عربي English עברית Deutsch Italiano 中文 Español Français Русский Indonesia Português Nederlands हिन्दी 日本の
  
  

   

 

 

الفصل الثالث: رحمته  صلى الله عليه وسلم بالأمة في جانب العبادات
 
 
 
يخطيء كثير من الناس - من المسلمين ومن غير المسلمين – في تصور أن المسلم المتدين الملتزم هو مسلم مُتشدد في جانب الصلاة والصوم وغيرهما من جوانب العبادة المختلفة، ويخطئون كذلك في اعتقاد أن المسلم الذي يأتي رخصة من الرخص في الدين هو مسلم مُفرِّط مُقصِّر يحتاج إلى تربية وإصلاح!! إن هذه المفاهيم - ولا شك - دخيلة على الإسلام، وتتنافى مع مبدأ الرحمة التي بُعِثَ بها رسول الله  صلى الله عليه وسلم ..  والقاعدة الشرعية الرائعة التي تحكم عبادات الناس وحياتهم هي ما جاءت في كتاب رب العالمين واضحة نقية..
 
قال تعالى: "يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ[1]".
 
 
 
وهذا واضح في كل أحكام الشريعة، ولقد حرص الرسول  صلى الله عليه وسلم عليه في كل خطوات حياته، وفي كل كلماته وأفعاله..
 
 
 
يقول رسول الله  صلى الله عليه وسلم : "إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ ‏‏يُشَادَّ ‏الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا‏ ‏غَلَبَهُ؛ ‏فَسَدِّدُوا ‏‏وَقَارِبُوا ‏وَأَبْشِرُوا،وَاسْتَعِينُوا ‏بِالْغَدْوَةِ ‏وَالرَّوْحَةِ ‏وَشَيْءٍ مِنْ ‏ ‏الدُّلْجَةِ"[2]. وقال كذلك: "يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا"[3].
 
إنه مبدأ واضح في الإسلام، ومخالفته هي مخالفة صريحة للدين، ولا يُعذَرُ المرءُ هنا بحسن نيته، و بعلو همته؛ فإن التشدد منفرٌ، والتعسير يضر أكثر مما ينفع.
 
 
 
جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ  صلى الله عليه وسلم ‏يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ  صلى الله عليه وسلم ‏فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ‏ ‏تَقَالُّوهَا[4]، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ ‏‏ صلى الله عليه وسلم ‏قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ؟!! قَالَ أَحَدُهُمْ:أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَاأَتَزَوَّجُ أَبَدًا؛ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ‏ ‏ صلى الله عليه وسلم ‏إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: ‏"أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ: كَذَا وَكَذَا، أَمَا والله إِنِّي ‏لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ،وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ؛ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي"[5].
 
إن هذه القصة لَأَصلٌ من أصول هذا الباب في الإسلام.. وفيها بدت الرحمة البالغة لرسول الله  صلى الله عليه وسلم بأمته جميعًا..
 
 
 
 
لقد استغل رسول الله  صلى الله عليه وسلم القصة ليضع قاعدة عامة رحيمة تحكم حياة الناس في الإسلام، وهي أن الإسلام دين الوسطية، وأنه لا يطلب من معتنقيه أن يفرِّغُوا حياتهم للصلاة والصيام والتَّبَتُّل والاعتكاف..  بل إنه  صلى الله عليه وسلم لِيُثَبِّت هذا المعنى ويُرسِّخه في أذهان الناس سلك مسلكين رائعين.. أما المسلك الأول فهو القدوة..  فهو يقول للناس: إنني - وأنا الرسول المكلف بالتبليغ والتعليم، وأنا القريب من الله عز وجل - أقوم بما تريدون أنتم أن تُحرِّموه على أنفسكم، فإذا رأى المؤمن ذلك لم يتحرَّج مطلقًا من الإفطار والنوم والزواج لأنه بذلك مقلِّدٌ لرسول الله  صلى الله عليه وسلم ..
 
 
 
 
وأما المسلك الثاني فعجيب!! إنه جانب الترهيب والإنذار..  وعجيب هنا أن يُرهِب ويُنذِر مَنْ زَادَ في العبادة، ونشط في التبتل، فقد يقول قائل: إنه قد لا يفرض على الناس عبادات شاقة، ولكنه لا يجب أن يمنع من أراد لنفسه ذلك، ولكن العجيب هنا أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم - من رحمته المبهرة بالمسلمين - يرفض هذه الزيادة ويندد بها؛ لأنها قد تصبح مسلكًا عامًا بعد ذلك يضر بالعموم، كما أن هؤلاء النفر إذا شددوا على أنفسهم فلا شك أنهم سيضرون بدوائر مهمة محيطة بهم كعائلاتهم وجيرانهم ورَحِمِهم وأعمالهم، وغير ذلك من الدوائر التي تحتاج إلى أن يُفرِّغ لها المسلم أوقاتًا وفكرًا وجهدًا..
 
من هنا جاء التحذير النبوي الواضح: "فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي"..
 
هذا هو الإسلام لمن لا يعرفه..
 
وهذه هي مناهجه وشرائعه لمن لم يطََّلِع عليها..
 
 
 
 
 
يقول ‏سَعْدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ[6] ~أَتَيْتُ ‏‏عَائِشَةَ  رضي الله عنها ؛‏فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ‏أَخْبِرِينِي بِخُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم ! ‏قَالَتْ: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ،أَمَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّوَجَلَّ: "وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ"[7]؟! قُلْتُ: فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَتَبَتَّلَ. قَالَتْ: لَا تَفْعَلْ؛ أَمَا تَقْرَأُ: ‏"لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ"[8]؟! فَقَدْ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ صلى الله عليه وسلم ‏وَقَدْ وُلِدَ لَهُ"[9].
 
هذا هو الفهم الذي فهمته أم المؤمنين عائشة  رضي الله عنها ، وهو - ولا شك - فهم راقٍ صحيح..
 
وعلى هذا فسيكون حديثنا في هذا الفصل - إن شاء الله - عن رحمته  صلى الله عليه وسلم في جانب العبادات، وحثِّه على التيسير والتخفيف قدر المستطاع، ولكن قبل الدخول في التفصيلات فإننا نشير إلى ثلاث نقاط مهمة..
 
 
 
أما الأولى: فإنه ليس معنى التيسيرِ التفريطَ! إذ لابد أن يكون التيسير في إطار الشريعة، والفيصل في ذلك هو حياته  صلى الله عليه وسلم ، والتي نستطيع بها أن نحكم على الأمر أهو يُسرٌ أم تفريط؟
 
 
 
وأما النقطة الثانية: فهي أن الغرض من هذا الفصل هو عرض رحمته  صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين في جانب العبادات، وليس الغرض منه عرض أوجه التيسير التي شرعها الله عز وجل في كل عبادة، فهذا ليس مجال البحث، وهذا ليس تشريعًا من رسول الله  صلى الله عليه وسلم إنما هو من الله عز وجل، والرسول قد نقله إلينا، ومثال ذلك: التيسير في قَصْرِ الصلاة للمسافر، والتيسير في التيمُّم لمن لا يجد الماء، والتيسير في الإفطار للمريض، ونحو ذلك من أمور، فهذه قد شَرَعها الله عز وجل، وطبَّقها رسول الله  صلى الله عليه وسلم ..  وعلى هذا فكلامنا في هذا الفصل سيكون عن رحمته  صلى الله عليه وسلم في مجال التطبيق لا في مجال التشريع..
 
 
 
 
وأما النقطة الثالثة والأخيرة فإننا في هذا الفصل لم نسعَ  أبدًا إلى الحصر والاستقصاء؛ بل فقط سعينا إلى ضرب بعض الأمثلة، وإلا فأضعاف أضعاف هذه المواقف موجود في السيرة، فقد كانت حياته كلها رحمة وتيسير..
 
 
-------------------------------------------------
 
[1](البقرة: 185).
 
[2]البخاري: كتاب الإيمان، باب الدين يُسْرٌ (39)، النسائي (5034)، وابن حبان (351)، والبيهقي في شعب الإيمان (3881).
 
[3]البخاري: كتاب العلم: باب ما كان النبي  صلى الله عليه وسلم يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا (69)، ومسلم في الجهاد والسير باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير (1734)، وأبو داود (4835)، وأحمد (19714) وكلاهما بلفظ: بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا، والنسائي في سننه الكبرى (5890).
 
[4]تقالُّوها: رأوها قليلة، وفَسَّروا قِلَّتها بأنه  صلى الله عليه وسلم لا يحتاج للكثرة لكونه مغفورَ الذنب..
 
[5]البخاري: كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح (4776)، ومسلم: كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسُه إليه (1401)، والنسائي (3217)، وأحمد (13558).
 
[6]سعد بن هشام بن عامر الأنصاري من الوسطى من التابعين، ابن عم أنس بن مالك، وقُتِلَ بأرض مكران غازيًا. تهذيب الكمال10/307، الثِّقات لابن حبان 4/294.
 
[7](سورة القلم: 4).
 
[8](الأحزاب: 21).
 
[9]أحمد (24645)، وقال شعيب الأرنؤوط: حديث صحيح.



                      المقال السابق                       المقال التالى




Bookmark and Share


أضف تعليق

أنت بحاجة للبرامج التالية: الحجم : 2.26 ميجا الحجم : 19.8 ميجا