عربي English עברית Deutsch Italiano 中文 Español Français Русский Indonesia Português Nederlands हिन्दी 日本の
  
  

   

كانت حياة الرسول محمد صلي الله عليه وسلم متميزة عن حياة أقرانه ، فقد ولد يتيماً ، إذ مات أبوه عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم ، وهو في بطن أمه آمنة بنت وهب بن عبه مناف عام الفيل الموافق لعام 570  للميلاد . . . يقول القس الفرنسي لوازون في محاضرة  له عن الرسول محمد صلي الله عليه وسلم :

 

(( أواخر جميع الأنبياء كان يعتقد المسلمون هو محمد الذي ولد في مكة لعشر ليال مضت من ابريل سنة 570  للميلاد ، وكانت عائلته شرف عائلة في قريش ، وهى إحدى القبائل الشهيرة في بلاد العرب ، وصاحب النسب المرتقي إلى إسماعيل بن إبراهيم الخليل ، وقد كان جده متولياً سدانة الكعبة ، وكانت دار حكومتهم ، معبد ديانة العرب الوثنية ، وتوفي والده عبد الله قبل ولادته ، و توفيت أمه وهو ابن ستة أعوام ، وكان على أعظم ما يكون من كرم الطباع وشريف الأخلاق ، ومنتهى الحياء ، وشدة الإحساس ، وقد كفله جده وهو ابن ست سنوات وأثناء كفالته بدأت تظهر من محمد علامات الذكاء ورجاحة العقل ، ومر بصبيان يلعبون فدعوه للعب معهم ، فأجابهم أن الإنسان خلق للأعمال الجليلة ، والمقاصد الشريفة ، لا للأعمال السافلة والأمور الباطلة ، وكان على خلق عظيم ، وشيم مرضية ، شفوقاً على الأطفال ، مطبوعاً على الإحسان ، غير متشدق في نفسه ، و لا صلف في معاملته مع الناس ، وكان حائزاً قوة إدراك عجيبة ، وذكاء مفرط ، وعواطف رقيقة شريفة ))[1] .

 

علامات النبوة في مولده :          

لقد دلت الدراسات الإسلامية لسيرة الرسول صلي الله عليه وسلم ، على أن علامات النبوة ، قد رافقته منذ ولادته ، وأن بعضاً من تلك الدلائل كانت سابقة على ميلاده ،  وتستدل على أنه سيكون للعرب نبيهم المرتقب . . . وليس هذا بالأمر العجيب ، إذ كانت نبوة الرسول قديمة قدم ألخلق ، يقول عليه الصلاة والسلام : (( كنت نبياً وآدم بين الروح والجسد )) [2] وفي رواية ثانية للرسول صلي الله عليه وسلم  يتحدث فيها عن قدم رسالته ودلائل نبوته حين رأت أمه يوم مولده نوراً أضاء قصور الشام بقوله صلي الله عليه وسلم :

 

(( إني عند الله  لخاتم النبيين ، وإن آدم لمنجدل في طينته وسأخبركم بتأويل ذلك ، أنا دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيس بي ، ورؤيا أمي التي رأت حين وضعت أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام وكذلك أمهات النبيين يرين ))[3] .

 

و تذكر كتب السيرة الإسلامية والحديث أن اليهود اضطربوا يوم مولد الرسول ، ففي رواية لأم المؤمنين عائشة أنها قالت :

 

(( كان يهودي قد سكن بمكة فلما كان الليلة التي ولد فيها رسول الله صلي الله عليه وسلم قال : يا معشر قريش هل ولد فيكم الليلة مولود ؟ قالوا : لا نعلم قال : انظروا فإنه ولد في هذه الليلة نبي هذه الأمة بين كتفيه علامة ، فانصرفوا فسألوا فقيل لهم قد ولد  لعبد المطلب غلام فذهب اليهودي معهم إلى أمه فأخرجته لهم فلما رأى اليودي العلامة خر مغشياً عليه وقال : ذهبت النبوة من بنى إسرائيل يا معشر قريش أما والله ليسطون بكم سطوة يخرج خبرها من المشرق  والمغرب ))[4] .

 

ولم يغب على  بال المستشرق والوزير الروماني  كونستانس  جيورجيو ( المولود عام 1916) في كتابه : " نظر ة جديدة في سيرة رسول الله" ، أن يذكر أن السيد المسيح قال لحوارييه حسب رواية في إنجيل يوحنا : إنه سيأتي بعدي شخص يقويكم ويحميكم وإنه سيرسل إليكم" باركلت" لأنني لن أدعكم يتامى ، وقد أعلن المسيحيون بعد صعود السيد المسيح أن "باركلت" هو نفسه روح القدس . . . يقول جورجيو :

 

(( ويرى المسلمون أن النصارى حرفوا كلمة السيد المسيح ، لأنه قال انه سيأتي بعدي " بريكلي توس"  ومعناها باليونانية ( أحمد )وهو بمعنى ( الممدوح ) . وهو اسم نبي المسلمين . و ( محمد ) معناها الأكثر مدحاً . ويروى أن اليهود ذكروا هذه الكلمة "بريكي تول"  ويعلمون أن السيد المسيح سيخلفه ( أحمد ) ، لأن اليهود ( والعهدة على الرواية ) ليلة ولادة رسول الله صلي الله عليه وسلم اضطربوا كثيراً ، وتخوفوا من وضع آمنة))[5] .

  

طفولته  في بادية بني سعد :

 

لقد كان لطفولة الرسول صلي الله عليه وسلم في بادية بني سعد أثرها على بنيته الجسدية ومستقبلاً على تحوله الفكري ، فقد تكون في تلك البادية استعداده للتأمل الفكري منذ نعومة أظفاره ، يقول المستشرق الفرنسي آتيين دينيه في كتابه : "محمد رسول الله":

 

(( هذه الصحة الأخلاقية والجسمية التي يدين بها إلى البادية ، ساعدته كثيراً على تحمل ما ابتلي به بعد من محن .

 كان محمد يحب إعادة ذكريات تلك الفترة ، كثيراً ما كان يقول : " إن من نعم الله علي التي لا تقدر، أني ولدت في قريش أشرف القبائل، وأني نشأت في بادية بني سعد، أصح المواطن بالحجاز " وقد بقيت منطبعة في نفسه صور البادية التي كانت أول الأشياء تأثيراً في حسه عندما كان يسرح فيما مع الرعاة فيتسلق شرفاً ليلاحظ القطعان في مراعيهاً.

 

على أن استعداده للتأمل والوحدة لم يكن لينسجم مع أخلاق  أقرانه الصاخبة ، فكان يفضل اعتزالهم في ألعابهم ، ويذهب وحيداً حيث الهدوء والسكون 0))[6]  .

 

وتتحدث  كتب الحديث والسيرة عن دلائل النبوة التي ظهرت له أثناء طفولته في بادية بنى سعد التي ترويهاً حليمة السعدية ، حين حضرت إلى مكة مع نساء عشيرتها لالتماس تربية أطفال أشراف مكة حسبما درجت عليه الطبقات الأرستقراطية التي تعهد بأبنائها للمراضع من القبائل البدوية لتنشئهم التنشئة الصحية في أجواء البادية . ومن جهتهم نقل المستشرقون ممن دونوا سيرة النبي عن تلك الكتب بما يخص طفولة الرسول ودلائل النبوة .

 

ولقد جاء في كتب السيرة والحديث عن طفولته ( صلوات الله عليه ) على لسان أمه بالرضاع حليمة السعدية ، قولها :

 

« قدمت مكة في نسوة من بني سعد بن بكر نلتمس الرضعاء في سنة شهباء فقدمت على أتان لي ومعي صبي لنا وشارف لنا والله ما تبض بقطرة وما ننام ليلنا ذلك أجمع مع صبينا ولا نجد في ثديي ما يغذيه ولا في شارفنا ما يغذيه ، فقدمنا مكة فو الله ما علمت منا امرأة إلا وقد عرض  عليها رسول الله صلي الله عليه وسلم فتأباه إذ قيل إنه يتيم الأب فو الله ما بقى من صواحبي امرأة إلا أخذت رضيعاً غره ، فلما لم أجد غيره قلت لزوجي إني لأكره أن أرجع من بين صواحباتي وليس معي رضيع ، لانطلقن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه . فذهبت فإذا هو مدرج في ثوب صوف أبيض من اللبن يفوح منه المسك وتحته حريرة خضراء راقداً على قفاه يغط ، فأشفقت أن أوقظه من نومه لحسنه وجماله فدنوت منه رويداً ، فوضعت يدي على صدره فتبسم ضاحكاً ففتح عينيه ينظر إلي فخرج من عينيه نور حتى دخل خلال السماء ، وأنا أنظر فقبلته بين عينيه وأعطيته ثدي الأيمن فأقبل عليه بما شاء من لبن ، فحولته إلى الأيسر فأبى ، وكانت تلك حاله بعد . قالت فروي وروي أخوه ، ثم أخذته بما هو إلى أن جئت به رحلي ، فأقبل عليه ثدياي بما شاء الله من لبن ، فشرب حتى روي وشرب أخوه حتى روي ، فقام صاحبي تعني زوجها إلى شارفنا تلك فإذا بها لحافل فحلب فشر ب وشربت حتى روينا وبتنا بخير ليلة . فقال صاحبي يا حليمة والله إني لأراك قد أخذت نسمة مباركة ألم تري ما بتنا به الليلة من الخير والبركة حين أخذناه ، فلم يزل الله يزيدنا خيراً . قالت حليمة رضي الله عنها فودعت أم النبي صلي الله عليه وسلم  ثم ركبت أتاني وأخذته بين يدي فسبقت دواب الناس الذين كانوا معي ، وهم يتعجبون منها . م قدمنا منازل بي سعد ولا أعلم أرضاً من أرض الله أجدب منها وكانت غنمي تروح علي حين قدمنا شباعاً لبناً فنحلب ونشرب وما يحلب إنسان قطرة لبن ولا يجدها في ضرع حتى كان الحاضر من قومنا يقولون لرعانهم : اسرحوا حيث يسرح راعي غنم بنت أبي ذؤيب فتروح أغنامهم جياعاً ما نبض بقطرة لبن و تروح أغنامي شباعاً لبناً )) [7].

 

و تتحدث كتب السيرة كذلك عن خبر شق صدر الرسول صلي الله عليه وسلم  واستخراج علقة سوداء من قلبه ، مما يرمز لعصمته و تطهره ..

 

هذا، وقد علق آتيين دينه في كتابه : ((محمد رسول الله)) على حادثة  شق صدر الرسول بقوله :

 

(( سجل القرآن هذه الحادثة في قوله  ) الم نشرح لك صدرك ، ووضعنا عنك وزرك ، الذي أنقض ظهرك ... (.

 

  



[1]  القس لوازون : نقلا عن المقتطف، ج4 ، عدد7 .

[2]  أخرجه احمد و البخاري في التاريخ و أبو نعيم و الطبراني و ابن سعد و البزاز و الحاكم وصححه و اقره الذهبي عن مسيرة ، و الترمذي و صححه عن أبي هريرة.

[3]  أخرجه الإمام أحمد والبزار والبيهقي والطبرانى وأبو نعيم عن العرباض بن ساريه وصححه الهيثمي ورواه الحاكم وابن حبان وصححاه .

[4]  أخرجه الحاكم عن عائشة و حسنة ابن حجر.

[5]  ك . جيورجيو : نظرة جديدة في سيرة رسول الله ، ص 23 (ترجمة د. محمد التونجي).

[6]  آتيين دينيه و سليمان بن إبراهيم : محمد رسول الله ترجمة د. عبد الحليم محمود ، د. محمد عبد الحليم محمود ، ص 84.

[7]  رواه إسحاق و البيهقي و الطبراني و أبو نعيم و أبو يعلي و ابن راهوية عن حليمة و حسنة الهيثمي.

 

,



                      المقال التالى




Bookmark and Share


أضف تعليق

أنت بحاجة للبرامج التالية: الحجم : 2.26 ميجا الحجم : 19.8 ميجا