عربي English עברית Deutsch Italiano 中文 Español Français Русский Indonesia Português Nederlands हिन्दी 日本の
  
  

   

رحمته بأصحابه

 

تنوعت مظاهر رحمته بأصحابه في مواقف شتى ، وفي مجالات متعددة من الحياة اليومية.

 فالجهاد ، وإن كان فيه مشقة و عسر إلا أنه رحمة لهم ليرفع به درجاتهم ، ويعلي منـزلتهم ويعـوِّدهم على العزة والكرامة .. فهو رحمة بهذه المعايير إلا أن النبي يزيده معايـير أخرى لتظهـر بها شفقته ورحمتــه بأصحابه .

فلا يخرج في كل سرية حتى لا يشق عليهم كما قال صلى الله عليه وسلم : ( لولا أن أشق على أمتي لأحببت أن لا أتخلف خلف سرية )1 .

ويخرج في حصار الطائف ، فلم يفتحها فقال إنا قافلون غداً إن شاء الله فقال المسلمون نقفل ولم نفتح قال فاغدوا على القتال فغدوا فأصابتهم جراحات قال النبي صلى الله عليه وسلم  : إنا قافلون غداً إن شاء الله فكأن ذلك أعجبهم فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم )2 .

وكان يحرص أشد الحرص على عدم إيقاعهم في الحرج في عدم قيامهم بحقه . فالخطر كل الخطر أن لا يوافوه حقه ..

فإن تلكئوا في تنفيذ أمره رحمهم .. فهاهو يوم الحديبية عندما أمرهم بحل إحرامهم وذبح هديهم .. تلكئوا رغبة في إيفاء وعده بدخول المسجد الحرام كما أخبرهم برؤياه ورأيا الأنبياء حق .. فدخل صلى الله عليه وسلم مغضباً على أم المؤمنين أم سلمة فأخبرها بحالهم فأشارت عليه بأمر لو فعله ما كان منهم متخلف عنه فكان ما أشارت به رضي الله عنها1...

إلا أن في هذه القصة منحى آخر ، وهو عدم تـثريب النبي عليهم أو شدته عليهم فلم يرِد أنه عنّفهم أو أظهر نقصهم كل ذلك رحمة بهم … ولا يريد أن يكون للشيطان عليهم طريقاً وكان صلى الله عليه وسلم شديد الحرص على أن لا يكون للشيطان عليهم سبيلا فها هو مع أم المؤمنين صفية في إحدى ليالي رمضان يوصلها إلى بيتها بعد أن قضت زيارتها له في معتكفه بالمسجد النبوي .. وإذ برجلين من أصحابه يتراجعان بعد أن رأيا النبي سائراً في طرقات المدينة مع تلك المرأة ، فقال لهما على رسلكما إنها صفية ، قالا سبحان الله يا رسول الله ، قال أعلم أن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم ، فخشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً أو قال شراً )2 .

 

ولا يزاحمهم فهو يسارع بتعليمهم ما ينجيهم من الإثم رحمة بهم ...

ومن الأمور التي ربما توقع الصحابة في حرج ، فلا يقومون بحقه صلى الله عليه وسلم مزاحمته في أمر من الأمور ، فكان يترفع أن يزاحمهم رحمة بهم فعن عائشة قالت : ( طاف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع حول الكعبة على بعير يستلم الركن كراهية أن يضرب عنه الناس )3 .

وإن غضب النبي فبدر منه سب وشتم لأحد من المسلمين فهو أمر خطير وويل ماحق يقع على ذلك المسلم ، أن يناله شتم النبي صلى الله عليه وسلم ، لذلك دعا النبي صلى الله عليه وسلم ربه أن يجعل شتمه للمسلمين زكاة ورحمة لهم .

فعن عائشة رضي الله عنها قالت : دخل عليّ النبي صلى الله عليه وسلم بأسير فلهوت عنه فذهب فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما فعل الأسير قالت : لهوت عنه مع النسوة فخرج فقال مالك قطع الله يدك أو يديك فخرج فأذن به الناس فطلبوه فجاءوا به . فدخل عليّ وأنا أقلِّب يدي فقال مالك أجننت قلت : دعوت عليّ فأنا أقلب يدي أنظر أيهما يقطعان . فحمد الله وأثنى عليه ، ورفع يديه وقال : ( اللهم إني بشر أغضب كما يغضب البشر فأيما مؤمن أو مؤمنة دعوت عليه فاجعله له زكاةً وطهوراً )1 . وفي الصحيحين ( اللهم أتخذ عندك عهداً لن تخلفه فإنما أنا بشر فأي المؤمنين شتمته أذيته لعنته جلدته فاجعلها له صلاة وزكاة وقربةً تقربه بها إليك يوم القيامة )2 وعند مسلـم

( فاجعلها له زكاةً ورحمة )3 .

قال النووي ( هذه الأحاديث مبنية على ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من الشفقة على أمته والاعتناء بمصالحهم والاحتياط لهم والرغبة في كل ما ينفعهم ... وإنما يكون دعاؤه عليهم رحمة وكفّارة وزكاة ونحو ذلك إذا لم يكن أهلاً للدعاء عليه والسب واللعن ونحوه ، وكان مسلماً وإلا فقد دعا صلى الله عليه وسلم على الكفار والمنافقين ، ولم يكن ذلك لهم رحمة )4 .

وهذه الرحمة بأصحابه نالتهم حتى بعد وفاتهم ، فإن مات منهم أحد حزن من أجله وبكى عليه وحرص على الصلاة عليـه ، بل كان يتفقد قبور أصحابـه فمـا رأى منهـا جديداً سأل عنـه لمن هـو ويصلي عليه ..

فقد بكى على عثمان بن مضعون عند وفاته حتى سالت دموعه كما روت ذلك عائشـة رضي الله عنها 1 .

وكان يوصيهم إذا توفى أحدهم أن يؤذنوه ليصلي عليه ، فعن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أنه قال : اشتكت امرأة بالعوالي مسكينة فكان النبي صلى الله عليه وسلم يسألهم عنها ، وقال إذا ماتت فلا تدفنوها حتى أصلي عليها ، فتوفيت فجاءوا بها إلى المدينة بعد العتمة ، فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نام فكرهوا أن يوقظوه فصلوا عليها ، ودفنوها ببقيع الغرقد ، فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءوا فسألهم عنها ، فقالوا قد دفنت يا رسول الله وقد جئنا فوجدناك نائماً فكرهنا أن نوقظك ، قال : فانطلقوا فانطلق يمشي ومشوا معه حتى أروه قبرها ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصفوا وراءه فصلى عليها وكبر أربعاً )2 .

وفي رواية أنه رأى قبراً جديداً فسألهم فقالوا هذه فلانة مولاة بني فلان فعرفها رسول الله .. ماتت ظُهراً وأنت نائم قائل فلم نحب أن نوقظك .. ثم قال : ( لا يموت فيكم ميت مادمت بين أظهركم إلا آذنتموني به فإن صلاتي له رحمة )3 .

وعند مسلم ( إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها ، وإن الله عز وجل ينورها لهم بصلاتي عليهم )4

 

 

 

 

 

 

 



1 مسلم 1876

2 بخاري 4325

1 -

2 البخاري 2038

3 مسلم 1274

1 المسند ورجاله ثقات  وآخره عند مسلم 2600

2 مسلم 2101

3 مسلم 2601

4 نووي شرح مسلم 16 / 151 ، 152

1 انظر صحيح ابن ماجة 1191

2 النسائي 1943 وابن ماجة 1528

والحديث عند مسلم 956

3 النسائي 1995 وسنده رجاله ثقات .

4 مسلم 956




                      المقال السابق                       المقال التالى




Bookmark and Share


أضف تعليق

أنت بحاجة للبرامج التالية: الحجم : 2.26 ميجا الحجم : 19.8 ميجا