عربي English עברית Deutsch Italiano 中文 Español Français Русский Indonesia Português Nederlands हिन्दी 日本の
  
  

   

 

 

حجة الوداع
 
اكتملت الرسالةُ . فكانت حجة الوداع مؤتمرها الجامع . وكانت خطبة الوداع بيانها الختامي .
 
***
 
يوم السبت، الخامس والعشرين من شهر ذي القعدة من العام العاشر [ مارس 632م]؛ خرج رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من المدينة لأداء فريضة الحج، التي فُرضت في نفس العام على [على خلاف بين العلماء حول العام الذي فُرض فيه الحج، ولكنّ نرجّح ما أثبتناه؛ فهذا أليق بالجناب النبوي، حيث المبادرة بتنفيذ أحكام الله فور نزولها  ].
 
 
 
وفي هذه الرحلة الفريدة، تجمّع حول رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أكثر من مائة ألف من المسلمين من جل بقاع الجزيرة العربية، فهي فرصة بكل المقاييس؛ فرسول الله – صلى الله عليه وسلم – هو أمير الحجيج، وهذه هي الحجة النبوية الأولى له [ وهي الوحيدة ]، وهي الحجة الإسلامية  الأولى بعد انتهاء العصر الجاهلي، علمًا بأن حجة أبي بكر التي كانت في العام التاسع كانت مختلطة ففيها المسلمون وفيها الوثنيون .
 
الآن؛ بعد مواسم الحج على الطريقة الجاهلية، لن ترى فيها العرايا يطوفون، ولن ترى فيها السفهاء يُصفرون، ولن ترى فيها الأصنام ولا الوثنيين، حتى التلبية الشِركية؛ لقد صارت على طريقة التوحيد، لقد طهّرَ الإسلامُ مكةَ تطهيرًا.
 
ولعمر الله، كيف سيكون وضع الحج الجاهلي لو استمر إلى يومنا هذا !
 
إن القاصدَ بيت الله في عصرنا؛ عليه أن يستحضر في وجدانه مشاعر التقدير وأحاسيس الامتنان لهذا النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم -؛ ذلكم الذي بذل جهدًا عظيمًا في سبيل تحرير أرض الحجاز، ودين إبراهيم، وشعائر الحج – من براثن الجاهلية التي كانت قد جمعت جماعَ المفاسدِ العقدية والفكرية والأخلاقية حول بيت الله الحرم. 
 
***
 
وفي الطريق إلى مكة؛ كان الناسُ حولَ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن يساره – مَدَى البصر[1]!
 
وقد كان من قبل، خرج من مكة، متخفيًا، مهاجرًا، مطارَدًا، لا يملك إلا نفسه وصاحبه، وها هو اليوم يدخلها دخولاً مهيبًا، لم يتغير شيء في جوهر الدعوة ولا شخص الداعي، إنما صار الواحد مائة ألف أويزيدون ..
 
لقد صار أبو بكر أمةً !
 
 إن أبا بكر يعدل هؤلاء – قَدرًا -  ويزيد عليهم فضلاً ..
 
 وذلك لأسباب؛ أقلها أن التاريخ افتقدهم في الغار، بينما كان الصدّيق مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في هجرته، يحرسه، من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله؛ خشية الطلب، لا خشية التمتع بحجة ! هكذا الرجل . فشتان، شتان .
 
***
 
وعلى مدار رحلة الحج، كانت الألسن تلهج بتلبية التوحيد :
 
" لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ "[2]
 
لقد أزالت هذه التلبيةُ تلبيةً وثنيةً دارت على الحناجر مئات السنين.
 
إن الجهد المبذول لمحو عادات فاسدة تأصلت في ثقافات الناس، وصارت شرائعَ؛ لهو جهدٌ جهيد؛ لا يصبر عليه إلا الأنبياءٌ الصادقون والدعاةُ الربانيون.
 
إذًا كم سينفق الداعية من جهده وماله ودمه حتى يغير صورة مدلسة انطبعت في أذهان الغربيين عن الإسلام ؟
 
إن تغيير عادات فاسدة، تأصلت في ثقافات بائدة، ترسّخت في عقول مُظلمة؛ قد يكونَ أشدُ صعوبةً من  تحريك الجبال الرواسى، وتجفيف البحار الطوامى .
 
إن النجوم الزواهر التي أضاءها النبي – صلى الله عليه وسلم – في سماء الفكر الإنساني؛ لتَحْلِفْ بالأيمان المغلظة أن للإسلام القدح الـمُعلى،والتاج المحلى في تحضّر البشرية.
 
***
 
ونزل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قبيل مكة-، بذي طوى، فبات ليلة بها ليلة الأحد لأربع خلون من ذي الحجة، وصلى بها الصبح، ثم اغتسل، واستجم، وتوجه نشيطًا إلى مكة نهارًا، فدخل المسجد، فطاف على راحلته، واستلم الحجر الأسود بمحجن في يده، وذلك ليرى الناسُ فعله، وليقرر جواز الطواف فوق أي مركب . وأمر الناسَ أن يضطبعوا – أي يتأبطوا الثوب ويبرزوا المَنْكبك الأيمن – وأمرهم أن يرملوا – أي يسرعوا - في الأشواط الثلاثة الأولى، ويمشوا على هيئتهم في الأربعة الباقية.
 
 
 
وقرأ عند مقام إبراهيم :
 
"وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ " [البقرة125].
 
وهكذا تواصل حبل الإيمان من لدن آدم وإبراهيم إلى محمد – صلى الله عليه وسلم –.
 
وأقام النبي – صلى الله عليه وسلم – بمكة أربعة أيام : الأحد، والإثنين، والثلاثاء، والأربعاء، يتعبد، ويؤدي المناسك، ويعظ الناس . حتى إذا كان يوم الخميس، توجه بمن معه إلى منى .
 
حتى إذا كان يوم عرفة، كانت خطبته التاريخية الجامعة .
 
وكان يؤكد على معانيها مرارً على مدار أيام الحج، وتكاد تكون خطبته يوم النحر مطابقة لخطبته يوم عرفة -وكذلك خطبة أخرى ألقاها في أوسط أيام التشريق-، وذلك ليؤكد على أهمية هذه التعاليم، ويرسخ في الأذهان هذه الأحكام، وينحتها نحتًا في ذاكرة التاريخ!
 
 
 
 
أمانة التبليغ
 
"أيها الناس ! إني والله لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد يومي هذا، بمكاني هذا، فرحم الله من سمع مقالتي اليوم فوعاها، فرب حامل فقه ولا فقه له ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه"[3] .
 
 
 
الدماء والأموال
 
‏" ‏إن دماءكم وأموالكم  [ وأعراضكم ] حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا‏.‏ ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث ـ وكان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هُذَيْل ـ وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع من ربانا ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله‏"[4] .
 
 
 
الوحدة الإسلامية
 
" لا ترتدوا بعدى كفارًا ، يضرب بعضكم رقاب بعض "[5]
 
"لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض، ولا يُؤخذ الرجل بجريرة أبيه ولا بجريرة أخيه!"[6]
 
"ألا ليبلغ الشاهد الغائب ، فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه ..ألا هل بلغت ؟  ألا هل بلغت ؟ "[7]  .
 
 
------------------------------
 
[1]يخطىء بعض الكتاب ويكتبها ( مد البصر ) قال ابن قتيبة في  أدب الكاتب(318) :
 
 ( هُوَ مِنِّي مَدَى البصرِ ) ولا يقال مدَّ البصرِ وَالمَدَى : الغاية قال القُحَيْفُ :
 
 ( بَنَاتُ بَنَاتِ أَعْوَجُ مُلْجَماتٌ ... مَدَى الأبْصَارِ عِلْيَتُهَا الْفِحَال )
 
[2] البخاري (1549)
 
[3] أخرجه الدارمي ( 227)، قال حسين سليم أسد : إسناده حسن والحديث صحيح
 
[4] مسلم ( 3009)
 
[5] البخاري( 7079)
 
[6] النسائي : 4127 ، الصحيحةرقم 1974
 
[7] البخاري : 5550



                      المقال السابق                       المقال التالى




Bookmark and Share


أضف تعليق

أنت بحاجة للبرامج التالية: الحجم : 2.26 ميجا الحجم : 19.8 ميجا