عربي English עברית Deutsch Italiano 中文 Español Français Русский Indonesia Português Nederlands हिन्दी 日本の
  
  

   

 
في هديه في الطاعون وعلاجه والاحتراز منه


في الصحيحين عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أنه سمعه يسأل أسامة بن زيد ماذا سمعت من رسول الله في الطاعون فقال أسامة قال رسول الله الطاعون رجز أرسل على طائفة من بني إسرائيل وعلى من كان قبلكم فإذا سمعتم بهبأرض فلا تدخلوا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها فرارا منه وفي الصحيحين أيضا عن حفصة بنت سيرين قالت قال انس ابن مالك قال رسول الله الطاعون شهادة لكل مسلم من حيث اللغة نوع من الوباء قاله صاحب الصحاح وهو عند أهل الطب ورم رديء قتال يخرج معه تلهب شديد مؤلم جدا يتجاوز المقدار في ذلك ويصير ما حوله في الاكثر أسود او اخضر أو أكمد ويؤول أمره إلى التقرح سريعا وفي الأكثر يحدث في ثلاثة مواضع في الابط وخلف الأذن والأرنبة وفي اللحوم الرخوة 

 

 


وفي أثر عن عائشة أنها قالت للنبي قالت الطعن قد عرفناه فما الطاعون قال غدة كغدة البعير يخرج في المراق والأبط قال الأطباء إذا وقع الخراج في اللحوم الرخوة والمغابن وخلف الأذن والأرنبة وكان من جنس فاسد سمي طاعونا وسببه دم ردئ مائل إلى العفونة والفساد مستحيل إلى جوهر سمي يفسد العضو ويغير ما يليه وربما رشح دما وصديدا ويؤدي إلى القلب كيفية رديئة فيحدث القيء والخفقان والغشي وهذا الاسم وإن كان يعم كل ورم يؤدي إلى القلب كيفية رديئة حتى يصير لذلك قتالا فإنه يختص به الحادث في اللحم الغددي لأنه لرداءته لا يقبله من الاعضاء إلا ما كان أضعف بالطبع وأردؤه ما حدث في الابط وخلف الأذن لقربهما من الاعضاء التي هي ارأس وأسلمه الأحمر ثم الأصفر والذي إلى السواد فلا يفلت منه أحد

 

ولما كان الطاعون يكثر في الوباء وفي البلاد الوبيئة عبر عنه بالوباء كما قال الخليل الوباء الطاعون وقيل هو كل مرض يعم والتحقيق أن بين الوباء والطاعون عموما وخصوصا فكل طاعون وباء وليس كل وباء طاعونا وكذلك الامراض العامة أعم من الطاعون فإنه واحد منها والطواعين خراجات وقروح وأورام رديئة حادثة في المواضع المتقدم ذكرها هذه القروح والاروام والجراحات هي آثار الطاعون  وليست نفسه ولكن الاطباء لما لم تدرك منهإلاالاثر الظاهر جعلوه نفس الطاعون  ..والطاعون يعبر به عن ثلاثة امور احدها هذا الاثر الظاهر وهو الذي ذكره الاطباء والثاني الموت الحادث عنه وهو المراد بالحديث الصحيح في قوله الطاعون شهادة لكل مسلم والثالث السبب الفاعل لهذا الداء

 

 وقد ورد في الحديث الصحيح أنه بقية رجزا أرسل على بني إسرائيل وورد فيه أنه وخز الجن وجاء انه دعوة نبي وهذه العلل والاسباب ليس عند الاطباء ما يدفعها كما ليس عندهم ما يدل عليها والرسل تخبر بالامور الغائبة وهذه الآثار التي ادركوها من أمر الطاعون ليس معهم ما ينفي أن تكون بتوسط الأرواح فإن تأثير الأرواح في الطبيعة وأمراضها وهلاكها أمر لا ينكره إلا من هو أجهل الناس بالأرواح وتأثيراتها وانفعال الأجسام وطبائعها عنها والله سبحانه قد يجعل لهذه الأرواح تصرفا في أجسام بني آدم عند حدوث الوباء وفساد الهواء كما يجعل لها تصرفا عند بعض المواد الرديئة التي تحدث للنفوس هيئة رديئة ولا سيما عند هيجان الدم والمرة والسوداء وعند هيجان المني فإن الأرواح الشيطانية تتمكن من فعلها بصاحب هذه العوارض مالا تتمكن من غيره مالم يدفعها دافع أقوى من هذه الاسباب من الذكر   والدعاء والابتهال والتضرع والصدقة وقراءة القرآن فإنه يستنزل بذلك من الأرواح الملكية ما يقهر هذه الارواح الخبيثة ويبطل شرها ويدفع تأثيرها وقد جرينا نحن وغيرنا هذا مرارا لا يحصيها إلا الله ورأينا لاستزال هذه الأرواح الطيبة واستجلاب قربها تأثيرا عظيما في تقوية الطبيعة ودفع المواد الرديئة

 

 

وهذا يكون قبل استحكامها وتمكنها ولا يكاد ينخرم فمن وفقه الله بادر عند إحساسه بأسباب الشر إلى هذه الاسباب التي تدفعها عنه وهي له من أنفع الدواء وإذا أراد الله عز وجل إنفاذ قضائه وقدره أغفل قلب العبد عن معرفتها وتصورها وإرادتها فلا يشعر بها ولا يريدها ليقضي الله فيه أمرا كان مفعولا وسنزيد هذا المعنة إن شاء الله تعالى إيضاحا وبيانا عند الكلام على التداوي بالرقي والعوذ النبوية والاذكار والدعوات وفعل الخيرات ونبين أن نسبة طب الأطباء إلى هذا الطب النبوي كنسبة طب الطرقية والعجائز إلى طبهم كما اعترف به حذاقهم وأئمتهم ونبين ان الطبيعة الأنسانية اشد شئ انفعالا عن الارواح وأن قوى العوذ والرقي والدعوات فوق قوى الأدوية حتى إنها تبطل قوى السموم القاتلة والمقصود أن فساد الهواء جزء من اجزاء السبب التام والعلة الفاعلة للطاعون فإن فساد جوهر الهواء الموجب لحدوث الوباء وفساده يكون لاستحالة جوهره إلى الرداءة لغلبة إحدى الكيفيات الرديئة عليه كالعفونة والنتن والسمية في أي وقت كان من اوقات السنة وإن كان أكثر حدوثه في أواخر الصيف وفي الخريف غالبا لكثرة اجتماع الفضلات المرارية الحادة وغيرها في فصل الصيف وعدم تحللها في آخره وفي الخريف لبرد الجو وردغة الأبخرة والفضلات التي كانت تتحلل في زمن الصيف  فتنحصر فتسخن وتعفن فتحدث الأمراض العفنة ولا سيما إذا صادقت البدن مستعدا قابلا رهلا قليل الحركة كثير المواد فهذا لا يكاد يفلت من العطب وأصح الفصول فيه فصل الربيع قال بقراط إن في الخريف أشد ما تكون من الأمراض وأقتل وأما الربيع فأصح الأوقات كلها وأقلها موتا وقد جرت عادة الصيادلة ومجهزي الموتى أنهم يستدينون ويتسلفون في الربيع والصيف على فصل الخريف فهو ربيعهم وهم أشواق شيء إليه وأفرح بقدومه وقد روي في حديث إذا طلع النجم ارتفعت العاهة عن كل بلد وفسر بطلوع الثريا وفسر بطلوع النبات زمن الربيع ومنه (   والنجم والشجر يسجدان ) الرحمن 7 فإن كمال طلوعه وتمامه يكون في فصل الربيع وهو الفصل الذي ترتفع فيه الآفات 

 

 

 


وأما الثريا فالأمراض تكثر وقت طلوعها مع الفجر وسقوطها قال التميمي في كتاب مادة البقاء أشد اوقات السنة فسادا واعظمها بلية علىالاجساد وقتان أحدهما وقت سقوط الثريا للمغيب عند طلوع الفجر والثاني وقت طلوعها من المشرق قبل طلوع الشمس على العالم بمنزلة من منازل القمر وهو وقت تصرم فصل الربيع وانقضائه غير أن الفساد الكائن عند طلوعها أقل ضررا من الفساد الكائن عند سقوطها وقال أبو محمد بن قتيبة يقال ما طلعت الثريا ولا نأت إلا بعاهة في الناس والإبل وغروبها أعوه من طلوعها وفي الحديث قول ثالث ولعله أولى الأقوال به أن المراد بالنجم الثريا وبالعاهة الآفة التي تلحق الزروع والثمار في فصل الشتاء وصدر فصل الربيع فحصل الأمن عليها عند طلوع الثريا في الوقت المذكور ولذلك نهى رسول الله عن بيع الثمرة وشرائها قبل أن يبدو صلاحها والمقصود الكلام على هديه عند وقوع الطاعون


فصل


وقد جمع النبي للأمة في نهيه عن الدخول إلى الأرض التي هو بها ونهيه عن الخروج منها بعد وقوعه كمال التحرز منه فإن في الدخول في الأرض التي هو بها تعرضا للبلاء وموافاة له في محل سلطانه وإعانة للإنسان على نفسه وهذا مخالف للشرع والعقل بل تجنب الدخول إلى  أرضه من باب الحمية التي أرشد الله سبحانه إليها وهي حمية عن الأمكنة والأهوية المؤذية وأما نهيه عن الخروج من بلده ففيه معنيان أحدهما حمل النفوس على الثقة بالله والتوكل عليه والصبر على اقضيته والرضى بها والثاني ما قاله ائمة الطب أنه يجب على كل محترز من الوباء أن يخرج عن بدنه الرطوبات الفضلية ويقلل الغذاء ويميل إلى التدبير المجفف من كل وجه إلا الرياضة والحمام فإنهما مما يجب أن يحذرا لأن البدن لا يخلو غالبا من فضل رديء كامن فيه فتثيره الرياضة والحمام ويخلطانه بالكيموس الجيد وذلك يجلب علة عظيمة بل يجب عند وقوع الطاعون السكون والدعة وتكسين هيجان الأخلاط ولا يمكن الخروج من أرض الوباء والسفر منها إلا بحركة شديدة وهي مضرة جدا هذا كلام أفضل الأطباء المتأخرين فظهر المعنى الطبي من الحديث النبوي وما فيه من علاج القلب والبدن وصلاحهما فإن قيل ففي قول رسول الله لا تخرجوا فرارا منه ما يبطل أن يكون أراد هذا المعنى الذي ذكرتموه وأنه لا يمنع الخروج لعارض ولا يحبس مسافرا عن سفره قيل لم يقل أحد طبيب ولا غيره إن الناس يتركون حركاتهم عند الطواعين ويصيرون بمنزلة الجمادات وإنما ينبغي فيه التقلل من الحركة بحسب الإمكان والفار منه لا موجب لحركته إلا بمجرد الفرار منه ودعته وسكونه أنفع لقلبه وبدنه وأقرب  إلى توكله على الله تعالى واستسلامه لقضائه

 

 

 وأما من لا يستغني عن الحركة كالصناع والأجزاء والمسافرين والبرد وغيرهم فلا يقال لهم اتركوا حركاتكم جملة وإن أمروا أن يتركوا منها ما لا حاجة لهم إليه كحركة المسافر فارا منه والله تعالى اعلم وفي المنع من الدخول إلى الأرض التي قد وقع بها عدة حكم أحدها تجنب الأسباب المؤذية والبعد منها الثاني الأخذ بالعافية التي هي مادة المعاش والمعاد الثالث أن لا يستنشقوا الهواء الذي قد عفن وفسد فيمرضون أن لا يجاوروا المرضى الذين قد مرضوا بذلك فيحصل لهم بمجاورتهم من جنس أمراضهم وفي سنن أبي داود مرفوعا إن من القرف التلف وقال ابن قتيبة القرف مداناة الوباء ومداناة المرضى حمية النفوس عن الطيرة والعدو فإنها تتأثر بهما فإن الطيرة على من تطير بها وبالجملة ففي النهي عن الدخول في أرضه الأمر بالحذر والحمية والنهي عن التعرض لأسباب التلف وفي النهي عن الفرار منه الأمر بالتوكل والتسليم والتفويض فالأول تأديب وتعليم والثاني تفويض وتسليم

 

 


وفي الصحيح أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام حتى أذا كان بسرغ لقيه أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه فأخبروه أن الوباء قد وقع  بالشام فاختلفوا فقال لابن عباس ادع لي المهاجرين الأولين قال فدعوتهم فاستشارهم وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام فاختلفوا فقال له بعضهم خرجت لأمر فلا نرى أن ترجع عنه وقال آخرون معك بقية الناس وأصحاب رسول الله فلا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء فقال عمر ارتفعوا عني ثم قال ادع لي الأنصار فدعوتهم له فاستشارهم فسلكوا سبيل المهاجرين واختلفوا كاختلافهم فقال ارتفعوا عني ثم قال ادع لي من ها هنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح فدعوتهم له فلم يختلف عليه منهم رجلان قالوا نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء فأذن عمر في الناس إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه فقال أبو عبيدة الجراح يا أمير المؤمنين إفرارا من قدر الله تعالى قال لو غيرك قالها يا أبا عبيدة نعم نفر من قدر الله تعالى إلى قدر الله تعالى أرأيت لو كان لك إبل فهبطت واديا له عدوتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة ألست إن رعيتها الخصبة رعيتها بقدر الله تعالى وإن رعيتها الجدبة رعيتها بقدر الله تعالى قال فجاء عبدالرحمن بن عوف وكان متغيبا في بعض حاجاته فقال إن عندي في هذا علما سمعت من رسول الله يقول إذا كان بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه وإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه  


 




                      المقال السابق                       المقال التالى




Bookmark and Share


أضف تعليق

أنت بحاجة للبرامج التالية: الحجم : 2.26 ميجا الحجم : 19.8 ميجا