عربي English עברית Deutsch Italiano 中文 Español Français Русский Indonesia Português Nederlands हिन्दी 日本の
  
  

   

 

معركة مؤتة
 
جمادى الأول 7 هـ ـ أغسطس 629م
 
 
 
سببها أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أرسل الحارث بن عمير الأزدي ـ رضي الله عنه ـ برسالة إلى زعيم بُصْرَي بالشام . فعرض له شُرَحْبِيل بن عمرو الغساني ـ وكان زعيمًا عربيًا مواليًا للرومان ـ فاعتقله، وأوثقه، ثم قدمه فضرب عنقه .
 
ولم يُقتل لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ غيرُه من الرسل والسفراء.
 
وهي جريمة نكراء في أعراف جميع الشرائع والملل والقوانين، توجب قيام الحرب والقصاص.
 
وقد وَجَدَ  ـ صلى الله عليه وسلم ـ لذلك وَجْدًا شديدًا؛ فالرسل لا تُقتل، ومن يفعل ذلك يُعير بالغدر وقلة المروءة.
 
فجهز النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ جيشًا للقصاص من دولة كبيرة قتلت  رجلاً مسلمًا، وفي ذلك دلالة على عظم قدر الفرد المسلم في دولة الإسلام، فله كرامة، وله حرمة، ومن أجل حريته تجيش الجيوش، ومن أجل دمه تُكَتَّبُ الكتائب، فما أعظم نظامَ الإسلامِ إذا حكم، وما أكرم شريعةَ الله إذا طُبقت !
 
 
 
وكان الجيش في هذه الغزوة، ثلاثة آلاف، وكان أميرهم زيد بن حارثة ـ رضي الله عنه ـ .
 
و قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: " إِنْ قُتِلَ زَيْدٌ فَجَعْفَرٌ وَإِنْ قُتِلَ جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ"[1]
 
 
 
توصية الجيش:
 
ثم وصى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ المجاهدين قائلاً: "أوصيكم بتقوى الله وبمن معكم من المسلمين خيراً، أغزوا باسم الله، في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا، ولا تقتلوا وليداً، ولا امرأة، ولا كبيراً فانياً، ولا منعزلاً بصومعة، ولا تقربوا نخلاً، ولا تقطعوا شجراً، ولا تهدموا بناءً، وإذا لقيتم عدوكم من المشركين فادعوهم الى إحدى ثلاث: فإما الاسلام، وإما الجزية، وإما الحرب.."[2].
 
 
 
توديع الجيش :
 
قال ابن هشام : "فَلَمّا حَضَرَ خُرُوجَهُمْ [ أي المقاتلين ] وَدّعَ النّاسُ أُمَرَاءَ رَسُولِ اللّهِ ـ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ـ  وَسَلّمُوا عَلَيْهِمْ "[3] .
 
 
 
ويبدو من ذلك أن السُنة النبوية تقتضي أن يشهد الناسُ توديعَ الجيوشِ الإسلامية، لما في ذلك من شحذ همم المقاتلين، وفي هذه السرية خرج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بنفسه الكريمة يودع الجيش، ويحمسهم، ويوصيهم .
 
 
 
من مناقب عبد الله بن رواحه :
 
وفي أجواء التوديع، بَكَى عبد الله بن رواحة ـ رضي الله عنه ـ  ، فَقَالُوا : مَا يُبْكِيك يَا بْنَ رَوَاحَةَ ؟ فَقَالَ : أَمَا وَاَللّهِ مَا بِي حُبّ الدّنْيَا، وَلا صَبَابَةٌ بِكُمْ، وَلَكِنّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ ـ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ـ يَقْرَأُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللّهِ عَزّ وَجَلّ، يَذْكُرُ فِيهَا النّارَ : { وَإِنْ مِنْكُمْ إِلّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبّكَ حَتْمًا مَقْضِيّا } فلست أَدْرِي كَيْفَ لِي بِالصّدَرِ بَعْدَ الْوُرُودِ[4] .
 
 
 
ثم قَالَ الْمُسْلِمُونَ : صَحِبَكُمْ اللّهُ، وَدَفَعَ عَنْكُمْ، وَرَدّكُمْ إلَيْنَا صَالِحِينَ !
 
 فَقَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ رَوَاحَةَ :
 
لَكِنّنِي أَسْأَلُ الرّحْمَنَ مَغْفِرَةً ... وَضَرْبَةً ذَاتَ فَزْعٍ تَقْذِفُ الزّبَدا
 
أَوْ طَعْنَةً بِيَدَيْ حَرّانَ مُجْهِزَةً ... بِحَرْبَةٍ تُنْفِذُ الْأَحْشَاءَ وَالْكَبِدَا
 
حَتّى يُقَالَ إذَا مَرّوا عَلَى جَدَثِي ... أَرْشَدَهُ اللّهُ مِنْ غَازٍ وَقَدْ رَشَدَا[5]
 
 
 
ثُمّ إنّ الْقَوْمَ تَهَيّئُوا لِلْخُرُوجِ فَأَتَى عَبْدُ اللّهِ بْنُ رَوَاحَةَ رَسُولَ اللّهِ ـ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ـ فَوَدّعَهُ ثُمّ قَالَ :
 
فَثَبّتَ اللّهُ مَا آتَاك مِنْ حَسَنٍ ... تَثْبِيتَ مُوسَى وَنَصْرًا كَاَلّذِي نُصِرُوا
 
إنّي تَفَرّسْتُ فِيكَ الْخَيْرَ نَافِلَةً ... اللّهُ يَعْلَمُ أَنّي ثَابِتُ الْبَصَرِ
 
أَنْتَ الرّسُولُ فَمَنْ يُحْرَمْ نَوَافِلَهُ ... وَالْوَجْهَ مِنْهُ . فَقَدْ أَزْرَى بِهِ الْقَدَرُ[6]
 
 
 
 
 
مجلس شورى :
 
ثم مضى الجيشُ الإسلاميُ قدمًا نحو الشمال، حتى نزلوا " مَعَانَ" مِنْ أَرْضِ الشّامِ ، فَبَلَغَ المسلمين أَنّ هِرَقْلَ قَدْ نَزَلَ "مَآبَ"، مِنْ أَرْضِ الْبَلْقَاءِ، فِي مِئَةِ أَلْفٍ مِنْ الرّومِان، وانضم إليهم عرب الشمال الموالين لهم في مئة ألف أيضًا، فكانت عدتهم جميعًا مئتا ألف .
 
فَلَمّا بَلَغَ ذَلِكَ الْمُسْلِمِين، فأَقَامُوا عَلَى "مَعَانَ" لَيْلَتَيْنِ، يبحثون، ويُفَكّرُونَ فِي أَمْرِهِمْ، وتشاورا في ذلك مرارًا :
 
 فَقَالُ طائفةٌ منهم : نَكْتُبُ إلَى رَسُولِ اللّهِ ـ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ـ فَنُخْبِرُهُ بِعَدَدِ عَدُوّنَا ، فَإِمّا أَنْ يُمِدّنَا بِالرّجَالِ وَإِمّا أَنْ يَأْمُرَنَا بِأَمْرِهِ فَنَمْضِيَ لَهُ[7] .
 
 
 
فَشَجّعَ النّاسَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ رَوَاحَةَ ، وَقَالَ  : يَا قَوْمِ، وَاَللّهِ إنّ الّتِي تَكْرَهُونَ لَلّتِي خَرَجْتُمْ تَطْلُبُونَ : الشّهَادَةُ .. وَمَا نُقَاتِلُ النّاسَ بِعَدَدِ وَلا قُوّةٍ وَلا كَثْرَةٍ، مَا نُقَاتِلُهُمْ إلا بِهَذَا الدّينِ الّذِي أَكْرَمَنَا اللّهُ بِهِ، فَانْطَلِقُوا، فَإِنّمَا هِيَ إحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ إمّا ظُهُورٌ وَإِمّا شَهَادَةٌ[8] .
 
فحركت مشاعرهم هذه الكلمات وثبتتهم، وجمعت رأيهم على المضي نحو النصارى الذين قتلوا رسول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
 
لابد أن يشتمل الجيش على الخطباء المجاهدين، الذين تخرج من قلوبهم الكلمات الملهبة التي توقظ النفوس، وتشحذ العزائم، وتثبت الأقدام، وتحقق الصبر .[ فإذا كان الصبر كان النصر].
 
***
 
وأخذ عبد الله بن رواحه ـ رضي الله عنه ـ يواصل التشجيع، فأخذ ينشد في الجيش :
 
جَلَبْنَا الْخَيْلَ مِنْ أَجَإٍ وَفَرْعٍ ... تُغَرّ مِنْ الْحَشِيشِ لَهَا الْعُكُومُ
 
حَذَوْنَاهَا مِنْ الصّوّانِ سِبْتًا ... أَزَلّ كَأَنّ صَفْحَتَهُ أَدِيمُ
 
أَقَامَتْ لَيْلَتَيْنِ عَلَى مَعَانٍ ... فَأَعْقَبَ بَعْدَ فَتْرَتِهَا جُمُومُ
 
فَرُحْنَا وَالْجِيَادُ مُسَوّمَاتٌ ... تَنَفّسُ فِي مَنَاخِرِهَا السّمُومُ
 
فَلَا وَأَبِي مَآبَ لَنَأْتِيَنْهَا ... وَإِنْ كَانَتْ بِهَا عَرَبٌ وَرُومُ
 
فَعَبّأْنَا أَعِنّتَهَا فَجَاءَتْ ... عَوَابِسَ وَالْغُبَارُ لَهَا بَرِيمُ
 
بِذِي لَجَبٍ كَأَنّ الْبَيْضَ فِيهِ ... إذَا بَرَزَتْ قَوَانِسُهَا النّجُومُ
 
فَرَاضِيَةُ الْمَعِيشَةِ طَلّقَتْهَا ... أَسِنّتُهَا فَتَنْكِحُ أَوْ تَئِيمُ[9]
 
***
 
لِقَاءُ الرّومِان :
 
فَمَضَى النّاسُ حَتّى إذَا كَانُوا بِتُخُومِ الْبَلْقَاءِ، كانت الحرب على أرض مُؤْتَة[10]، وبدأت المعادلة الصعبة، ثلاثة آلاف في مواجهة مئتي ألف، إن صمود المسلمين في هذه المعركة العجيبة لهو من أعاجيب الدهر وأغاريب الزمان .
 
أما القائد زيد بن حارثة، فقاتل في بسالة منقطعة النظير حتى قُتل..
 
فأخذ الرايةُ جعفر ـ رضي الله عنه ـ، فقاتل في ثبات كالجبل الأشم حتى أرقهقه القتال، فنزل عن فرسه وعقره، وقاتل حتى قُطعت يمينه، فأخذ الراية بشماله، فقُطعت، فاحتضنها بعضديه، وكأنما الرايةُ عنده أكرم من روحه، فلم يزل يرفعها حتى شُق نصفين، فبأدله الله بيديه جناحين في الجنة، يطير بهما أينما شاء.
 
وَكان ـ رضي الله عنه ـ يقاتل وهُوَ يَقُولُ :
 
يَا حَبّذَا الْجَنّةُ وَاقْتِرَابُهَا ... طَيّبَةً وَبَارِدًا شَرَابُهَا
 
وَالرّومُ رُومٌ قَدْ دَنَا عَذَابُهَا ... كَافِرَةٌ بَعِيدَةٌ أَنْسَابُهَا[11]
 
 
 
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بن عمر :
 
 كُنْتُ فِيهِمْ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ فَالْتَمَسْنَا جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَوَجَدْنَاهُ فِي الْقَتْلَى وَوَجَدْنَا مَا فِي جَسَدِهِ بِضْعًا وَتِسْعِينَ مِنْ طَعْنَةٍ وَرَمْيَةٍ [12].
 
 
 
ولما قتُل جعفرٌ ـ رضي الله عنه ـ أخذ الراية عبد الله بن رواحه وهو على فرسه، وتقدم، فجعل يتردد، فَجَعَلَ يَسْتَنْزِلُ نَفْسَهُ، وَيَتَرَدّدُ بَعْضَ التّرَدّدِ ثُمّ قَالَ ـ يشجعها ـ :
 
أَقْسَمْتُ يَا نَفْسُ لَتَنْزِلِنّهْ ... لَتَنْزِلِنّ أَوْ لَتُكْرَهِنّهْ
 
إنْ أَجْلَبَ النّاسُ وَشَدّوا الرّنّهْ ... مَالِي أَرَاكِ تَكْرَهِينَ الْجَنّهْ
 
قَدْ طَالَ مَا قَدْ كُنْتِ مُطْمَئِنّهْ ... هَلْ أَنْتِ إلّا نُطْفَةٌ فِي شَنّهْ[13]
 
 
 
وَقَالَ أَيْضًا :
 
يَا نَفْسُ إلّا تُقْتَلِي تَمُوتِي هَذَا حِمَامُ الْمَوْتِ قَدْ صَلِيَتْ
 
وَمَا تَمَنّيْتِ فَقَدْ أُعْطِيت إنْ تَفْعَلِي فِعْلَهُمَا هُدِيت[14]
 
 
 
ثُمّ نَزَلَ، فَلَمّا نَزَلَ أَتَاهُ ابْنُ عَمّ، بقطعة لحم، فَقَالَ : شُدّ بِهَذَا صُلْبَك ، فَإِنّك قَدْ لَقِيت فِي أَيّامِك هَذِهِ مَا لَقِيت، فَأَخَذَهُ مِنْ يَدِهِ ثُمّ انْتَهَسَ مِنْهُا نَهْسَةً،  ثُمّ سَمِعَ، جلَبلة وْحَطْمَةَ فِي نَاحِيَةِ من نواحي العسكر، فألقى اللحم من يده، ثُمّ أَخَذَ سَيْفَهُ، فَتَقَدّمَ فَقَاتَلَ حَتّى قُتِلَ[15] .
 
 
 
 
فقه القيادة :
 
تَمّ أَخَذَ الرّايَةَ ثَابِتُ بْنُ أَقْرَمَ العجلاني ـ رضي الله عنه ـ : فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ اصْطَلِحُوا عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ، قَالُوا : أَنْتَ . قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلِ .
 
وهذا من نزاهته ـ رضي الله عنه ـ وعلمه بأن في الجيش من أحق بالقيادة منه، فليت الملوك والأمراء يطبقون ذلك .
 
ولو طبق المسلمون هذه القاعدة واحده لصلح حالُ الأمة .
 
ولو طبقت الجماعات الإسلامية هذه القاعدة لصلحت دعواتهم واستقامت .
 
 
 
قال ابن هشام : فَاصْطَلَحَ النّاسُ عَلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ، فَلَمّا أَخَذَ الرّايَةَ دَافَعَ الْقَوْمَ. وَحَاشَى بِهِمْ، ثُمّ انْحَازَ وَانْحِيزَ عَنْهُ حَتّى انْصَرَفَ بِالنّاسِ[16]  .
 
 
 
 
من معجزات النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ :
 
عَنْ أَنَسٍ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ : أن النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ نَعَى زَيْدًا وَجَعْفَرًا، وَابْنَ رَوَاحَةَ، لِلنَّاسِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ خَبَرُهُمْ، فَقَالَ : " أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ[ وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ ] حَتَّى أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ، حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ[17].
 
سمى النبيُ ـ صلى الله عليه وسلم ـ انسحابَ الجيشِ الإسلامي في هذه المعركة فتحًا. وذلك لجسامة المهمة، وقلة العدة أمام هذه الجيش النصراني العرمرم، وقد كان القتال في أرضهم، ومع ذلك كان فتحًا في لأسباب :
 
1ـ أن المسلمين أسقطوا هيبةَ الرومان في المنطقة .
 
2ـ أن عدد قتلى المسلمين أقلُ بكثير من عدد قتلى النصارى، فقد كان قتلى المسلمين لا يتعدى ثلاثةَ عشر ، بينما قُتل من النصارى نحو ثلاثةِ آلاف ـ في بعض الأقوال ـ .
 
3ـ أن مهابة المسلمين زادت في نفوس العرب خاصةً، والأمم الأخرى عامةً، وذلك لأنه لم يسبق أن أحدًا تجرأ على حرب دولة عظمى إلا دولةٌ عظمى مثلها..
 
4ـ مقتل قائد جيوش العرب الموالين للرومان، وهو مَالِكُ بْنُ زَافِلَةَ، وكَانَ قُطْبَةُ بْنُ قَتَادَةَ الْعُذْرِيّ ـ رضي الله عنه ـ الّذِي كَانَ عَلَى مَيْمَنَةِ الجيش الإسلامي قَدْ حَمَلَ عَلَى مَالِكِ بْنِ زَافِلَةَ هذا فَقَتَلَهُ، وفي ذلك قَالَ قُطْبَةُ بْنُ قَتَادَةَ :
 
طَعَنْتُ ابْنَ زَافِلَةَ بْنِ الْإِرَا ... شِ بِرُمْحٍ مَضَى فِيهِ ثُمّ انْحَطَمْ
 
ضَرَبْتُ عَلَى جِيدِهِ ضَرْبَةً ... فَمَالَ كَمَا مَالَ غُصْنُ السّلَمْ
 
وَسُقْنَا نِسَاءَ بَنِي عَمّهِ ... غَدَاةَ رقوقين سَوْقَ النّعَمْ
 
 
5ـ بزوغ نجمِ قائدٍ عسكري عالمي كبير ـ هو خالد بن الوليد ـ الذي زلزل، عروش الرومان، وقد كان مصدر رعب مريع لطواغيت أوربا .
 
6 ـ غنائم المسلمين في هذه الغزوة، تدل على ذلك، وقد أبانت قصة "الحميري " التي في صحيح مسلم[18] شيئًا من الغنائم التي غنمها المسلمون في هذه الغزاة، وسنذكرها في ختام الغزوة.
 
 
 
 
 
قدوم الجيش:
 
لَمّا اقترب الجيش الإسلامي من المدينة، تلقاهم رَسُولُ اللّهِ ـ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ـ وَالْمُسْلِمُونَ . وَلَقِيَهُمْ الصّبْيَانُ، يَشْتَدّونَ، وَرَسُولُ اللّهِ ـ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ـ مُقْبِلٌ مَعَ الْقَوْمِ عَلَى دَابّةٍ  فَقَالَ :
 
" خُذُوا الصّبْيَانَ فَاحْمِلُوهُمْ ، وَأَعْطُونِي ابْنَ جَعْفَرٍ "[19]
 
 فَأَتَى بِعَبْدِ اللّهِ فَأَخَذَهُ فَحَمَلَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ .
 
 وَجَعَلَ النّاسُ يَحْثُونَ عَلَى الْجَيْشِ التّرَابَ، وَيَقُولُونَ : يَا فُرّارُ ! فَرَرْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ! فَيَقُولُ رَسُولُ اللّهِ ـ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ـ :
 
" لَيْسُوا بِالْفُرّارِ، وَلَكِنّهُمْ الْكُرّارُ إنْ شَاءَ اللّهُ تَعَالَى "[20] .   
 
 
 
وصية النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بآل جعفر :
 
قَالَتْ أسماء بنت عميس امرأة جعفر ـ رضي الله عنه ـ :
 
 لَمّا أُصِيبَ جَعْفَرٌ وَأَصْحَابُهُ دَخَلَ عَلَيّ رَسُولُ اللّهِ ـ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ـ وَقَدْ دَبَغْت أَرْبَعِينَ مَنًا، وَعَجَنْت عَجِينِي ، وَغَسَلْت بَنِيّ، وَدَهَنْتهمْ، وَنَظّفْتهمْ . فَقَالَ لِي رَسُولُ اللّهِ ـ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ـ:
 
" ائْتِينِي بِبَنِي جَعْفَرٍ ؟ "
 
 قَالَتْ : فَأَتَيْته بِهِمْ فَتَشَمّمَهُمْ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ!
 
 فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللّهِ، بِأَبِي أَنْت وَأُمّي مَا يُبْكِيك ؟ أَبَلَغَك عَنْ جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ شَيْءٌ ؟
 
قَالَ : "نَعَمْ، أُصِيبُوا هَذَا الْيَوْمَ " .
 
قَالَتْ : فَقُمْت أَصِيحُ، وَاجْتَمَعَتْ إلَيّ النّسَاءُ وَخَرَجَ رَسُولُ اللّهِ ـ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ـ إلَى أَهْلِهِ .
 
 فَقَالَ : "لا تُغْفِلُوا آلَ جَعْفَرٍ مِنْ أَنْ تَصْنَعُوا لَهُمْ طَعَامًا، فَإِنّهُمْ قَدْ شُغِلُوا بِأَمْرِ صَاحِبِهِمْ"[21]
 
 
 
 
 
حزنُ النبيِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ على قادة مؤتة:
 
عن عَائِشَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ـ قالت:
 
لَمَّا جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَتْلُ ابْنِ حَارِثَةَ، وَجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ، جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ .
 
 قَالَتْ عائشة : وَأَنَا أَنْظُرُ مِنْ صَائِرِ الْبَابِ ـ شَقِّ الْبَابِ ـ فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ  ... وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَذْهَبَ فَيَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ فَأَتَاهُ، فَذَكَرَ أَنَّهُنَّ لَمْ يُطِعْنَهُ، فَأَمَرَهُ الثَّانِيَةَ، أَنْ يَذْهَبَ فَيَنْهَاهُنَّ فَذَهَبَ، ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ : وَاللَّهِ لَقَدْ غَلَبْنَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ  .
 
فقَالَ : "اذْهَبْ فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ مِنْ التُّرَابِ " .
 
قَالَتْ عَائِشَةُ : فَقُلْتُ : أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَكَ ! وَاللَّهِ مَا تَفْعَلُ مَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَمَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مِنْ الْعَنَاءِ[22].
 
قلتُ : لعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال ذلك ـ "اذْهَبْ فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ مِنْ التُّرَابِ " ـ لـمَّا أفرطن في العويل على جعفر، أو بلغه أنهن فعلن بفعال الجاهلية في مثل هذه المصائب من لطمٍ  وشق ونحوهما .
 
 
 
توقير الأمراء :
 
 في هذه الغزوة قتل رجل من حمير رجلاً من الرومان، فأراد المسلمُ أن يأخذ سلب الرومي، وكان سلَبًا في ذهب كثير، فمنعه خالد بن الوليد ـ رضي الله عنه ـ وقد استكثر هذا السلب الثمين لفرد واحدٍ .
 
 
 
فلما وصل الجيش إلى المدينة، رفع عوف بن مالك ـ رضي الله عنه ـ القضيةَ إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ،أي  أن خالدًا أخذ سلَب هذا الحميري .
 
فَقَالَ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ  لِخَالِدٍ  :
 
"مَا مَنَعَكَ أَنْ تُعْطِيَهُ سَلَبَهُ "
 
قَالَ : اسْتَكْثَرْتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ !
 
 قَالَ : "ادْفَعْهُ إِلَيْهِ " !
 
إلى هنا قد أدى عوف بن مالك ما عليه من تبليغ شكاية الحميري .
 
ولكن عوف ـ رضي الله عنه ـ صنع أمرًا أغضب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذ أخذ عوف برداء خالد ـ رضي الله عنه ـ وقَالَ  : هَلْ أَنْجَزْتُ لَكَ مَا ذَكَرْتُ لَكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ[23] ـ ؟
 
فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَاسْتُغْضِبَ، وَقَالَ:
 
" لا تُعْطِهِ يَا خَالِدُ ! لا تُعْطِهِ يَا خَالِدُ ! هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي أُمَرَائِي ؟  إِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُهُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتُرْعِيَ إِبِلا أَوْ غَنَمًا فَرَعَاهَا، ثُمَّ تَحَيَّنَ سَقْيَهَا فَأَوْرَدَهَا حَوْضًا فَشَرَعَتْ فِيهِ، فَشَرِبَتْ صَفْوَهُ، وَتَرَكَتْ كَدْرَهُ ، فَصَفْوُهُ لَكُمْ، وَكَدْرُهُ عَلَيْهِمْ "[24]
 
قال النووي : "ومعنى الحديث أن الرعية يأخذون صفو الأمور فتصلهم أعطياتهم بغير نكد وتبتلي الولاة بمقاساة الأمور، وجمع الأموال على وجوهها وصرفها في وجوهها، وحفظ الرعية والشفقة عليهم والذب عنهم وإنصاف بعضهم من بعض ثم متى وقع علقة أو عتب في بعض ذلك توجه على الأمراء دون الناس "[25] .
 
" وفي الحديث دليل على أن للإمام أن يعطي السلب غير القاتل لأمر يعرض فيه مصلحة من تأديب أو غيره "[26].
 
 
 
 
توصيات عملية :
 
1ـ اكتب بحثًا عن الشهداء الثلاثة .
 
2ـ اجمع ما قيل من الشعر في غزوة مؤتة، [ ففيه من المعاني الكثيرة في الشجاعة والفداء والتضحية ].
 
3ـ توقير أمراء الدعوة، وعلمائها، ومشايخها .
 
 
-------------------------------------------------------
 
[1]البخاري : 3928
 
[2]المغازي (2/757-758).
 
[3]سيرة ابن هشام (2 / 373)
 
[4]سيرة ابن هشام (2 / 373)
 
[5]سيرة ابن هشام (2 / 373)
 
[6]سيرة ابن هشام (2 / 373)
 
[7]ابن هشام - (2 / 375)
 
[8]ابن هشام - (2 / 375)
 
[9]ابن هشام - (2 / 375)
 
[10]ابن هشام  (2 / 377)
 
[11]ابن هشام (2 / 378)
 
[12]البخاري : 3928
 
[13]ابن هشام  (2 / 378)
 
[14]ابن هشام  (2 / 378)
 
[15]انظر : ابن هشام  (2 / 378)
 
[16]انظر : ابن هشام  (2 / 378)
 
[17]البخاري : 3929
 
[18]انظر : مسلم : 4669
 
[19]ابن هشام (2 / 382)
 
[20]ابن هشام (2 / 382)
 
 
 
[21]ابن هشام  (2 / 380)
 
[22]البخاري 3930
 
[23]وكان عوف قد راجع خالدًا حينما أخذ سلب الحميري، وذكره أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قضى بالسلب للقاتل.
 
[24]مسلم : 3297
 
[25]شرح النووي على مسلم  (12 / 65)
 
[26]عون المعبود (7 / 279)



                      المقال السابق                       المقال التالى




Bookmark and Share


أضف تعليق

أنت بحاجة للبرامج التالية: الحجم : 2.26 ميجا الحجم : 19.8 ميجا