفَى اللَّهُ ذِمَّتَكَ، قَدْ رَدَدْتَنِي إِلَيْهِمْ ثُمَّ أَنْجَانِي اللَّهُ مِنْهُمْ !
 
 فقَالَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: " وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ، لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ " .
 
ثم خرج أبو بصير، حَتَّى موضعًا قرب البحر الأحمر، وقد كون جماعة من المسلمين الذين هربوا من سلطان المشركين، وقد انفلت إليه أبو جندل بن سهيل.
 
فَجَعَلَ لا يَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلٌ قَدْ أَسْلَمَ إِلا لَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ، وذلك لعلمهم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ سيردُهم، حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ، فلا يسمعون بقافلة تجارية لقريش تمر، إلى اعترضوا لها، فَقَتَلُوهُمْ، وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ.
 
وباتت هذه الجماعة الإسلامية التي لا تنضوي تحت لواء دولة الرسول ـ صداعًا في رأس قريش، فأرسل المشركون إلى النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ تُنَاشِدُهُ بِاللَّهِ، وَالرَّحِمِ، لَمَّا أَرْسَلَ، فَمَنْ أَتَاهُ فَهُوَ آمِنٌ، وهنا َأَرْسَلَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إِلَيْهِمْ، أن ينضموا إلى المسلمين في المدينة، فقدموا إليه طائعين فرحين .
 
***
 
ـ أبان لك حادث صلحِ الحديبية، أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان حاكمُ دولةٍ، وأنه حارب، وسالـَم. فكان خير رئيس، وخير مقاتل، وخيرُ مسالم :
 
وَإِذَا أَخَذْتَ الْعَهْدَ أَوْ أَعْطَيْتَهُ ... فَجَمِيعُ عَهْدِكَ ذِمَّةٌ وَوَفَاءُ
 
ـ أبان لك هذا الحادث أن مع العسر يسرًا، وأن النصر مع الصبر، وأن العاقبة للمتقين، وأن الدائرة على الكافرين، وأنهم يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين، وأن الشروط التي وضعوها لأنفسهم هي التي قيدتهم، وأن البنود التي كتبوها هي التي دمرتهم .
 
ـ وعلمتَ أن من أجل فردٍ مسلم قامت الدنيا ولم تقعد، وبايع الصحابةُ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على الموت، فكانت بيعة الرضوان من أجل افتقاد عثمان، فلك الله يا سيدَ المسلمين، لم تفرط في دماءِ المؤمنين، فلم يكن رسولُ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يتهاون في دماء شعبه، فلم يكن يومًا جبانًا ولا خائنًا
 
ـ ارسم مشاهد الحديبيةِ في ذهنك : أرأيت المخلفين الجبناء، الذين قالوا : شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا ؟ أرأيت رسول الله هو يقول : " أَشِيرُوا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيَّ " ؟
 
أرأيت الناقةَ الكريمة، وقد بركت على الأرض، خشية أن تدخل على البيت وهي ظالمة، ألم تر معجزةَ البئر، وكيف فاضَ بالماء، كرامةً ومعجزة ، كلمةُ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ترن في أذنك : ؛ " فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأُقَاتِلَنَّهُمْ عَلَى أَمْرِي هَذَا حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي، وَلَيُنْفِذَنَّ اللَّهُ أَمْرَهُ "، ترى فمَه الشريفَ ينطق بها في حسم، ثم ترى شفتيه مضمومتين في حزم وإصرار.  صوتُ المغيرةِ : أَخِّرْ يَدَكَ عَنْ لِحْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قبل ألا تصل إليك . الصحابةُ لا يُحدون النظر إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إجلالا له . عثمانُ في الحبس عند قريش، الصحابةُ تحت الشجرة يبايعون على الموت، المشركون يرفضون كتابةَ بسم الله الرحمن الرحيم، يكرهون كلمةَ محمدٍ رسولِ الله، رسولُ الله ـ في طريق العودة إلى المدينة يتغنى بسورة الفتح.
 
ارسم هذه التصاويرَ في خلَدك، احفرها حفرًا، وانحتها نحتًا، ثم سل نفسك، هذا الجهدَ المضني الذي بذله رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان لمن ؟ وآلت ثمرتُه لمن ؟
 
نعم، كان من أجلك أنت ! وثمرته وصلت إليك أنت ! فماذا فعلنا أنا أونت ؟
 
ليت شعري ! أم حسبت أننا نزاحمُ الصحابةَ بالمناكب؛ بركيعات رمضانَ المترنحة، وبجنيه بخيلٍ، خرجًا كرهًا، وحُمل كرهًا :
 
{أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ }آل عمران142
 
توصية عملية :
 
ارسم مشاهدَ هذه الرحلة في قلبك ، ثم سل نفسك دومًا، قل لها : بأي شيء ستلحقين بالأحبة، محمدٍ وصحبِه ؟
 
 
----------------------------
 
[1]جزء من حديث تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، في مسند أحمد : 16344،  وأورده الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم: 3 . 



                      المقال السابق                       المقال التالى




Bookmark and Share


أضف تعليق

أنت بحاجة للبرامج التالية: الحجم : 2.26 ميجا الحجم : 19.8 ميجا