خلَق الله الإنسان مميَّزًا بصفاتٍ وطبائعَ عدَّةٍ، وفطَره على أمور يُعرف بها؛ كحبِّه للمال، وتعجُّله للخير، وحاجته للحُب والاهتمام والتشجيع، وغير ذلك مما يعرفه علماء النفس، ويتحدث به أصحاب التنمية البشرية اليوم. أما مدرستنا النبوية، فقد علِمتْ ذلك منذ زمن بعيد، وتعاملت مع ذلك الإنسان تعاملاً راقيًا؛ فصار بعدها ذلك الإنسان السماويَّ الذي أقام الحضارة، وعلَّم الدنيا، ونفَع الناسَ جميعًا! والآنَ لنا أن نأخذ بعض المواقف - لأننا لا نملك أن نحصي المواقف العطرة كلَّها - كي نضعها أُنموذجًا ومثالاً نسير عليه، ونُهديه لأجيالنا؛ كي يترقَّوْا ويسلكوا الطريق إلى السعادة، وإلى رضوان الله، ولقد رأينا في تلكالمواقفِ صُوَرًا رائعة من مراعاة طبيعة البشر من نواحٍ عدة: إبداء الاهتمام:كان رسولنا - صلَّى الله عليه وسلَّم - يُظهر اهتمامَه بكل فرد على حِدَةٍ، وكان لذلك قيمتُه الكبرى في المجتمع المسلم؛ إذ يشعر الفرد حينذاك بأهميته وبما يملك من طاقات؛ فيسعى لخدمة دينه وأهله ومجتمعه، فها هو زاهرٌ الذي يروي لنا أنس - رضي الله عنه - حديثَ رسول الله معه وكيف رفع قيمته، وعرَّفه قدره عند الله. عن أنسٍ: أن رجلاً من أهل البادية كان اسمه زاهرًا يُهدي النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - الهدية من البادية، فيجهِّزه النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - إذا أراد أن يخرج، فقال رسول الله: ((إنَّ زاهرًا باديتُنا ونحن حاضروه))، وكان رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يحبه وكان رجلاً دميمًا، فأتاه رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهو يبيعُ متاعه، فاحتضنه من خلفه ولا يبصره الرجل، فقال: أرسلني، مَن هذا؟ فالتفت فعرف النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فجعل لا يألو ما ألصق ظهره بصدر النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - حين عرَفه، وجعل رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((من يشتري العبدَ؟))، فقال: يا رسول الله، إذن والله تجدُني كاسدًا، فقال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: (لكن عند الله لستَ بكاسدٍ - أو قال: - لكن عند الله أنت غالٍ))[1]. كان - صلَّى الله عليه وسلَّم - يعامل كلَّ أحد يلقاه بمهارات؛ من احتفاء، وتفاعل، وبشاشة؛ حتى يشعر ذلك الشخص أنه أحب الناس إليه، وبالتالي يكون هو أيضًا أحبَّ الناس إليهم؛ لأنه أشعرهم بمحبته. وها هنا موقفٌ آخر نرى فيه كيف يهتمُّ الرسول بأصحابه؛ حتى يظن الواحد منهم أنه أحب الناس إليه: كان عمرو بن العاص - رضي الله عنه - داهيةً من دهاة العرب؛ حكمةً وفِطنة وذكاءً، فأدهى العرب أربعة: عمرٌو واحد منهم، أسلم عمرو وكان رأسًا في قومه، فكان إذا لقي النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - في طريقٍ رأى البشاشة والبِشْر والمؤانسة، وإذا دخل مجلسًا فيه النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - رأى الاحتفاء والسعادة بمقدمِه، وإذا دعاه النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - ناداه بأحب الأسماء إليه. شعَر عمرو بهذا التعامل الراقي ودوامِ الاهتمام والتبسم - أنَّه أحب الناس إلى رسول الله، فأراد أن يقطع الشكَّ باليقين، فأقبل يومًا إلى النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وجلس إليه، ثم قال: يا رسول الله، أيُّ الناس أحب إليك؟ فقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((عائشة))، قال عمرو: لا، مِن الرجال يا رسول الله؟ لستُ أسألُك عن أهلك، فقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أبوها))، قال عمرو: ثم من؟ قال: ((ثم عمر بن الخطاب))، قال: ثم أي؟ فجعل النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - يعدِّد رجالاً، يقول: فلان، ثم فلان بحسَب سَبْقهم إلى الإسلام، وتضحيتهم من أجله، قال عمرو: فسكتُّ؛ مخافة أن يجعلني في آخرهم، فانظر كيف استطاع - صلَّى الله عليه وسلَّم - أن يملِك قلب عمرو بمهارات أخلاقية مارَسها معه[2]. ------------------- [1] - الراوي: أنس بن مالك - المحدث: ابن كثير - المصدر: البداية والنهاية - الصفحة أو الرقم: 6/48. [2] - استمتع بحياتك؛ د. محمد العريفى.