عربي English עברית Deutsch Italiano 中文 Español Français Русский Indonesia Português Nederlands हिन्दी 日本の
  
  

   

 

المبحث الثاني: رحمته  صلى الله عليه وسلم في أمور الصيام
 
إن أحاديث محمد القصيرة جميلة وذات معان كبيرة[1]
 
 
 
من تعاليم القديس "كولمبان " الذي أسس الأديرة في جبال الفوج بـفرنسا: " يجب أن تصوم كل يوم[2] ".
 
هذا حالهم ولكن الإسلام شئ آخر!!
 
 
 
كما كان رسول الله  صلى الله عليه وسلم رحيمًا في أمور الصلاة والقرآن، فهو كذلك رحيم في أمور الصيام..  ومع أنه كان يواصل في صيامه، بمعنى أنه كان يصوم أكثر من يوم دون إفطار إلا أنه نهى أصحابه وأمته عن ذلك رحمة بهم[3]..
 
تقول أم المؤمنين عائشة  رضي الله عنها : "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم ‏عَنْ ‏ ‏الْوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ؛ فَقَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ؛ قَالَ:إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي يُطْعِمُنِي رَبِّيوَيَسْقِينِ"[4].
 
إن عائشة  رضي الله عنها تصرِّح هنا أن علة النهي هي الرحمة بالمسلمين، ومع أنه  صلى الله عليه وسلم يعلم أن هناك من أمته مَن يستطيع أن يُواصِل، إلا أنه كان يعلم أيضًا أن في هذا مشقة كبيرة له، ولذلك منعه، ونهاهم من تقليده في هذا الأمر فهو من خصائصه كنبيٍّ، وليس للمسلمين أن يفعلوه..
 
 
 
وأكثر من ذلك أنه كان يرحم الصائمين فلا يريد لهم أن تطول مدة صيامهم عن الحد الشرعي المسموح، وهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فكان يحث الصحابة والأمة على تعجيل الفطور فلا يشق عليهم الصيام!!
 
يقول رسول الله  صلى الله عليه وسلم : "لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ"[5].
 
فوق ذلك كان يأمرهم بالسحور ليزدادوا بذلك قوة على الصيام..
 
يقول رسول الله  صلى الله عليه وسلم : "تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً"[6].
 
بل إنه يأمرهم بتأخير السحور ليظل أثره باقيًا جزءًا كبيرًا من النهار!! 
 
سأل مالكُ بن عامر أبو عطية[7] عائشةَ  رضي الله عنها قال: قُلْتُ ‏لِعَائِشَةَ  رضي الله عنها ‏: ‏فِينَا رَجُلَانِ مِنْ ‏ ‏أَصْحَابِالنَّبِيِّ ‏ صلى الله عليه وسلم ‏أَحَدُهُمَايُعَجِّلُ الْإِفْطَارَ وَيُؤَخِّرُ السُّحُورَ،وَالْآخَرُيُؤَخِّرُ الْإِفْطَارَ وَيُعَجِّلُ السُّحُورَ! قَالَتْ: أَيُّهُمَا الَّذِي يُعَجِّلُ الْإِفْطَارَ وَيُؤَخِّرُ السُّحُورَ؟قُلْتُ: ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ. ‏قَالَتْ: هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ صلى الله عليه وسلم ‏‏يَصْنَعُ"[8].
 
إن الصيام ليس تعذيبًا للصائمين..
 
يقول الله تعالى: "مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ[9]".
 
 
 
إن القضية قضية إيمان، واختبار تصديق واتباع، فإذا تم هذا التصديق والاتباع فلا داعي للمشقة الزائدة عن حدِّ الاختبار..  ثم لاحظ رحمته  صلى الله عليه وسلم في الأحاديث السابقة، إنه لا يكتفي بشرح مدة الصيام المطلوبة فقهيًا، إنما هو يمدح من عجَّل الفطر مع إنه يجوز له أن يؤخره ساعة أو ساعتين أو أكثر طالما لم يواصل، لكنه يجعل الأجر الأفضل والثواب الأعظم لمن عجَّل الفطر، لأن هذا أدعى للرحمة، فيقول "لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ"، ويمدح السحور فيقول إنه بركة..
 
وكان رسول الله  صلى الله عليه وسلم ينهي أيضًا عن صيام الدهر..  بمعنى مواصلة الصيام كل يوم في غير رمضان، حتى وإن كان يعجِّل الإفطار ويؤخِّر السحور..
 
سُئِلَ رسول الله  صلى الله عليه وسلم : كيف بمن صام الدهر؟ قال: "لا صام ولا أفطر"[10].
 
بمعنى أن صيامه مكروه مذموم فكأنه لم يصم..
 
وموقفه  صلى الله عليه وسلم مع عبد الله بن عمرو بن العاص >بخصوص قضية صيام الدهر معروف ومشهور..
 
 
 
 
أُخبِرَ رسولُ الله  صلى الله عليه وسلم أن عبد الله بن عمرو بن العاص يَقُولُ: "لَأَقُومَنَّ اللَّيْلَ وَلَأَصُومَنَّ النَّهَارَ مَا عِشْتُ فَقَالَرَسُولُ اللَّهِ ‏ صلى الله عليه وسلم : ‏آنْتَ الَّذِي تَقُولُذَلِكَ؟فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏‏ صلى الله عليه وسلم : ‏فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ‏ ‏فَصُمْوَأَفْطِرْ، وَنَمْ وَقُمْ، وَصُمْ مِنْ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنَّالْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِقَالَ: قُلْتُ:فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِقَالَ: قُلْتُ فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ:صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا وَذَلِكَ صِيَامُ ‏‏دَاوُدَ u‏وَهُوَ أَعْدَلُ الصِّيَامِقَالَ: قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَمِنْ ذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏‏ صلى الله عليه وسلم : ‏لَاأَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَقَالَ: ‏‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ‏{‏: ‏لَأَنْ أَكُونَ قَبِلْتُ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامَ الَّتِي قَالَرَسُولُ اللَّهِ ‏‏ صلى الله عليه وسلم : ‏أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْأَهْلِي وَمَالِي"[11].
 
 
 
 
إن الرسول  صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف يجادل لأجل راحة عبد الله بن عمرو بن العاص {وراحة أسرته، وانظر إلى روعة ما قاله  صلى الله عليه وسلم عندما طلب عبد الله بن عمرو بن العاص أن يصوم أكثر من صيام داود uقائلاً: "إني أُطِيقُ أكثرَ من ذلك"، قال  صلى الله عليه وسلم : "لَاأَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ"، فزيادة الصوم هنا ليست محمودة، وستنقلب إلى الضرر..  وانظر أيضًا إلى تعليق عبد الله بن عمرو {في آخر الحديث عندما أشار إلى أن نصيحة رسول الله  صلى الله عليه وسلم له بصيام ثلاثة أيام فقط في الشهر كانت أفضل من قراره هو بصيام يوم وإفطار يوم، فإنَّ السن قد كَبُرَ به، ولم يعد في طاقته أن يصوم هكذا، ولكنه كان يتحرَّج من العهد الذي قطعه على نفسه..
 
 
 
إن الرؤية التي يراها الرسول  صلى الله عليه وسلم لرحمة الصائم رؤية شاملة كاملة متوازنة، يراعي فيها الشاب والشيخ، والرجل والمرأة، والفرد والأسرة، والشغل والفراغ، والصحة والمرض..  إنها نظرة شاملة رحيمة يستحيل على عموم الناس أن يحيطوا بعظمتها.
 
ولعله من المناسب أن نختم هذا المبحث بقصة لطيفة لصحابيين جليلين من صحابة رسول الله  صلى الله عليه وسلم اختلفا سويًا في تقدير ميزان الصوم والقيام، وكان الفيصل بينهما نبي الرحمة رسول الله  صلى الله عليه وسلم والصحابيان هما أبو الدرداء وسلمان الفارسي{..
 
 والقصة في البخاري، وفيها: أن النَّبِيُّ‏ ‏ صلى الله عليه وسلم آخَى بَيْنَ ‏سَلْمَانَ ‏وَأَبِي الدَّرْدَاءِ ‏فَزَارَ ‏سَلْمَانُ ‏أَبَا الدَّرْدَاءِ ‏‏فَرَأَى ‏أُمَّ الدَّرْدَاءِ ‏مُتَبَذِّلَةً[12] ‏فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ ‏أَبُو الدَّرْدَاءِ‏ ‏لَيْسَ لَهُحَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا؛ فَجَاءَ ‏‏أَبُو الدَّرْدَاءِ ‏فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا فَقَالَ:كُلْ قَالَ فَإِنِّي صَائِمٌ قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَقَالَ: فَأَكَلَ فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ ‏ ‏أَبُو الدَّرْدَاءِ ‏ ‏يَقُومُقَالَ: نَمْ فَنَامَ ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ فَقَالَ: نَمْ فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ: ‏‏سَلْمَانُ ‏قُمْ الْآنَ فَصَلَّيَا فَقَالَ لَهُ ‏سَلْمَانُ:‏ ‏إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِأَهْلِكَعَلَيْكَ حَقًّا فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَأَتَى النَّبِيَّ ‏ صلى الله عليه وسلم  ‏فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ  صلى الله عليه وسلم : "‏صَدَقَ ‏ ‏سَلْمَانُ"[13].
 
في هذه القصة اللطيفة يؤكد رسول الله  صلى الله عليه وسلم على معنى في غاية الأهمية خَفِيَ عن الكثيرين من الناس، حتى خفي عن بعض عظماء الصحابة }، وهو أن المرءَ عليه واجباتٌ كثيرة تجاه طوائف مختلفة من الناس، كما أن عليه واجبًا تجاه ربه سبحانه وتعالى..  ومع عِظَمِ الواجب ناحية الله عز وجل إلا أن هذا ليس مبررًا لتضييع واجبات البشر، وهذه رحمة لا يتخيلها أحد، وخاصة غير المسلمين، الذين يعتبرون النبوة منصبًا دينيًا لا علاقة له بشئون الحياة، فَيُثبت لنا ولهم رسولُ الله  صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف الرائع أن رحمته تشمل الحياة كما تشمل الدين، وتشمل الدنيا كما تشمل الآخرة، وسبحانه الذي قال في حقه: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ[14]".
 
 
 
-------------------------------
[1]أورينج (مستشرق ومؤرخ أمريكي شهير): الحياة والإسلام، ص 99.
 
[2]قصة الحضارة  14/ 365.
 
[3]اختلف العلماء هل هذا النهي نهي كراهة أم تحريم؟ والأكثرون على أنه تحريم، انظر: فتح الباري 4/204.
 
[4]البخاري: كتاب الصوم، باب الوصال، ومن قال: ليس في الليل صيام (1863)، ومسلم في الصيام، باب النهي عن الوصال في الصوم (1105)، والترمذي (778)، وأبو داود (2360)، وأحمد (7162)، والنسائي في سننه الكبرى (8161).
 
[5]البخاري: كتاب الصوم، باب تعجيل الإفطار (1856)، ومسلم: كتاب الصيام، باب فضل السحور وتأكيد استحبابه (1098)، والترمذي (699)، وابن ماجة (1698)، وأحمد (22856)، ومالك برواية يحيى الليثي (634).
 
[6]البخاري: كتاب الصوم، باب بركة السحور من غير إيجاب (1823)، ومسلم: كتاب الصيام، باب فضل السحور وتأكيد استحبابه (1095)، والترمذي (708)، النسائي (2146)، وابن ماجة (1692)، وأحمد (13414)، والدارمي (1696)، وابن خزيمة (1937)، وابن حبان (3466).
 
[7]مالك بن عامر أبو عطية، تابعي من أهل الكوفة، وقيل: إنه أدرك الجاهلية، وهو تابعي كبير ثقة مشهور بكنيته، غزا في عهد عمر، ثم كان من أصحاب ابن مسعود، مات في خلافة عبد الملك بن مروان.. الإصابة الترجمة (8352).
 
[8]مسلم: كتاب الصيام، باب فضل السحور وتأكيد استحبابه واستحباب تأخيره وتعجيل الفطر (1099)، ولفظ مسلم:"يعجل الإفطار ويعجل الصلاة، والآخر يؤخر الإفطار ويؤخر الصلاة" والنسائي واللفظ له (2158)، وأحمد (25438)، والطيالسي (1512)، والبيهقي (7911).
 
[9](النساء:147).
 
[10]مسلم: كتاب الصيام، باب استحباب ثلاثة أيام من كل شهر وصوم يوم عرفة وعاشوراء والاثنين والخميس (1162)، وأبو داود (2425)، والترمذي (767)، والنسائي (2381)، وابن ماجة (1705)، وأحمد (16351)، والدارمي (1744)، وابن حبان (3642).
 
[11]البخاري: كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: {آتينا داود زبورًا} (3236)، ومسلم: كتاب الصيام، باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرَّرَ به، أو فَوَّتَ به حقًّا (1159) واللفظ له، والنسائي (2392)، وأبو داود (2427)، وأحمد (6760)، وابن حبان (352).
 
[12]مُتبذِّلة: رَثَّة الهيئة، وكان هذا قبل فرض الحجاب.
 
[13]البخاري: كتاب الصوم، باب من أقسم على أخيه ليفطر في التطوع ولم يَرَ عليه قضاء إذا كان أوفق له (1867)، والترمذي (2413)، وابن خزيمة (2144)، والدار قطني (20)، والبيهقي في سننه الكبرى (8128) وأبو نعيم: حلية الأولياء 1/188.
 
[14](الأنبياء: 107).



                      المقال السابق                       المقال التالى




Bookmark and Share


أضف تعليق

أنت بحاجة للبرامج التالية: الحجم : 2.26 ميجا الحجم : 19.8 ميجا