تعليمه صلى الله عليه وسلم بالمُمازَحةِ والمُداعَبة

تعليمه صلى الله عليه وسلم بالمُمازَحةِ والمُداعَبة9

وكان صلى الله عليه وسلم يُداعِبُ أصحابَه في بعضِ الأحيانِ ويُمازِحُهم ، ولكنه ما كان يقولُ إلاّ حقاً10، وكان يُعلِّم كثيراً من أمورِ العلم خلال المُداعَبةِ والمُمازحةِ .

روى البخاري1، ومسلم2، وأبو داود3، والترمذي4، وابنُ ماجه5، واللفظُ لأبي داود ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَدخُل علينا ، ولي أخ صغيرٌ يُكنَّى أبا عُمَير ، وكان له نُغَرٌ يَلعَبُ به ، فمات ، فدخَلَ عليه النبي صلى الله عليه وسلم ذاتَ يوم فرآه حزيناً ، فقال : ما شأنُه؟ قالوا : مات نُغَرُه ، فقال : يا أبا عُمير ما فَعَل النُّغَير؟))6.

وروى أبو داود والترمذي7عن أنس رضي الله عنه قال : ((إنَّ رجلاً استَحمَلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم8: إني حامِلُك على وَلَدِ النّاقة ، فقال الرجل : يا رسول الله ، ما أصنَعُ بولدِ الناقة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وهل تَلِدُ الإبلَ إلاّ النّوقُ؟)) .

فأفهمه صلى الله عليه وسلم من طريق هذه المداعبة اللطيفة ، أن الجمَلَ ولو كان كبيراً يَحملُ الأثقال ، ما يَزالُ وَلَد الناقة9.

----------------------------------

9 ـ الدُّعابةُ اللطيفة تُروِّح عن الإنسان ، وتُلطِّفُ من ثِقَلِ المتاعِب التي تَنْتابُه أو تُصاحِبُه ، فإن الحياةَ لا تخلو من المرارة والمَكارِه ، فالدُّعابةُ تُخَفِّفُ من وَطأةِ ذلك على النفسِ . والمرءُ يَتعلَّمُ بالابتسامِ والبِشْر أكثرَ مما يَتعلَّمُ بالعُبوس والقُطوب .

وما أعذَبَ الدُّعابةَ المُعلِّمةَ ، والإحْماضَةَ الهاديةَ المُبَصِّرةَ ، فإن الجِدَّ الدائمَ يورِثُ رَهَق الذهنِ ، وكلَلَ الفِكرِ ، فالمزاحُ اللطيفُ الهادي بين الحين والحين ، يُعيدُ إلى الإنسانِ نشاطَه وانتباهَه ، فما أعْلَمَ هذا المُعلِّمَ الحكيمَ ، الوقورَ الرؤوفَ الرحيمَ صلى الله عليه وسلم .

قال العلاّمة ابنُ قُتَيبة رحمه الله تعالى : إنما كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَمزَحُ ، لأنَّ الناسَ مأمورون بالتأسّي به والاقتداءِ بهَدْيه ، فلو ترك الطَّلاقةَ والبَشاشَةَ ، ولزم العُبوسَ والقُطوبَ ، لأخَذَ الناسُ أنفُسهم بلك على ما في مخالفةِ الغَريزة من المشقةِ والعَناءِ ، فمَزَح ليَمزحوا . وكان لا يقولُ إلاّ حقاً)) . انتهى من ((الفتوحات الربانية على الأذكار النووية)) للشيخ ابن عَلاّن 6 :297 .

وقال الإمام النووي في كتاب ((الأذكار)) ص29 : ((المِزاحُ المنهيُّ عنه هو الذي فيه إفراطٌ ، ويُداوَمُ عليه ، فإنه يورث الضحكَ ،وقسوةَ القلب ، ويَشغلُ عن ذكر الله تعالى ، والفكرِ في في مُهمّاتِ الدين ، ويَؤولُ في كثير من الأوقات إلى الإيذاء ويورِثُ الأحقاد ، ويُسقِط المَهابَةَ والوقار .

فأما ما سَلِم من هذه الأمور فهو المباحُ الذي كان رسولُ الله صلى الله عليه وسم يَفعَلُه في نادرٍ من الأحوال ، لمصلحةٍ وتَطييبِ نفسِ المُخاطَبِ ومُؤانَستِه ، وهذا لا مَنْعَ منه قطعاً ، بل هو سنة مستحبَّةٌ إذا كان بهذه الصفة ، فاعتمِدْ هذا ، فإنه مما يَعظُم الاحتياجُ إليه وبالله التوفيق)) .

10 ـ روى الترمذي 3 :241 في البر والصلة (باب ما جاء في المزاح) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ((قالوا : يا رسول الله ، إنك تُداعِبُنا؟ قال : إني لا أقولُ إلاّ حقاً)) .

قال الترمذي : ((هذا حديث حَسَنٌ ، ومعنى قولهم : (إنك تُداعِبُنا) إنك تُمازِحنا)) .

1 ـ 1 :526 في كتاب الأدب (باب الانبساط إلى الناس) و10 :582 (باب التكنية للصبي وقبل أن يولَدَ للرجل) .

2 ـ 14 : 128 في كتاب الآداب (باب جواز تكنية من لم يولد له وتكنية الصغير) .

3 ـ 4 :293 في كتاب الأدب .

4 ـ 2 :128 في كتاب الصلاة مختصراً (باب الصلاة على البُسُط) ، و8 :157 في البر والصلة (باب ما جاء في المِزاح) .

5 ـ 2 :1231 في كتاب الأدب ، مُقتَصِراً على ذكر الكنية .

6 ـ (النُّغَير) تصغير النُّغَر ، وهو طائر يُشبِهُ العُصفورَ أحمرُ المِنقار .

وفي حديث أنسٍ هذا من الفوائد والأمور التعليمية :

تخصيصُ الإمام بعضَ الرعية بالزيارة .

مخالطة بعض الرعية دون بعض .

جوازُ حَمْلِ العالم علمَه إلى من يستفيدُه .

جوازُ الممازحة وأن ممازحة الصبي الذي لم يُميِّز جائزة .

جوازُ تكنية من لم يولَد له ولد .

جوازُ لعب الصغيرِ بالطَّير دون تعذيب له ، وجواز تمكين الولي إياه من ذلك .

جواز إنفاقِ المال فيما يَتَلَهّى به الصغير من المباحات .

جوازُ إمساكِ الطير في القفص ونحوِه .

معاشرةُ الناس على قَدْر عقولِهم ومَدارِكهم .

جوازُ نداءِ الشخصِ باسمِه المصغَّر عند عدم الإيذاء به لقوله (يا أبا عُمَير) .

جواز السؤالِ عما السائلُ به عالم من غير أن يكون استهزاءً ، لقوله (ما فعل النُّغَير)؟ بعد علمه بأنه مات .

وبعضُ العلماء شرَح هذا الحديث في جزءٍ مستقل ، استخراج منه أكثرَ من ستين فائدةً كما في ((فتح الباري)) 10 :481 ، وبعضُهم أوصلَها إلى أكثر من ثلاث مئة فائدةٍ ، كما أشار إلى ذلك شيخُنا عبد الحي الكتاني رحمه الله تعالى في ((التراتيب الإدارية)) 2 :150 .

وقال العلاّمةُ المؤرِّخُ الأديبُ المَقَّري في ((نفح الطيب)) 6 :215 في (الباب الخامس) عند ذكر كلام لسان الدين ابن الخطيب في وصف مدينة (مكناسة) : ((أَملى ابن الصَّبّاغ بمجلسِ درسِه بمِكْناسة في حديث (يا أبا عمير ، ما فعل النغير) أربعَ مئةِ فائدة)) .

7 ـ أبو داود 4 :300 في كتاب الأدب(باب ما جاء في المزاح) ، والترمذي 8 :158 في كتاب البر والصلة (باب ما جاء في المزاح) ، وفي ((الشمائل)) للترمذي ص152 ، واللفظُ للترمذي .

8 ـ أي سأله أن يُعطِيَه بعيراً من إبل الصدقة ، ليَحمِل عليه مَتاعه .

9 ـ وفيه من الأمور التعليمية : تنبيه النبي صلى الله عليه وسلم المتعلِّمَ وغيرَه على أنه إذا سمع قولاً ينبغي له أن يتأمَّلَه ، وأن لا يُبادِرَ بردِّه . وهذا خُلقٌ هامٌّ جداً يتعيَّن سلوكُه على المتعلِّم ليُفلِح . وفيه أيضاً : أن الرسول المعلِّم صلى الله عليه وسلم يمزَحُ ولا يقول إلاّ حقاً ، إذ الإبلُ كلُّها وَلَدُ النّوق . وفيه لَفْتُ الذهن إلى إدراكِ المعاني الدقيقة .

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم