عربي English עברית Deutsch Italiano 中文 Español Français Русский Indonesia Português Nederlands हिन्दी 日本の
  
  

تحت قسم الفتنة
تاريخ الاضافة 2008-03-13 09:08:26
المشاهدات 1733
أرسل الى صديق اطبع حمل المقال بصيغة وورد ساهم فى دعم الموقع Bookmark and Share

   

 

 

  اشتداد الحصار

 

لما اشتد الحصار على عثمان ـ رضي اللَّه عنه ـ أرسل إلى عليٍّ، وطلحة، والزبير، فحضروا فأشرف عليهم فقال‏:‏

‏"‏يا أيها الناس‏.‏ اجلسوا فجلسوا يا أهل المدينة أستودعكم اللَّه وأسأله أن يحسن عليكم الخلافة من بعدي‏.‏ أنشدكم اللَّه هل تعلمون أنكم دعوتم اللَّه عند مصاب عمر أن يختار لكم ويجمعكم على خيركم‏.‏ أتقولون‏:‏ إن اللَّه لم يستجب لكم وهنتم عليه، وأنتم أهل حقه‏.‏ أم تقولون‏:‏ هان على اللَّه دينه فلم يبال من ولى، والدين لم يتفرق أهله يومئذٍ، أم تقولون‏:‏ لم يكن أخذ عن مشورة إنما كان لمكابرة فوكل اللَّه الأمة إذا عصته ولم يشاوروا في الإمامة، أم تقولون‏:‏ إن اللَّه لم يعلم عاقبة أمري‏.‏ وأنشدكم باللَّه أتعلمون لي من سابقة خير وقدم خير قدمه اللَّه لي يحق على كل من جاء بعدي أن يعرفوا لي فضلها، فمهلًا لا تقتلوني فإنه لا يحل إلا قتل ثلاثة‏:‏ رجل زنى بعد إحصانه، أو كفر بعد إيمانه، أو قتل نفسًا بغير حق‏.‏ فإنكم إذا قتلتموني وضعتم السيف على رقابكم، ثم لم يرفع اللَّه عنكم الاختلاف أبدًا‏"‏ ‏

 

 

 

قالوا‏:‏ أما ما ذكرت من استخارة الناس بعد عمر، ثم ولوك فإن كل ما صنع اللَّه خيرة، ولكن اللَّه جعلك بلية ابتلى بها عباده‏.‏ وأما ما ذكرت من قدمك وسلفك مع رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ، فقد كنت كذلك، وكنت أهلًا للولاية، ولكن أحدثت ما علمته، ولا نترك إقامة الحق عليك مخافة الفتنة عامًا قابلًا‏.‏ وأما قولك إنه لا يحل إلا قتل ثلاثة، فإنا نجد في كتاب اللَّه قتل غير الثلاثة الذين سميت‏:‏ قتل من سعى في الأرض فسادًا، وقتل من بغى، ثم قاتل على بغيه، وقتل من حال دون شيء من الحق ومنعه وقاتل دونه، وقد بغيت ومنعت وحلت دونه وكابرت عليه، ولم تقد من نفسك من ظلمت، وقد تمسكت بالإمارة علينا‏.‏ فإن زعمت أنك لم تكابرنا عليها فإن الذين قاموا دونك ومنعوك منا إنما يقاتلون لتمسكك بالإمارة، فلو خلعت نفسك لانصرفوا عن القتال معك‏.‏

 

 

 

 

فسكت عثمان، ولزم الدار، وأمر أهل المدينة بالرجوع، وأقسم عليهم فرجعوا إلا الحسن بن علي، وابن عباس، ومحمد بن طلحة، وعبد اللَّه بن الزبير، وأشباهًا لهم، واجتمع إليهم أناس كثير‏.‏

لم يردّ عليهم عثمان، بل سكت‏.‏ فهل اقتنع بأقوالهم وحججهم‏؟‏ إنه لو اقتنع لتنازل عن الخلافة‏.‏ فإذا لم يقتنع‏.‏ فلماذا لم يقرع الحجة بالحجة‏؟‏‏.‏ لكنه على كل حال أصر على عدم التنازل كما أصر على التمسك بسياسته، فلم يعزل أحدًا ممن كرهوه، ولم يجب مطالبهم التي كان قد علم بها من قبل، فلا بدَّ أنه كان يرى أنهم مخطئون فيما يطلبون‏.‏

 

 

 

 

  المحاصرون يمنعون عنه الماء

 

كانت مدة الحصار أربعين يومًا ‏[‏ورد في الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 2/ص 668‏:‏ ‏(‏فأقاموا على حصاره تسعة وأربعين يومًا‏"‏ ‏]‏، أو ما يقرب من ذلك، فلما مضت ثمان عشرة ليلة قدم ركبان من الأمصار فأخبروا بخير من تهيأ إليهم من الجنود وشجعوا الناس، فعندئذٍ حالوا بين الناس وبين عثمان ومنعوه كل شيء حتى الماء، فأرسل عثمان إلى عليٍّ سرًا، وإلى طلحة، والزبير، وأزواج رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ‏:‏ ‏"‏إنهم قد منعوني حتى الماء، فإن قدرتم أن ترسلوا إلينا الماء فافعلوا‏"‏

فكان أولهم إجابة عليٌّ وأم حبيبة زوج النبي ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ، فجاء عليّ في الغلس ‏[‏الغلس‏:‏ ظلمة آخر الليل‏.‏ ‏[‏القاموس المحيط، مادة‏:‏ غلس‏]‏‏.‏‏]‏ فقال‏:‏

‏"‏يا أيها الناس، إن الذي تفعلون لا يشبه أمر المؤمنين، ولا أمر الكافرين فلا تقطعوا عن هذا الرجل الماء ولا المادة، فإن الروم وفارس لتأسر فتطعم وتسقي‏.‏‏"‏

 

 

 

 

 

 

فقالوا‏:‏ لا واللَّه ولا نعمة عين‏.‏ فرمى بعمامته في الدار بأني قد نهضت ورجعت، وجاءت أم حبيبة على بغلة لها مشتملة على إداوة‏.‏ فضربوا وجه بغلتها فقالت‏:‏ إن وصايا بني أمية عند هذا الرجل‏.‏ فأحببت أن أسأله عنها لئلا تهلك أموال الأيتام والأرامل‏.‏ فقالوا‏:‏ كاذبة، وقطعوا حبل البغلة بالسيف، فنفرت وكادت تسقط عنها، فتلقاها الناس، فأخذوها وذهبوا بها إلى بيتها‏.‏

وتجهزت عائشة خارجة إلى الحج هاربة واستتبعت أخاها، فأبى، فقالت‏:‏

‏"‏أمَ واللَّه لئن استطعت أن يحرمهم اللَّه ما يحاولون لأفعلن‏"‏ ‏ وجاء حنظلة الكاتب حتى قام على محمد بن أبي بكر فقال‏:‏ يا محمد، تستتبعك أم المؤمنين فلا تتبعها، وتدعوك ذؤبان العرب إلى ما لا يحل فتتبعهم‏؟‏‏!‏‏.‏ فقال‏:‏ ما أنت وذاك يا ابن التميمية‏؟‏‏.‏ فقال‏:‏ يا ابن الخثعمية إن هذا الأمر إن صار إلى التغلب غلبتك عليه بنو عبد مناف وانصرف وهو يقول‏:‏

عجبت لما يخوض الناس فيه *** يرومون الخلافة أن تزولا

ولو زالت لزال الخير عنهم *** ولاقوا بعدها ذلًا ذليلًا

وكانوا كاليهود أو النصارى ‏[‏ورد في ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3/ص 64‏:‏ ‏"‏وكالنصارى‏"‏‏.‏‏]‏ *** سواء كلهم ضلوا السبيلا

ولحق بالكوفة‏.‏ وخرجت عائشة وهي ممتلئة غيظًا على أهل مصر وجاءها مروان بن الحكم فقال‏:‏ يا أم المؤمنين، لو أقمت كان أجدر أن يراقبوا هذا الرجل‏.‏ فقالت‏:‏ أتريد أن يصنعوا بي كما صنع بأم حبيبة‏.‏ ثم لا أجد من يمنعني لا واللَّه ولا أُعيّرُ ولا أدري إلى ما يسلم أمر هؤلاء‏.‏

وبلغ طلحة والزبير ما لقي عليّ، وأم حبيبة، فلزموا بيوتهم، وبقي عثمان يسقيه آل حزم في الغفلات‏.‏ عليهم الرقباء‏.‏ فأشرف عثمان على الناس فاستدعى ابن عباس، فأمره أن يحج بالناس وكان ممن لزم الباب‏.‏ فقال‏:‏ جهاد هؤلاء أحب عليَّ من الحج، فأقسم عليه فانطلق‏.‏

 

 

  حجُّ ابن عباس بالناس وكتاب عثمان إلى أهل مكة

 

قال عثمان ـ رضي اللَّه عنه ـ وهو محصور‏:‏ يا ابن عباس، اذهب إلى خالد بن العاص ‏[‏التروية‏:‏ اليوم الثامن من ذي الحجة‏]‏ وهو بمكة فقل له‏:‏ يقرأ عليك أمير المؤمنين السلام ويقول لك‏:‏ إني محصور منذ كذا وكذا يومًا لا أشرب إلا من الأجاج ‏[‏الأجاج‏:‏ الماء الشديد الملوحة‏]‏، وقد مُنعت بئرًا اشتريتها من صلب مالي رومه، فإنما يشربها الناس ولا أشرب منها شيئًا، ولا آكل إلا مما في بيتي، مُنعت أن آكل مما في السوق شيئًا، وأنا محصور كما ترى، فأمره، وقل له فليحج بالناس وليس بفاعل‏.‏ فإن أبى فاحجج أنت بالناس‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ فقدمت الحج في العشر، فجئت خالد بن العاص فقلت له ما قال لي عثمان‏.‏ فقال لي‏:‏ هل لي طاقة بعداوة من ترى، وهذا الأمر لا يقضى إلا إليه يعني عليًا وأنت أحق أن تحمل له ذلك، فحججت بالناس‏.‏ ثم قفلت في آخر الشهر فقدمت المدينة، وإذا عثمان قد قتل، وإذا الناس يتواثبون على رقبة عليّ بن أبي طالب، فلما رآني عليّ ترك الناس وأقبل عَلَيَّ فانتجاني فقال‏:‏ ما ‏[‏ص 172‏]‏ ترى فيما وقع، فإنه قد وقع أمر عظيم كما ترى لا طاقة لأحد به‏.‏ فقلت‏:‏ أرى أنه لا بدَّ للناس منك اليوم فأرى أنه لا يبايع اليوم أحد إلا اتهم بدم هذا الرجل‏.‏ فأبى إلا أن يبايع فاتّهم بدمه‏.‏

 

 

 

لما خرج ابن عباس يريد الحج مرَّ بعائشة ـ رضي اللَّه عنها ـ في الصّلصُل بنواحي المدينة على سبعة أميال منها فقالت‏:‏ يا ابن عباس، أنشدك اللَّه فإنك قد أعطيت لسانًا إزعيلًا ‏[‏إزعيلًا‏:‏ نشيطًا‏]‏ أن تخذل عن هذا الرجل، وأن تشكك فيه الناس فقد بانت لهم بصائرهم وأنهجت، ورُفعت لهم المنار، وتحلبوا من البلدان لأمر قد جمّ‏.‏ وقد رأيت طلحة ابن عبيد اللَّه قد اتخذ على بيوت الأموال والخزائن مفاتيح فإن يَلٍ يَسر بسيرة ابن عمه أبي بكر ـ رضي اللَّه عنه ـ‏.‏

 

 

 

فأجابها ابن عباس‏:‏ يا أمة لو حدث بالرجل حدث ما فزع الناس إلا إلى صاحبنا يعني عليًا فقال‏:‏ إيهًا عنك إني لست أريد مكابرتك ولا مجادلتك‏.‏ هذا يبين لنا موقف عائشة ورأيها، فإنها أرادت من ابن عباس أن يقوم بالدعوة ضد عثمان في مكة، وأن يشكك الناس فيه، وكانت تريد أن يتولى الخلافة بعد عثمان طلحة بن عبيد اللَّه، لا عليّ‏.‏ وطلحة أسلم بدعوة أبي بكر الصدِّيق، وقد أبلى يوم أحد بلاءً عظيمًا، ووقى رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ بنفسه، واتقى عنه النبل حتى شلُّت إصبعه، وضرب ضربة على رأسه، وحمل رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ على ظهره حتى صعد معه الصخرة، وكان شديدًا على عثمان، وقتل يوم الجمل، وكان شهد ذلك اليوم محاربًا لعليِّ بن أبي طالب‏.‏ وقال طلحة يوم الجمل‏:‏

ندمت ندامة الكسعيّ لما *** شربت رضى بني جرم برغمي

اللَّهم خذ لعثمان حتى يرضى‏.‏ وقد كان أهل البصرة يريدون طلحة، كما كان أهل مصر يريدون عليًّا‏.‏ أما أهل الكوفة فكانوا يشتهون الزبير‏.‏

فعائشة كانت تريد طلحة، ولا ترغب في عليّ ـ رضي اللَّه عنه ـ، ويرجع السبب في نفورها منه إلى حديث الإفك ‏[‏راجع كتاب ‏"‏محمد رسول اللَّه‏"‏ للمؤلف‏]‏ فإن رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ لما استشار عليًا في شأن عائشة قبل أن ينزل الوحي ببراءتها قال‏:‏ ‏"‏يا رسول اللَّه لم يضيِّق اللَّه عليك والنساء سواها كثير‏.‏‏"‏

 

 

 

 

  كتاب عثمان إلى أهل مكة

 

كتب عثمان كتابًا إلى أهل مكة يسألهم أن يأخذوا له بالحق ممن حصروه، وأعطاه لابن ‏[‏ص 173‏]‏ عباس‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ فقرأت هذا الكتاب عليهم قبل التروية ‏[‏التروية‏:‏ اليوم الثامن من ذي الحجة‏]‏ بمكة بيوم ثم قدمت المدينة‏.‏

وهذا نص الكتاب كما نسخه عبد المجيد بن سُهَيْل بن عكرمة ‏"‏بسم اللَّه الرحمن الرحيم من عبد اللَّه عثمان أمير المؤمنين إلى المؤمنين والمسلمين‏.‏ سلام عليكم‏.‏ فإني أحمد اللَّه إليكم الذي لا إله إلا هو‏.‏ أما بعد، فإني أذكركم باللَّه عز وجل الذي أنعم عليكم، وعلمكم الإسلام، وهداكم من الضلالة، وأنقذكم من الكفر، وأراكم البينات، وأوسع عليكم من الرزق، ونصركم على العدو، وأسبغ عليكم نعمته‏.‏ فإن اللَّه عز وجل يقول وقوله الحق‏:‏ ‏{وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 34‏]‏ وقال عز وجل‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ‏.‏ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا‏}‏ إلى قوله ‏{‏لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 102ـ 105‏]‏ وقال وقوله الحق‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا‏}‏ إلى قوله ‏{‏وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 6ـ 7‏]‏ وقال وقوله الحق‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ‏}‏ إلى قوله ‏{‏فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ‏}‏ ‏[‏الحجرات‏:‏ 6ـ 8‏]‏ وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا‏}‏ إلى قوله ‏{‏وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 77‏]‏ وقال وقوله الحق‏:‏ ‏{‏فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ‏}‏ إلى قوله ‏{‏فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏}‏ ‏[‏التغابن‏:‏ 16‏]‏ وقال وقوله الحق‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا‏}‏ إلى قوله ‏{‏وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 91ـ 96‏]‏ وقال وقوله الحق‏:‏ ‏{‏أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ‏}‏ إلى قوله ‏{‏وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 59‏]‏ وقال وقوله الحق‏:‏ ‏{‏وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ‏}‏ إلى قوله ‏{‏وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 55‏]‏ وقال وقوله الحق‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهُ‏}‏ إلى قوله ‏{‏فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 10‏]‏‏.‏

 

 

 

أما بعد، فإن اللَّه عز وجل رضي لكم السمع والطاعة والجماعة، وحذركم المعصية والفرقة والاختلاف، ونبَّأكم ما قد فعله الذين من قبلكم، وتقدم إليكم فيه ليكون له الحجة عليكم إن عصيتموه، فاقبلوا نصيحة اللَّه عز وجل واحذروا عذابه، فإنكم لن تجدوا أمة هلكت إلا من بعد أن تختلف إلا أن يكون لها رأس يجمعها، ومتى ما تفعلوا ذلك لا تقيموا الصلاة جميعًا وسُلط عليكم عدوُّكم ويستحل بعضكم حُرم بعض، ومتى يفعل ذلك لا يُقم للَّه سبحانه دين، وتكونوا شيعًا، وقد قال اللَّه عز وجل لرسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ‏:‏ ‏{إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 159‏]‏ وإني أوصيكم بما أوصاكم اللَّه، وأحذركم عذابه، فإن شعيبًا ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ قال لقومه‏:‏ ‏{‏وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيَبكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ‏}‏ إلى قوله ‏{‏رَحِيمٌ وَدُودٌ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 89ـ 90‏]‏

 

 

أما بعد، فإن أقوامًا ممن كان يقول في هذا الحديث، أظهروا للناس إنما يدعون إلى كتاب اللَّه عز وجل والحق، ولا يريدون الدنيا ولا المنازعة فيها‏.‏ فلما عُرض عليهم الحق إذا الناس في ذلك شتى، منهم آخذ للحقٍ ونازعٌ عنه حين يُعطاه، ومنهم تارك للحقٍ ونازل عنه في الأمر يريد أن يبتزه بغير الحق‏.‏ طال عليهم عمري، ورَاث عليهم أملهم إلا مرة فاستعجلوا القدر، وقد كتبوا إليكم أنهم قد رجعوا بالذي أعطيتهُم، ولا أعلم أني تركت من الذي عاهدتهم عليه شيئًا كانوا زعموا أنهم يطلبون الحدود فقلت‏:‏ أقيموها على من علمتم تعداها‏.‏ أقيموها على من ظلمكم من قريب أو بعيد قالوا‏:‏ كتابُ اللَّه يتلى‏.‏ فقلت‏:‏ فليتله من تلاه غير غال فيه بغير ما أنزل اللَّه في الكتاب، وقالوا‏:‏ المحروم يرزق والمال يُوفى ليُستن فيه السنة الحسنة ولا يُعتدى في الخُمس، ولا في الصدقة، ويؤمر ذو القوة والأمانة، وتُرَدّ مظالم الناس إلى أهلها فرضيتُ بذلك واصطبرت له وجئت نسوة رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ حتى كلمتهن فقلت‏:‏ ما تأمرنني‏؟‏‏.‏ فقلن‏:‏ تؤمر عمرو بن العاص وعبد اللَّه بن قيس، وتدع معاوية، فإنما أمَّره أمير قبلك فإنه مصلح لأرضه راضٍ به جنده، واردد عمرًا فإن جنده راضون به وأمره فليصلح أرضه فكل ذلك فعلت‏.‏ وأنه اعتديَّ علي بعد ذلك وعدا على الحق‏.‏

 

 

 

 

كتبت إليكم وأصحابي الذين زعموا في الأمر استعجلوا القدر ومنعوا مني الصلاة وحالوا بيني وبين الصلاة وابتزوا مما قدروا عليه بالمدينة كتبت إليكم كتابي هذا وهم يخبرونني إحدى ثلاث‏:‏ إما يقيدونني بكل رجل أصبته خطأ أو صوابًا غير متروك منه شيء، وإما أعتزل الأمر فيؤمرون آخر غيري، وإما يرسلون إلى من أطاعهم من الأجناد وأهل المدينة فيتبرؤون من الذي جعل اللَّه سبحانه لي عليهم من السمع والطاعة، أما إقادتي من نفسي فقد كان من قبلي خلفاء تخطئ وتصيب فلم يُستقد من أحد منهم، وقد علمت إنما يريدون نفسي‏.‏ وأما أن أتبرأ من الإمارة فإن يكلبوني أحبُّ إليَّ من أن أتبرأ من عمل اللَّه عز وجل وخلافته‏.‏

 

 

 

 

وأما قولكم يُرسلون إلى الأجناد وأهل المدينة فيتبرؤون من طاعتي فلست عليكم بوكيل، ولم أكن استكرهتهم من قبل على السمع والطاعة‏.‏ ولكن أتوها طائعين يبتغون مرضاة اللَّه عز وجل، وإصلاح ذات البين‏.‏ ومن يكن منكم إنما يبتغي الدنيا فليس بنائل منها إلا ما كتب اللَّه عز وجل، ومن يكن إنما يريد وجه اللَّه والدار الآخرة وصلاح الأمة وابتغاء مرضاة اللَّه عز وجل والسنة ‏[‏ص 175‏]‏ الحسنة التي استن بها رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ والخليفتان من بعده ـ رضي اللَّه عنه ـما فإنما يجزي بذلكم اللَّه‏.‏ وليس بيدي جزاؤكم ولو أعطيتكم الدنيا كلها لم يكن في ذلك ثمن لدينكم ولم يغنٍ عنكم شيئًا‏.‏ فاتقوا اللَّه واحتسبوا ما عنده فمن يرضى بالنكث منكم فإني لا أرضاه له ولا يرضى اللَّه سبحانه أن تنكثوا عهده‏.‏ وأما الذي يخبرونني فإنما كله النزع والتأمير فملكت نفسي ومن معي ونظرت حكم اللَّه وتغيير النعمة من اللَّه سبحانه وتعالى وكرهتُ سُنة السوء وشقاق الأمة وسفك الدماء فإني أنشدكم باللَّه والإسلام ألا تأخذوا إلا الحق وتعطوه مني، وتركَ البغي على أهله وخذوا بيننا بالعدل كما أمركم اللَّه عز وجل، فإني أنشدكم اللَّه سبحانه وتعالى الذي جعل عليكم العهد والمؤازرة في أمر اللَّه فإن اللَّه سبحانه قال وقوله الحق‏:‏ ‏{‏وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 34‏]‏ فإن هذه معذرة إلى اللَّه ولعلكم تذكرون‏.‏

 

 

 

 

أما بعد، فإني لا أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم‏.‏ وإن عاقبتُ أقوامًا فما أبتغي بذلك إلا الخير، وإني أتوب إلى اللَّه عز وجل من كل عمل عملته وأستغفره إنه لا يغفر الذنوب إلا هو‏.‏ إن رحمة ربي وسعت كل شيء إنه لا يقنط من رحمة اللَّه إلا القوم الضالون، وإنه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون‏.‏ وأنا أسأل اللَّه عز وجل أن يغفر لي ولكم وأن يؤلف قلوب هذه الأمة على الخير ويكرّه إليها الفسق‏.‏

والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته أيها المؤمنون والمسلمون‏.‏

 

 

 

 

هذا كتاب طويل كتبه عثمان ـ رضي اللَّه عنه ـ، وقرأه ابن عباس على أهل مكة في موسم الحج‏.‏ وقد استشهد بكثير من آيات القرآن الكريم لأنه كان يحفظ القرآن، ويكثر من تلاوته ويتعبَّد به‏.‏ وهذه الآيات التي استشهد بها كان غرضه من إيرادها حض المؤمنين على طاعة اللَّه والاعتصام بحبله، والتخويف من عذاب اللَّه وعاقبة نقض الأيمان بعد توكيدها، ووجوب طاعة اللَّه والرسول وأولي الأمر ولزوم الجماعة والتحذير من الاختلاف والتفريق‏.‏

 

 

 

ثم أمر بإقامة الحدود ورد المظالم وشكا إليهم ما يلقاه من الحصر ومنع الماء والزاد عنه وقال‏:‏ إنه لا يعتزل ولا يتخلى عن واجبه، ولم يكره أحدًا على اختياره خليفة، بل اختاروه طائعين، وذكر أنه تجنب سفك الدماء والشقاق‏.‏ ثم تاب إلى اللَّه واستغفره ولم يبرئ نفسه، فإن النفس أمارة بالسوء وسأل اللَّه أن يؤلف بين قلوب الأمة‏.‏

إلا أن هذا الكتاب لم يأت بالغرض الذي رمى إليه عثمان من تحريره وتلاوته، لأن المحاصرين كانوا قد شددوا عليه الحصار فإن ابن عباس لما عاد إلى المدينة بعد تأدية فريضة الحج وجد عثمان قد قتل‏.‏




                      المقال السابق




Bookmark and Share


أضف تعليق

أنت بحاجة للبرامج التالية: الحجم : 2.26 ميجا الحجم : 19.8 ميجا