عربي English עברית Deutsch Italiano 中文 Español Français Русский Indonesia Português Nederlands हिन्दी 日本の
  
  

   

حسن الخلق مفتاح الدراين

قال أبو هريرة: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يجلس معنا في المجلس يحدثنا، فإِذا قام قمنا قياماً حتى نراه قد دخل بعض بيوت أزواجه، فحدَّثنا يوماً فقمنا حين قام، فنظرنا إلى أعرابيّ قد أدركه فَجَبَذَهُ بردائه فحمَّر رقبته، قال أبو هريرة: وكان رداءً خشناً، فالتفت فقال له الأعرابي: احمل لي على بعيريَّ هذين، فإِنك لا تحمل لي من مالك ولا من مال أبيك، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم: لا، وأستغفر اللّه، وأستغفر اللّه، لا، وأستغفر اللّه لا أحمل لك حتى تقيدني من جبذتك التي جبذتني. فكلُّ ذلك يقول له الأعرابي: واللّه لا أقيدكها، فذكر الحديث قال: ثم دعا رجلاً فقال له: احمل له على بعيريه هذين: على بعيرٍ شعيراً وعلى الآخر تمراً. ثم التفت إلينا فقال: انصرفوا على بركة اللّه.

 

هذه أخلاق النبي، فمن منا يحسنها؟ أتاه الأعرابي فظا غليظا يشده من ياقة ثوبه صلى الله عليه وسلم حتى احمرت رقبته فيأمر النبي أن يعطيه فلا المال ماله ولا مال أبيه!! ومع هذا يرد النبي بلطف، ويؤيده الرأي بأنه ليس ماله ولا مال أبيه، ويأمر له بالشعير والتمر! هل يمكنك أن تتخلق بخلق النبي؟ رائع لو استطعت ولو بعضا منه.

 

إن كنت صادقا فلا تتزلف للتقرب من أحد، لم ير النبي يفعل هذا في حياته ولو مرة، لا قبل البعثة ولا بعدها، قال صلى اللّه عليه وسلم: أنا زعيمٌ ببيتٍ في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقّاً، وببيتٍ في وسط الجنة، لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وببيتٍ في أعلى الجنة لمن حسَّن خلقه. كن محترما يحترمك الناس، ابن لنفسك شخصية هادئة، الناس تنفر من ذوو الشخصيات القوية والقاسية والصلبة، فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159[1]))، كن مثل النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، لين الخلق، قريب من الناس، قريب من الله، قريب من النبي يوم القيامة، فقد قال صلى الله عليه وسلم: أقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا. بها تكسب الجنة قريبا من النبي صلى الله عليه وسلم، وبها تكسب الناس ومحبتهم، يقول نزيه مطرجي الدين حُسن الخلق، وإن مثَل حسن الخلق في الدين كمثل اللآلئ في المحار، واللّباب في الثمار؛ وإذا تجرّد المؤمن من مكارم الأخلاق ومحاسن الصفات لم يبق من دينه إلا الصورة والشّعائر، ولم يبق من طبعه إلا الشكل والمظاهر. فالدين كلّه خُلق، ومن سبقك في الخلق، سبقك في الدين.

 مثلما يُعنى المرء بجسده المنسوب الى الطّين، ينبغي أن يُعنى بتجميل نفسه وتطهير روحه المنسوبة الى رب العالمين. إن الخُلق الذي يُعتدّ به يجب أن يكون هيئة راسخة في النفس، كما يقول الإمام الغزالي: تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر، من غير ما حاجة إلى رويّة وفكر. يمكنك أن تتعلم حسن الخلق، قال النبي: العلم بالتعلم، والحلم بالتحلم، يمكنك أن تتعلم كيف تخالق الناس بخلق حسن، وأن تصبر على أذاهم، فما تحصده من أجر الله أعظم، ومن النجاح والسعادة في الدنيا أكبر، الهدف من قراءتك تلك الكلمات ليست أن تقرأها فحسب، إنما لتتعلمها، و تفعلها، تجرب تطبيقها، وتسير بها، فالمؤمن كما أخبرنا النبي الكريم صلى الله عليه ويسلم يدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم، وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما من شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق. قال أيضا صلى الله عليه وسلم: لا يدخل الجنة الجواظ، ولا الجعظريُّ. (الجوَّاظ الغليظ الفظُّ) ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: إن اللّه [تبارك وتعالى] رفيقٌ يحبُّ الرفق، ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف. وقال صلى الله عليك وسلم: قال: لا يشكر اللّه من لا يشكر الناس. وقال أيضا صلى اللّه عليه وسلم: من أُعطي عطاءً فوجد فليجز به، فإِن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره.

قال الغزالى عليه رحمة الله جمع بعضهم علامات حسن الخلق فقال هو ان يكون كثير الحياء قليل الاذى كثير الصلاح صدوق اللسان قليل الكلام كثير العمل قليل الزلل قليل الفضول برا وصولا وقورا صبورا شكورا رضيا حكيما رفيقا عفيفا شفيفا لا لعانا ولا سبابا ولا نماما ولا مغتابا ولا عجولا ولا حقودا ولا بخيلا ولا حسودا بشاشا هشاشا يحب في الله ويبغض في الله ويرضى في الله ويغضب في الله فهذا هو حسن الخلق.

 

تريد أن تعرف نموذجا نجح في حياته لحسن الخلق، انظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، كان يحسن إلى الآخرين حتى ان أساءوا له، قال أنس خادم الرسول صلى الله عليه وسلم: ولقد خدمت النبي عشر سنين فما قال لى قط أف ولا قال لشئ فعلته لما فعلته ولا لشئ لم افعله إلا فعلت كذا،  وعن انس قــال بينما نحن مع رسول الله في المسجد إذا جاء أعرابي فقام يبول في المسجد فقال أصحاب رسول الله مه مه فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام لا تزرموه فتركوه حتى بـــــال فدعاه النبي عليه الصلاة والسلام وقال له إن هذه المساجد لا تصلح لشئ من هذا إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرءان. وأمر رجلا أن يأتي بدلو من ماء فشنه عليه. و قالت عائشه رضى الله عنها ما ضرب رسول الله شيئا قط بيده ولا امرأة ولا خادما إلا أن يجاهد في سبيل الله وما انتقم لنفسه قط.

 

من قبل ذكرنا موقف أهل الطائف مع النبي صلى الله عليه وسلم، ضربوه، سلطوه عليه أطفالهم يرمونه بالحجارة، ثم أرسلوا إلى أهل مكة يقلبونهم عليه حتى لا يستطيع الرجوع إليها فيدخلها، لم ينتقم عندما أتته الفرصة ليفعل ونزل عليه الملك يطلب منه أن يطبق عليهم الجبلين، بل دعا لذريتهم بالخير، دخل أبناؤهم في الإسلام كما تمنى وأخبر. حدث هذا أيضا مع أهل مكة، بشكل أخر، خرج منها هربا بدينه ونفسه من القتل، وعاد إليها فاتحا منتصرا، لكنه طأطأ الرأس تواضعا، لم ينتقم منهم بل تركهم، و قال: يغفر الله لكم! فهل بعد هذا الخلق من خلق! كن مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالنجاح يأتي من هذا الطريق.

حكي عن إبراهيم بن ادهم أن يهوديا قال له: يا إبراهيم هل لحيتك هذه أفضل عند الله أم ذيل الكلب قال: إن كانت في الجنة فهي أفضل وان كانت في النار فذيل الكلب أفضل فقال اليهودي: اشهد أن لا اله الا الله واشهد ان محمد رسول الله، صبر إبراهيم كما صبر محمد صلى الله لعيه وسلم ففاز، واسلم الرجل. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ليس القوي بالصرعة،إنما القوي من يملك نفسه عند الغضب. أتظن أن الحديث نصيحة؟ ليس كذلك هو، بل قاعدة كونية، موجودة ولا نعرفها لإنها غير مادية، لا تقاس ولا تختبر، إنما يمكنك تلمس نتائجها مثلما حدث مع النبي، وغيره أيضا، النبي فقط من هو دلنا عليها، ان كنت قويا فلا تغضب، وان كنت قويا فتمالك نفسك عند الغضب.  قال رجل للفضيل بـن عياض: فلان يخوض في عرضك قال: والله لاغيظنه فقال الرجل: تغيظ من؟ قال: الشيطان فرفع يديه وقال اللهم إن كان صادقا فاغفر لي وان كان كاذبا فاغفر له! في موقف أخر شتم رجل أبا ذر رضي الله عنه، فرد عليه أبا ذر: إن بيني وبين الجنة عقبه إن جزتها فانا خير مما تقول وان عرج بي دونها إلى النار فانا شر مما قلت, فانته أيها الرجل فانك تصير إلى من يعلم خائنته الأعين وما تخفي الصدور. وشتم رجل ابن عباس فقال له: يا عكرمه انظر هل للرجل حاجه فنقضيها ,فنكس الرجل رأسه واستحى.

 

شاهدت برنامج في أحد القنوات الفضائية من داخل سجن، كانت الفرصة لنزلاء السجن أن يحكوا أسباب دخلوهم إليه، استمعت لما قالوا، جميعهم، بلا استثناء يمكنك أن تشعر منهم أنهم مظلومين، أن الآخرين جنوا عليه، هم لم يفعلوا ما اتهموهم به، والذين فعلوا واعترفوا اعتبروا جرائمهم رد فعل على ظلم وقع عليهم، نحن لم نتعدى على أحد، ولم نظلم أحدا، ما فعلناه كان رد فعل على الظالمين، دارت أحاديثهم حول نفس المعنى، لم أتعجب للأمر، لكنني تأملته، هو ليس قاصرا على  نزلاء هذا السجن، كلنا هؤلاء الناس، كلنا نشعر أننا ضحايا، منا من يصبر فلا يكون له ردة فعل، ومنا من يتحرك ببطئ وبخوف، ومنا من يقترف إثما، والجميع، نحن جميعنا نظن أننا ضحايا، فهل هى حلقة من الضغط تمارس كل منا، كلا في مساره أو مداره؟ وعندما تصل إليك فأنت تمارسها على غيرك ربما الأضعف منك، ربما نظرت لغيرك نظرة تؤذيه، أو كلمة ترديه! ربما نسيت حقا لغيرك، وتدور الحلقة بين أفراد المجتمع، وبين السلطة (كالمديرون) والناس أكثر، فهل الجميع ضحايا! عندما ينهار المجتمع يمكنك أن تقول أن الجميع ضحايا، فالضغط يصب صبا من أعلى لأسفل، وتدور دائرة قاسية على الناس. يعتقدون أنهم جميعهم ضحايا، بمن أخطأ ومن أصاب.

 

الحل ليس في أن تسكت، ولا أن يكون لك رد فعل تجاه الآخرين، فان انت استمتع للضحية تعاطفت معه، وان انت استمعت للجاني شكوت قسوة الزمن والناس عليه، كلنا ضحايا، كلنا معذبون، الحل، أروع الحلول فيما وجدته عند الرسول، هو أن تتسامح، أن تنقى قلبك، أن تشعر من يعتدي عليك بموقفك،توضح له أنك انما سكت رغبة فيما عند الله،، وما عند الله خير لك، أن تشعره بصفاء قلبك مع قدرتك على الرد، على حكمتك في التسامح، على فكرك في نهجك الذي تتبعه، على انك تريد ما عند الله، عمر بن ذر لقي الأذى من شخص فقال له: يا هذا لا تفرط في شتمنا وأبق للصلح موضعا فانا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه. إنها فلسفة تشعرك بأن الأخر ليس بأضعف من الرد عليك منك، ولا أضعف من الأخذ بحقه عليك، إنما يقول لك أنني سأطيع الله فيك ولن أؤذيك مثلما فعلت، بل وأريد أن تبقى موضعا للصلح لأني حريص عليك، على علاقتي معك، وحبي لك! إنها فلسفة تلاميذ النبي.

شاهد تلك القلوب الصافية النقية، قلوب تريد الجنة، تترفع عن الدنيا، تراها في منزلة سفلية لا تستحق هى الهبوط إليها لهذا الدرك الذي يأخذنا لأسفل، يهبط بنا في الرذيلة والنار من أجل عيونها! الأعجب في تلك القلوب ليس فقط أن تتسامح مع من ظلمها، بل وتدعو لهم أيضا، وربما تزيده من الخير، فكم سمعنا في سير الصالحين عن لصوص سرقوهم فزادوهم! سرق فرس ثمين للربيع ابن خثعم، عندما بلغه الخبر رفع يديه إلى السماء توقع الناس أنه سيدعو على السارق فدعا: اللهم إن كان غنيا فاغفر له وان كان فقيرا فاغنه. لم أرى منهجا أفضل من منهج النبي لعلاج الظلم في المجتمع، حتى وإن كنت مظلوما، أنا وانت و الآخرين، فإن ما نرجوه من الله في الصفح أفضل مما نرجوه من استرجاع الحق.

 

لا تفهم من كلامي أنه دعوة للتنازل عن حقك، من حقك الحصول على الحق،  فإنما اهلك من كان قبلكم انه إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وان سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحق، لكنها دعوة للتسامح، لتنقية القلوب حتى وأنت تأخذ حقك، ففي حين دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة بعد طول تشريد له وتعذيب ومصادرة الأموال من أصحابه، فقد سامحهم، بل ودعا لهم أيضا بأن يغفر الله لهم، ترفع عن الدنيا وسامح من أساء إليك حتى وان طالبت بحقك، اسمها دنيا أى سفلى أقل من أن تشغل نفسك بصراعاتها وتنغمس فيها فتنسى ما هو أفضل لك وهى الجنة، تلك الكلمة التي وعد رسول الله بها شباب المدينة في بيعة العقبة فقاموا وغيروا التاريخ! أنت أيضا يمكنك أن تتغير إن غيرت المفاهيم.

--------------------------------------------------------------------------------

[1] 159 ال عمران




                      المقال السابق                       المقال التالى




Bookmark and Share


أضف تعليق

أنت بحاجة للبرامج التالية: الحجم : 2.26 ميجا الحجم : 19.8 ميجا