عربي English עברית Deutsch Italiano 中文 Español Français Русский Indonesia Português Nederlands हिन्दी 日本の
  
  

   

الأمين وبناء الكعبة

 

ولما بلغ النبي محمد صلى الله عليه وسلم من عمره الخامسة والثلاثين ، تعرضت الكعبة للهدم ، فعمدت قريش إلى بنائها ،  فلما تنازع القرشيون فيما بينهم من الذي يضع الحجر الأسود في مكانه ، اتفقوا على تحكم أول من يخرج لهم ، .. فكان صلى الله عليه وسلم أول من خرج  ، فحكم بينهم بأن يجعلوا الحجر الأسود في ثوب ثم يرفعه من كل قبيلة رجل .

 

وجاء في أحدى روايات كتب الحديث الشريف : أنهم قالوا : نحكم أول من يدخل من باب بني شيبة ، فكان أول من دخل منه ، فاخبروه فأمر بثوب فوضع الحجر في وسطه ، وأمر كل فخذ من قبائل قريش بأن يأخذ بطائفة من الثوب فرفعوه م أخذه فوضعه بيده الشريفة )) [1] .

 

وقد استرعت هذه الحادثة انتباه المستشرق الألماني أغسطينوس موللر ( 1148- 1894) الذي درس اللغة العربية في فيينا ،  فتوقف عندها ملياً ، وقال في كتابه « الإسلام » :

 

(( ذكر أن قريشاً هدمت الكعبة ، وكان النبي هو ابن -35-  منة يشتغل معهم ، وتعرض لتنازع  قريش برفع الحجر الأسود فيضعه مكانه ، ثم تعرض لسياسة النبي محمد في هذا المقام وأنه أدهش قريشاً بسياسته الرشيدة .

 

ولقد راح بعض المستشرقين يعلق على هذا الحادث تعليقات مليئة بالتقدير والإعجاب لهذه الشعلة العبقرية التي مكنت محمدأ من تفهم الموقف بسرعة عظيمة ، والتوسل بهذه الحيلة البريئة إلى إرضاء زعماء قريش جميعاً )) [2] .

 

كما توقف الأب هنري لامنس عند هذه الحادثة فقال : (( لما اختلفت قريش في قضية بناء الكعبة ، وأي فخذ منها يجب أن يعهد إليه بوضع الحجر الأسود في مكانه ، وكادوا يقتتلون ، فاتفقوا على أن يعهدوا بذلك إلى محمد بن عبد الإله الهاشمي ، قائلين هذا هو الأمين )) [3].

 

حادثة بناء الكعبة مقدمة النبوة

 

لقد ربط المستشرق الأسوجي أرثر جيلمان في كتابه : « الشرق » بين هذه الحادثة التي منعت اقتتال القبائل العربية التي هي بطون لقريش ووحدت إرادتهم في بناء الكعبة ، وبين المرحلة اللاحقة لبدء البعثة ، والتي تشكل مقدمة للنبوة بقوله :

 

(( لا بد أن يكون محمد قد تأثر بإعجاب القوم وتقديرهم العظيم هذه الفكرة التي بسطت السلام بين مختلف القبائل ، ولا يبعد أن يكون محمد قد أخذ يحس بنفسه أنه من طينة أرقى من معاصريه ، وأنه يفوقهم جميعاً ذكاءً وعبقرية ، وأن الله قد اختاره لأمر عظيم  وقد اتفق المؤرخون على أن محمداً كان ممتازاً بين قومه بأخلاقه جميلة ، من صدق الحديث ، والأمانة ، والكرم وحسن . الشمائل و التواضع ، حتى  سماه أهل بلده – الأمين – و كان من شدة ثقتم به يودعون عنده  ودائعهم وأماناتهم ، و كان لا يشرب الأشربة المسكرة لا يحضر للأوثان عيداً ولا احتفالاً)) [4] .

 

أجل ، لقد شهر عن الرسول ابتعاده عن الوثنية السائدة في قريش ، وكان دائم التفكير في أحوال أمته ، ينأى عن كل أسباب التلوث الفكري والعملي ، فعصمته إرادة الله عن ارتكاب المعاصي ، يأنس في نفسه الحدس فيما هو مقبل عليه ، بمرحلة تأمله في الحقيقة الأزلية لسر الوجود وجوهر الألوهية . . . . يقول المستشرق كادا دوفيك (1805_1877) في مؤلفه : « مفكرو الإسلام » :

 

(( أن محمداً من سن الخامسة والعشرين إلى الأربعين كان كثير التفكير هادئاً ساكناً، وكان حليماً تقياً حسن الأخلاق ، وانه عندما بلغ الأربعين توجهت جميع قواه العقلية إلى جهة التأمل في جوهر الألوهية ، والبحث عن الحقيقة الدينية ومذ ذاك أخذ يعتزل الناس ويخلو بنفسه في غار حراء بقرب مكة )) [5] .

 



[1]  رواه احمد و أبو داود الطياسي و البيهقي و أبو نعيم و يعقوب بن سفيان و حسنة الهيثمي.

[2]  اغسطينوس موللر : الإسلام.

[3]  هنري لامنس : عهد الإسلام ، ص65.

[4] اثر جيلمان : الشرق ، ص 117.

[5]  كاد دوفيك : مفكروا الإسلام.




                      المقال السابق                       المقال التالى




Bookmark and Share


أضف تعليق

أنت بحاجة للبرامج التالية: الحجم : 2.26 ميجا الحجم : 19.8 ميجا