عربي English עברית Deutsch Italiano 中文 Español Français Русский Indonesia Português Nederlands हिन्दी 日本の
  
  

   

رحمته بالأمة

رحمته بالأمة تتجلى في:بكائه من أجلها .ودعائه على من شق على أمته .وضمانه الدين لمن ترك ديناً

و شفاعته للأمة .ويسأل ربه التخفيف على الأمة ولا يأمرهم بما يشق عليهم ويترك المداومة على بعض العبادات رحمة بهم ويغضب إذا فعل ما يكون في اتباعه مشقة على أمته ويتجوز في العبادة خوف المشقة .

بكائه من أجلها .

ما زال أمر أمته يؤرقه ، ويقلق مضجعه .. فهو وإن كان العبد الشكور الذي يقضي ليله صافـاً قدميه بين يدي رب العالمين يرجو رحمته ، فهو يجتهد بالدعاء لطلب نجاتها ، بل وتسيل عبراته خوفاً عليها ، حتى تأتيه البشارة من ربه بإرضائه وعدم إساءته في أمته ..

فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم (( رب إنهن أضللن كثيراً من الناس فمن تبعني فإنه مني )) ... الآية . وقال عيسى عليه السلام (( إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم )) فرفع يديه وقال : اللهم أمتي أمتي وبكى فقال الله عز وجل : يا جبريل اذهب إلى محمد  وربك أعلم فسله ما يبكيك فأتاه جبريل عليه السلام فسأله ، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال وهو أعلم فقال الله : ( يا جبريل اذهب إلى محمد فقل إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك )1 ( قال صاحب التحرير هو تأكيد للمعنى أي لا نحزنك لأن الإرضاء يحصل في حق البعض بالعفو عنهم ويدخل الباقي النار فقال تعالى : نرضيك ولا ندخل عليك حزنا بل ننجي الجميع )2 .

وهذا الإرضاء من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم يترجم في صور عدة . منها إدخال أمته الجنّة ، واختصاص نبينا بالشفاعة لأمته ، وهذه الشفاعة وإن كانت اختصاص واصطفاء من الله لإعلاء مقام نبيه دون غيره من الأنبياء ، إلا أنها أيضاً مظهر من مظاهر رحمة النبي بهذه الأمة ، في الدنيا والآخرة .

ففي الدنيا عندما خيّره ربه بين إدخال نصف أمته الجنّة أو الشفاعة لأمته جميعاً فاختار الشفاعة ، فرحمته بهذه الأمة تأبى عليه أن يرى نصفها الآخر لا ينالون رحمة الله ، فعمت رحمته الجميع ، فاختار الشفاعة وحرص أن ينالها كل مؤمن ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( أتاني آتِ من ربي فخيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنّة وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة ، وهي لمن مات لا يشرك بالله شيئاً )3 .

ومظهر رحمته في الآخرة بانكبابه ساجداً بين يدي رب العزة والجلال ، ويناجي ربه أمتي .. أمتي وكل الخلائق يقولون نفسي نفسي ...

حتى من اختصهم الله بحمل رسالته ، من أولي العزم من الرسل تتوجه إليهم الخليقة لعلهم يشفعون لهم عند ربهم وكل منهم يقول نفسي نفسي حتى يصلون إلى محمد صلى الله عليه وسلم فيقول أنا لها أنا لها فيذهب فيسجد تحت عرش الرحمن ( ثم يقال يا محمد ارفع رأسك سل تعطه واشفع تشفّع – فيقول صلى الله عليه وسلم : فأرفع رأسي فأقول : أمتي يا رب أمتي يا رب ، فيقال يا محمد ادخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس في سوى ذلك من الأبواب )1  وفي رواية  ( ثم أشفع فيحد لي حداً فأدخلهم الجنّة ثم أعود الرابعة فأقول ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ووجب عليه الخلود )2 .

وضم إلى شفاعته لأمته دعوته المستجابة فقد قال صلى الله عليه وسلم : ( لكل نبي دعوة فدعا بها واستجيب ، فجعلتُ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة ) وظاهر الحديث ( أن لكل نبي دعوة مستجابة فقط ، والجواب أن المراد بالإجابة في الدعوة المذكورة القطع بها ، وما عدا ذلك من دعواتهم فهو على رجاء الإجابة ... _ وفي هذا الحديث أيضاً _ بيان فضل نبينا صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء حيث آثر أمته على نفسه وأهل بيته بدعوته المجابة ولم يجعلها أيضاً دعاءً عليهم بالهلاك ... )1.

قال النووي ( فيه كمال شفقته على أمته ورأفته بهم واعتناؤه بالنظر في مصالحهم فجعل دعوته في أهم أوقات حاجتهم )2 .

ومن مظاهر رحمته بأمته أنه يسأل ربه التخفيف على أمته في التكاليف :

كما حدث ذلك في فرض الصلاة فبعد أن فرضت خمسين صلاة ما زال النبي يراجع ربه حتى غدت خمس صلوات .1

وكان يتجنب كل أمر أو فعل فيه مشقة على أمته ،

كقوله : ( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة )2 .

وقال في صلاة العشاء ( ولولا الضعيف والسقيم أحببت أن أؤخر هذه ، الصلاة إلى شطر الليل )3

وامتنع من الخروج في الليلة الثالثة من رمضان لما كثر الناس وقال : ( قد رأيت الذي صنعتم ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أنني خشيت أن تفرض عليكم )4 .

قال الحليمي ( والمعنى أن يفرض عليكم ..فلا ترعوه حق رعايته فتصيروا في استيجاب الذم أسوة من قبلكم وهذا كله رأفة ورحمة ، صلى الله عليه وسلم وجزاه عنّا أفضل ما جازى رسولاً ونبياً

عن أمته )5 .

وقالت عائشة : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم : كان يترك العمل وهو يحب أن يعمله خشية أن يستن به الناس فيفرض عليهم ، وكان رسول الله صلى الله عيه وسلم يحب ما خف على الناس من الفرائض )1 .

وإن صدر منه عمل رأى أنه ربما شق على الناس ، لام نفسه لذلك ، فعنها رضي الله عنها قالت : خرج النبي صلى الله عليه وسلم من عندي وهو قرير العين طيب النفس فرجع إلي وهو حزين فقلت له فقال : ( إني دخلت الكعبـة وودت أني لم أكن فعلت إني أخاف أن أكـون أتعبت أمـتي من

بعدي )2 .

ويتعدى هذا الغضب لكل من شق على المسلمين في أداء عبادة ، كما قال لمعاذ : ( أفتان أنت يا معاذ وغضب غضباً شديداً ... )3 .

 

وقد خص صلى الله عليه وسلم أفراد من أمته برحمة فائقة ، ورعاية حانية .. لكونهم لا يَحضون بعناية و رعاية كافية من المجتمع فلربما أغفلتهم الأنظار ، لضعف حالهم وليس وراء على ذلك مردود مادي ... فرتب عليه الصلاة والسلام على العنايـة بهم ورعايـة شئونهم الأجور العظيمة وحذّر من إغفـال شئونهم ، بل جعل ذلك حق واجب لهم .

فأوجب عيادة المريض وتشييع الجنازة ، وكفالة اليتيم إلى غير ذلك من مظاهر الحرص على رعاية الضعفاء في المجتمع1 .

وتعدت رحمته لكل فرد ألمت به عوارض الزمان ، فاحتاج للاستدانة من أموال الغير ثم جهد في سدادها ، فوافاه الأجل قبل ذلك .. فتعهد النبي صلى الله عليه وسلم بسدادهــا...

لعلمه صلى الله عليه وسلم خطورة التعرض لأموال الناس ، وحقوقهم دون ضمان لها .. وكان لا يصلي على من مات وعليه دين لم يسدد ، حثاً للناس على سداد حقوق الغير لينالوا شرف صلاته عليهم ثم لما فتح الله على بيت أموال المسلمين تصدى النبي لكل صاحب دين لم يستطع سداده بسداد دينه من بيت مال المسلمين فقال صلى الله عليه وسلم : ( أنا ولي المؤمنين من أنفسهم فمن توفي من المؤمنين فترك ديناً فعلي قضاؤه )2 .

ثم انظر رحمك الله إلى حرصه على إيصال الأجر لكل مسلم لم يستطع شراء أضحية ليضحي بها ..

بسبب الفقر ، فقد حرص المصطفى صلى الله عليه وسلم على أن ينال من الأجر مثل ما نال إخوانه المضحين فهاهو ذا يضحي بكبشين فقال في أولها : ( اللهم لمحمد وآل محمد ) وقال في آخرهما : ( اللهم عن محمد وعن من لم يضح من أمة محمد )3  ( وهو يدل على أن أمته أمواتهم وأحياءهم قد نالهم النفع والأجر بتضحيته )4 .

( قال الحليمي : وهذا أبلغ ما يكون من البر والشفقة )5 .

ويسترسل الحديث بنا في ذكر رحمته ... فننـتقل إلى تخصيص هذه الرحمة ، من كونها للأمة بعامة إلى من عاش في عصره من أصحابه رجالاً و نساءً وأطفالاً وخدماً وعبيداً وكفاراً ومنافقين لنرى كيف كانت رحمته بهم .

 

 

 

 

 

 



1 مسلم رقم 202

2 شرح النووي لمسلم 3 / 79 

3 بخاري 6305

1 بخاري 1712

2 البخاري 4476

1 الفتح 12 / 374

2 شرح النووي على مسلم 3 / 75 والفتح 12 / 375

1 انظر مسلم 162

2 مسلم 252

3 انظر صحيح ابن ماجة 567

4 بخاري 924

5 شعب الإيمان 4 / 68

1 البخاري 1128 ومسلم 718

2 رواه الترمذي وقال حسن صحيح 873

3 انظر البخاري 705

1 انظر كتاب منهج القرآن في رعاية الضعفاء  لعماد حافظ .

2 بخاري 2398

3 أبو داود 2810 ، و الترمذي 1521

وفي سنده كلام انظر مجمع الزوائد 4 / 22

4 الفروع لابن مفلح ( فصل في القُـرَب وجعل ثوابها للميت ) .

5 شعب الإيمان 4 / 68




                      المقال السابق                       المقال التالى




Bookmark and Share


أضف تعليق

أنت بحاجة للبرامج التالية: الحجم : 2.26 ميجا الحجم : 19.8 ميجا