عربي English עברית Deutsch Italiano 中文 Español Français Русский Indonesia Português Nederlands हिन्दी 日本の
  
  

   

 
في هديه في علاج الصرع


أخرجنا في الصحيحين من حديث عطاء بن أبي رباح قال قال ابن عباس ألا اريك امرأة من أهل الجنة قلت بلى قال هذه المرأة السوادء أتت النبي فقالت أني أصرع وإني اتكشف فادع الله لي فقال إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت الله لك أن يعافيك فقالت أصبر قالت فإني اتكشف فادع الله أن لا أتكشف فدعا لها قلت الصرع صرعان صرع من الارواح الخبيثة الارضية وصرع من الاخلاط الرديئة والثاني هو الذي يتكلم فيه الاطباء في سببه وعلاجه وأما صرع الارواح فأئمتهم وعقلاؤهم يعترفون به ولا يدفعونه ويعترفون بأن علاجه بمقابلة الأرواح الشريفة الخيرة العلوية لتلك الارواح  الشريرة الخبيثة فتدافع آثارها وتعارض أفعالها وتبطلها وقد نص على ذلك بقراط في بعض كتبه فذكر بعض علاج الصرع وقال هذا إنما ينفع من الصرع الذي سببه الأخلاط والمادة وأما الصرع الذي يكون من الارواح فلا ينفع فيه هذا العلاج وأما جهلة الاطباء وسقطهم وسفلتهم ومن يعتقد بالزندقة فضيلة فاؤلئك ينكرون صرع الارواح ولا يقرون بأنها تؤثر في بدن المصروع وليس معهم إلا الجهل وإلا فليس في الصناعة الطيبة ما يدفع ذلك والحس والوجود شاهد به وإحالتهم ذلك على غلبة بعض الاخلاط هو صادق في بعض أقسامه لا في كلها

 

 

 


وقدماء الاطباء كانوا يسمون هذا الصرع المرض الالهي وقالوا إنه من الارواح وأما جالينوس وغيره فتأولوا عليهم هذه التسمية وقالوا إنما سموه بالمرض الالهي لكون هذه العلة تحدث في الرأس فتضر بالجزء الالهي الطاهر الذي مسكنه الدماغ وهذا التأويل نشأ لهم من جهلهم بهذه الأرواح وأحكامها وتأثيراتها وجاءت زنادقة الأطباء فلم يثبتوا إلا صرع الأخلاط وحده ومن له عقل ومعرفة بهذه الارواح وتأثيراتها يضحك من جهل هؤلاء وضعف عقولهم وعلاج هذا النوع يكون بأمرين أمر من جهة المصروع وأمر من جهة المعالج فالذي من جهة المصروع يكون بقوة نفسه وصدق توجهه إلى فاطر هذه الارواح وبارئها والتعوذ الصحيح الذي قد تواطأ عليه القلب واللسان فإن هذا نوع محاربة والمحارب لا يتم له الانتصاب من عدوه بالسلاح إلا بأمرين أن يكون السلاح صحيحا في نفسه جيدا   وأن يكون الساعد قويا فمتى تخلف أحدهما لم يغن السلاح كثير طائل فكيف إذا عدم الامران جميعا يكون القلب خرابا من التوحيد والتوكل والتقوى والتوجه ولا سلاح له والثاني من جهة المعالج بأن يكون فيه هذان الامران أيضا حتى إن من المعالجين من يكتفي بقوله أخرج منه أو بقول بسم الله أو بقول لا حول ولا قوى إلا بالله والنبي كان يقول اخرج عدو الله أنا رسول الله وشاهدت شيخنا يرسل إلى المصروع من يخاطب الروح التي فيه ويقول قال لك الشيخ اخرجي فإن هذا لا يحل لك فيفيق المصروع وربما خاطبها بنفسه وربما كانت الروح ماردة فيخرجها بالضرب فيفيق المصروع ولا يحس بألم وقد شاهدنا نحن وغيرنا منه ذلك مرارا

 

 

 


وكان كثيرا ما يقرأ في أذن المصروع (   أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون ) المؤمنون 115 أنه قرأها مرة في أذن المصروع فقالت الروح نعم ومد بها صوته قال فأخذت له عصا وضربته بها في عروق عنقه حتى كلت يداي من الضرب ولم يشك الحاضرون أنه يموت لذلك الضرب ففي أثناء الضرب قالت أنا احبه فقلت لها هو لا يحبك قالت أنا اريد أن احج به فقلت لها هو لا يريدأن يحج معك فقالت أنا ادعه  كرامة لك قال قلت لا ولكن طاعة لله ولرسوله قالت فأنا اخرج منه قال فقعد المصروع يلتفت يمينا وشمالا وقال ما جاء بي إلى حضرة الشيخ قالوا له وهذا الضرب كله فقال وعلى اي شيء يضربني الشيخ ولم أذنب ولم يشعر بأنه وقع به ضرب ألبتة وكان يعالج بآية الكرسي وكان يأمر بكثرة قراءتها المصروع ومن يعالجه بها وبقراءة المعوذتين وبالجملة فهذا النوع من الصرع وعلاجه لا ينكره إلا قليل الحظ من العلم والعقل والمعرفة وأكثر تسلط الارواح الخبيثة على اهله تكون من جهة قلة دينهم وخراب قلوبهم والسنتهم من حقائق الذكر والتعاويذ والتحصنات النبوية والايمانية فتلقى الروح الخبيثة الرجل أعزل لا سلاح معه وربما كان عريانا فيؤثر فيه هذا ولو كشف الغطاء لرأيت أكثر النفوس البشرية صرعى هذه الارواح الخبيثة وهي في اسرها وقبضتها تسوقها حيث شاءت ولا يمكنها الامتناع عنها ولا مخالفتها وبها الصرع الاعظم الذي لا يفيق صاحبه إلا عند المفارقة والمعاينة فهناك يتحقق أنه كان هو المصروع حقيقة وبالله المستعان وعلاج هذا الصرع باقتران العقل الصحيح الى الإيمان بما جاءت به الرسل وان تكون الجنة والنار نصب عينيه وقبلة قلبه ويستحضر أهل الدنيا وحلول المثلات والآفات بهم ووقوعها خلال ديارهم كمواقع القطر وهم صرعى لا يفيقون وما اشد داء هذا الصرع ولكن لما عمت البلية به بحيث لا يرى إلا مصروعا لم يصر مستغربا ولا مستنكرا بل صار لكثرة المصروعين عين المستنكر المستغرب خلافه فإذا اراد الله بعبد خيرا أفاق من هذه الصرعة ونظر إلى انباء الدنيا  مصروعين حوله يمينا وشمالا على اختلاف طبقاتهم فمنهم من أطبق به الجنون ومنهم من يفيق أحيانا قليلة ويعود إلى جنونه ومنهم من يفيق مرة ويجن أخرى فإذا افاق عمل عمل أهل الافاقة والعقل ثم يعاوده الصرع فيقع في التخبط

 

 

 


فصل


أما صرع الاخلاط فهو علة تمنع الاعضاء النفسية عن الافعال والحركة والانتصاب منعا غير تام وسببه خلط غليظ لزج يسد منافذ بطون الدماغ سدة غير تامة فيمتنع نفوذ الحس والحركة فيه وفي الاعضاء نفوذا تاما من غير انقطاع بالكلية وقد تكون لأسباب أخر كريح غليظ يحتبس في منافذ الروح أو بخار رديء يرتفع إليه من بعض الاعضاء أو كيفية لاذعة فينقبض الدماغ لدفع المؤذي فيتبعه تشنج في جميع الاعضاء ولا يمكن ان يبقى الانسان معه منتصبا بل يسقط ويظهر في فيه الزبد غالبا وهذه العلة تعد من جملة الامراض الحادة باعتبار وقت وجوده المؤلم خاصة وقد تعد من جملة الامراض المزمنة باعتبار طول مكثها وعسر برئها لا سيما إن تجاوز في السن خمسا وعشرين سنة وهذه العلة في دماغه وخاصة في جوهره فإن صرع هؤلاء يكون لازما قال ابقراط إن الصرع يبقى في هؤلاء حتى يموتوا عرف هذا فهذه المرأة التي جاء الحديث أنها كانت تصرع وتتكشف يجوز ان يكون صرعها من هذا النوع فوعدها النبي الجنة بصبرها على هذا المرض ودعا لها ان لا تتكشف وخيرها بين الصبر والجنة  وبين الدعاء لها بالشفاء من غير ضمان فاختارت الصبر والجنة وفي ذلك دليل على جواز ترك المعالجة والتداوي وأن علاج الارواح بالدعوات والتوجه إلى الله يفعل ما لا يناله علاج الاطباء وأن تأثيره وفعله وتأثر الطبيعة عنه وانفعالها أعظم من تأثير الادوية البدنية وانفعال الطبيعة عنها وقد جربنا هذا مرارا نحن وغيرنا وعقلاء الاطباء معترفون بأن لفعل القوى النفسية وانفعالاتها في شفاء الامراض عجائب وما على الصناعة الطبية أضر من زنادقة القوم وسفلتهم وجهالهم والظاهر أن صرع هذه المرأة كان من هذا النوع ويجوز أن يكون من جهة الأرواح ويكون رسول الله قد خيرها بين الصبر على ذلك مع الجنة وبين الدعاء لها بالشفاء فاختارت الصبر والستر والله اعلم


 




                      المقال السابق                       المقال التالى




Bookmark and Share


أضف تعليق

أنت بحاجة للبرامج التالية: الحجم : 2.26 ميجا الحجم : 19.8 ميجا