عربي English עברית Deutsch Italiano 中文 Español Français Русский Indonesia Português Nederlands हिन्दी 日本の
  
  

   

 القرآن معجزة متجددة:


إن إحدى أهم أوجه إعجاز القرآن الكريم، أن معجزته متجددة وعجائبه لا تنقض، فالقرآن معجزة باقية على طول الزمان، من حين جاء به الرسول تُتْلى آيات التحدّي به، ويُتلى قوله: (فَليَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ) [الطور:34]، و(فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ) [هود:13]، و (بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ) [يونس:38].


وإخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا في أول الأمر، وقطعه بذلك، مع علمه بكثرة الخلق، دليلٌ على أنّه كان خارقاً يعجز الثقلين عن معارضته، وهذا لا يكون لغير الأنبياء.
وها هو القرآن الكريم مع طول الزمان، قد سمعه الموافق، والمخالف، والعرب، والعجم، وليس في الأمم من أظهر كتاباً يقرأه الناس، وقال إنّه مثله، وهذا يعرفه كلّ أحدٍ.
والقرآن ممّا يعلم الناس؛ عربهم، وعجمهم أنّه لم يُوجد له نظيرٌ، مع حرص العرب، وغير العرب على معارضته؛ فلفظه آية، ونظمه آية، وإخباره بالغيوب آية، وأمره ونهيه آية، ووعده ووعيده آية، وجلالته وعظمته وسلطانه على القلوب آية، وإذا ترجم بغير العربي كانت معانيه آية. كلّ ذلك لا يوجد له نظيرٌ في العالم.

 


ولعل ما يندرج تحت إعجاز القرآن الكريم الباقي المتجدد، ما يتم كشفه في العصر الحديث من علوم يثبت أن القرآن الكريم قد أشار إليها قبل عدة قرون، وقد أفاض العلماء والأئمة في الحديث عن هذا الأمر وأوردوا من الأمثلة الكثير، غير أننا نكتفي بمثال واحد وآية واحدة جمعت بين الإعجاز الغيبي والإعجاز العلمي.
يقول الله عزوجل: (الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ) [الروم: 1-4].


إن الله عزوجل يقرر في هذه الآيات التي نزلت بعد هزيمة الروم أمام الفرس أن العاقبة سوف تكون للروم مرة أخرى بعد بضع سنين في إعجاز غيبي تحقق كما وعد الله عزوجل به، يقول الحافظ ابن كثير: "نزلت هذه الآيات حين غلب سابور ملك الفرس على بلاد الشام وما والاها من بلاد الجزيرة وأقاصي بلاد الروم، واضطر هرقل مَلك الروم حتى ألجأه إلى القسطنطينية، وحاصره فيها مدة طويلة، ثم عادت الدولة لهرقل، كما سيأتي.

 


قال الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا أبو إسحاق، عن سفيان، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، في قوله تعالى: { الم . غُلِبَتِ الرُّومُ . فِي أَدْنَى الأرْضِ } قال: غُلبت وغَلَبت، قال: كان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم؛ لأنهم أصحاب أوثان، وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس؛ لأنهم أهل كتاب، فذُكر ذلك لأبي بكر، ، فذكره أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما إنهم سيغلبون" فذكره أبو بكر لهم، فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلا فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا. فجعل أجلا خمس سنين، فلم يظهروا، فذكر ذلك أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال:"ألا جعلتها إلى دُون" أراه قال: "العشر". "قال سعيد بن جبير: البضع ما دون العشر. ثم ظهرت الروم بعد، قال: فذلك قوله: { الم . غُلِبَتِ الرُّومُ . فِي أَدْنَى الأرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ . فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } .

 


هكذا رواه الترمذي والنسائي جميعا، عن الحسين بن حُرَيْث، عن معاوية بن عمرو، عن أبي إسحاق الفزاري، عن سفيان بن سعيد الثوري به، وقال الترمذي: حسن غريب، إنما نعرفه من حديث سفيان، عن حبيب".
وجاء في أطلس تاريخ الإسلام للأستاذ الفاضل حسين مؤنس: "وعندما تولى هرقل عرش الروم سنة610 م (وهي سنة البعثة المحمدية) كان الفرس قد اجتاحوا بلاد الشام ومصر وهزموا البيزنطيين سنة613 م عند أنطاكية, واستولوا على فلسطين والقدس سنة614 م, وغزوا مصر ودخلوا الإسكندرية سنة618 م أو619 م, وبعد أن أقام هرقل دولته بدأ قتال الفرس سنة622 م, وفي سنة627 م أنزل بهم هزيمة قاصمة قرب نينوى, واسترد منهم أراضي الدولة البيزنطية في أرمينيا والشام وفلسطين ومصر, وفي سنة630 م استعاد بيت المقدس.

 


ومن استقراء كل هذه التواريخ السابقة يتضح أن هزيمة الروم الحقيقية على أيدي جيوش الفرس كانت في حدود سنة614 م إلى615 م, وأن استعادتهم النصر على الفرس كانت في حدود سنة624 م, واستمر تقدم الروم على أرض الفرس حتى تم لهم استعادة بيت المقدس".
لقد تحقق ما وعد به الله عزوجل في هذه الآيات من انتصار الروم، وفرح المؤمنون وازداد فرحهم بعد ذلك بعد أن انتصروا على المشركين في بدر، غير أن ما معنى قوله تعالى: "أدني الأرض" رأى السابقون من العلماء والمفسرين أن كلمة "أدنى الأرض" تعنى الأرض الأقرب إلى الشام، وهو تفسير صحيح تقبله اللغة وتؤيده ما وصلوا إليه من علم في ذاك الزمان، غير أن العلم الحديث أثبت أن القرآن الكريم سبق العصر الحديث بكشف علمي لم يظهر إلا حديثًا.

 


يقول الدكتور زغلول النجار في مقال له عن هذه المعجزة: أكدت الدراسات الحديثة أن منطقة حوض البحر الميت, بالاضافة إلى كونها أقرب الأراضي التي كان الروم يحتلونها إلى الجزيرة العربية هي أيضا أكثر أجزاء اليابسة انخفاضاً, حيث يصل منسوب سطح الأرض فيها إلى حوالي الأربعمائة متر تحت متوسط مستوى سطح البحر, وأن هذه المنطقة كانت من مناطق الصراع بين إمبراطوريتي الفرس والروم, وأن المعركة الحاسمة التي أظهرت جيوش الفرس على جيوش إمبراطورية روما الشرقية (الإمبراطورية البيزنطية) لابد أنها وقعت في حوض البحرالميت, وأن الوصف بـ (أَدْنَى الأَرْضِ) هنا كما يعني أقربها للجزيرة العربية, يعني أيضاً أنها أكثر أجزاء اليابسة انخفاضاً, وهذه الإشارة القرآنية العابرة تعتبر من السبق العلمي في كتاب الله, لأن أحداً لم يكن يعلم هذه الحقيقة في زمن الوحي بالقرآن الكريم, ولا لقرون متطاولة من بعده.

 


ويضيف الدكتور النجار: "ثبت علمياً بقياساتٍ عديدةٍ أن أكثر أجزاء اليابسة انخفاضاً هو غور البحر الميت, ويقع البحر الميت في أكثر أجزاء الغور انخفاضاً, حيث يصل مستوى منسوب سطحه إلى حوالي أربعمائة متر تحت مستوى سطح البحر, ويصل منسوب قاعه في أعمق أجزائه إلى قرابة الثمانمائة متر تحت مستوى سطح البحر, وهو بحيرة داخلية بمعنى أن قاعها يعتبر في الحقيقة جزءاً من اليابسة.
وغور البحر الميت هو جزء من خسف أرضي عظيم يمتد من منطقة البحيرات في شرقي إفريقيا إلى بحيرة طبريا, فالحدود الجنوبية لتركيا, مروراً بالبحر الأحمر, وخليج العقبة, ويرتبط بالخسف العميق في قاع كل من المحيط الهندي, وبحر العرب وخليج عدن, ويبلغ طول أغوار وادي عربة –البحر الميت - الأردن حوالي الستمائة كيلومتر, ممتدة من خليج العقبة في الجنوب إلى بحيرة طبريا في الشمال, ويتراوح عرضها بين العشرة والعشرين كيلومتراً.

 


ويعتبر منسوب سطح الأرض فيها أكثر أجزاء اليابسة انخفاضاً حيث يصل منسوب سطح الماء في البحرالميت إلى402 متراً تحت المستوى المتوسط لمنسوب المياه في البحرين المجاورين: الأحمر والأبيض المتوسط, وهو أخفض منسوب أرضي على سطح اليابسة كما يتضح من الأرقام التالية:
منسوب سطح الأرض في وادي عربة=355 ـ400 م تحت مستوى سطح البحر.
منسوب أعمق نقاط قاع البحرالميت=794 م تحت مستوى سطح البحر.
منسوب سطح الماء في البحرالميت=402 تحت مستوى سطح البحر.
مستوى سطح الأرض في غور الأردن=212 ـ400 م تحت مستوى سطح البحر.
منسوب سطح الماء في بحيرة طبريا=209 م تحت مستوى سطح البحر.
منسوب قاع بحيرة طبريا=252 م تحت مستوى سطح البحر.
منسوب سطح الأرض في قاع منخفض القطارة في شمال صحراء مصرالغربية=133 م تحت مستوى سطح البحر.

 


منسوب سطح الأرض في قاع وادي الموت/ كاليفورنيا=86 م تحت مستوى سطح البحر.
منسوب سطح الأرض في قاع منخفض الفيوم/مصر=45 م تحت مستوى سطح البحر.
ويتراوح عمق الماء في الحوض الجنوبي من البحر الميت بين الستة والعشرة أمتار, وهو بذلك في طريقه إلى الجفاف, ويعتقد أنه كان جافاً إلى عهد غير بعيد من تاريخه, وكان عامراً بالسكان, وأن منطقة الأغوار كلها من وادي عربة في الجنوب إلى بحيرة طبريا في الشمال كانت كذلك عامرة بالسكان منذ القدم حيث عرف البحر الميت في الكتابات التاريخية القديمة, ووصف بأسماء عديدة من مثل بحر سدوم، بحيرة لوط، بحيرة زغر, البحر النتن, بحر عربة, بحر الأسفلت والبحر الميت, وذلك لأن المنطقة اشتهرت بخصوبة تربتها, ووفرة مياهها فعمرتها القبائل العربية منذ القدم, واندفعت إليها من كل من العراق والجزيرة العربية وبلاد الشام.

 


وخلاصة القول: أن منطقة أغوار وادي عربة – البحرالميت - الأردن تحوي اخفض أجزاء اليابسة على الإطلاق, والمنطقة كانت محتلة من قبل الروم البيزنطيين في عصر البعثة النبوية الخاتمة, وكانت هذه الإمبراطورية الرومانية يقابلها ويحدها من الشرق الإمبراطورية الفارسية الساسانية, وكان الصراع بين هاتين الإمبراطوريتين الكبيرتين في هذا الزمن على أشده, ولابد أن كثيراً من معاركهما الحاسمة قد وقعت في أرض الأغوار, وهي أخفض أجزاء اليابسة على الإطلاق, ووصف القرآن الكريم لأرض تلك المعركة الفاصلة التي تغلَّب فيها الفرس على الروم في أول الأمر بـ(أَدْنَى الأَرْضِ) وصفٌ معجزٌ للغاية لأن أحداً من الناس لم يكن يدرك تلك الحقيقة في زمن الوحي, ولا لقرون متطاولة من بعده, وورودها بهذا الوضوح في مطلع سورة الروم يضيف بعداً آخر إلى الإعجاز التنبؤي في الآيات الأربع التي استهلت بها تلك السورة المباركة، ألا وهو الإعجاز العلمي".

 


وهكذا يتضح مجددًا بما لا مجال للشك فيه أن القرآن العظيم هو كتاب الله الذي أنزله على خاتم النبيين وسيد البشر أجمعين محمد صلى الله عليه وسلم.
وإن عجائبه وأسراره لا تنقضى، بل إن ذلك من وجوه إعجازه المعدودة، فهو آيةً باقيةً لا تعدم ما بقيت الدنيا مع تكفل الله عزوجل بحفظه، فقال تعالي: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر : 9]، وقال : (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) [فصلت : 42].
إن سائر معجزات الأنبياء قد انقضت بانقضاء أوقاتها، فلم يبق إلا خبرها، والقرآن العزيز الباهرة آياته، الظاهرة معجزاته على ما كان عليه اليوم حجته قاهرة، ومعارضته ممتنعة، والأعصار كلها طافحة بأهل البيان، وحملة علم اللسان، وأئمة البلاغة، وفرسان الكلام، وجهابذة البراعة، وفيهم الملحد، والمعادي للشرع، فما منهم من أتى بشيء يؤثر في معارضته، ولا ألف كلمتين في مناقضته، ولا قدر فيه على مطعن صحيح، ولا قدح المتكلف من ذهنه في ذلك إلا بزند شحيح، بل المأثور عن كل من رام ذلك إلقاؤه في العجز بيديه والنكوص على عقب




                      المقال السابق                       المقال التالى




Bookmark and Share


أضف تعليق

أنت بحاجة للبرامج التالية: الحجم : 2.26 ميجا الحجم : 19.8 ميجا