تعليمُه صلى الله عليه وسلم بالوعظ والتذكير

تعليمُه صلى الله عليه وسلم بالوعظ والتذكير

ومن أهمِّ وأبرزِ أساليبِه صلى الله عليه وسلم في التعليم ، الوعظُ والتذكير ، اقتداءً بالقرآن الكريم ، في قوله : (وذكِّرْ فإن الذِّكرى تَنفَعُ المؤمنين)11، وقولِهِ : (إنّما أنتَ مُذَّكِّر)12، وكثيرٌ من تعليماتِه صلى الله عليه وسلم إنما أُخِذَتْ منه في مَواعِظِه وخُطبه العامة1.

روى أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه2، والسياق لأبي داود ، عن عبد الرحمن بن عمرو السُلمي وحُجْر بن حُجر ، قالا : أتينا العِرباضَ بن سارية ، فسَلَّمنا وقلنا : أتيناك زائرين وعائدين ومُقْتَبِسين ، فقال العِرْباضُ : ((صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاتَ يوم ، ثم أقبَلَ علينا فوَعَظَنا مَوعِظةً بليغةً ، ذَرَفَتْ منها العيونُ ، ووَجِلت منها القلوبُ .

فقال قائل : يا رسول الله كأن هذه موعظةُ مُودِّع؟ فما تَعهَدُ إلينا؟ فقال : أوصيكم بتقوى الله والسمعِ والطاعةِ وإن كان عَبْداً حبشياً ، فإنه من يعِش منكم بعدي فسَيَرى اختلافاً كثيراً ، فعليكم بسنتي وسنةِ الخلفاء الراشدين ، تمسَّكوا بها وعَضّوا عليها بالنواجِذ ، وإياكم ومُحدَثاتِ الأمور! فإن كلَّ محدثةٍ بدعةٌ ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ)) .

وروى مسلم والنسائي وابن ماجه ، واللفظ لمسلم3، عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما ، قال : ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خَطَب احمرَّتْ عيناه ، وعلا صوتُه ، واشتد غضبه ، حتى كأنه منذِرُ جيش يقول : صبَّحكم مسّاكم .

ويقول : بُعِثتُ انا والسّاعةَ كهاتين ، ويَقْرُن بين إصبعيه : السَّبّابةِ والوُسْطى .

ويقول : أما بعد ، فإنَّ خيرَ الحديثِ كتابُ الله ، وخيرَ الهَدْي هَدْي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشرَّ الأمورِ مُحْدَثاتُها ، وكُلَّ بدعةٍ ضلالة .

ثم يقول : أنا أولى بكل مؤمنٍ من نفسِه ، من ترَكَ مالاً فلأهله ، ومن تَرَك دَيْناً ، أو ضَياعاً : فإليَّ وعليّ)) .

------------------------------------

11 ـ من سورة الذّاريات ، الآية 55 .

12 ـ من سورة الغاشية ، الآية 21 .

1 ـ وقد وقفتُ على كلمةٍ علميةٍ مهمةٍ لإمام العصر الشيخ محمد أنور الكشميري ، في إيضاحِ جانب (التذكير) في تعليم النبي صلى الله عليه وسلم ، وبيانِ الفرق بين وظيفةِ الواعِظِ المذكِّرِ ووظيفةِ المَعلِّم الفقيه ، وقد أردتُ ذكر تلك الكلمةِ هنا بطولِها لما فيها من الفوائد ، قال رحمه الله تعالى في ((فيض الباري شرح صحيح البخاري)) 1 :280 ما لفظُه : ((اعلم أنَّ هناك وظيفتين :

الأولى : وظيفةُ الواعظِ والمذكِّر ، فإنه يُحرِّضُ على العمل ويُرغِّب إليه فيختارُ من التعبيرات ما يكون أدعى لها ، ولا يَلتفتُ إلى تحقيق المسألة واستيفاءِ شرائِطها وموانِعها ، بل يُرسلُ الكلامَ فيعِدُ ويوعِدُ ، ويُرغِّبُ ويُرهِّبُ مطلقاً ، ويأمُرُ ويَنهى ولا يَلتفتُ إلى مزيدِ التفاصيل .

والثانيةُ : وظيفةُ المعلِّم والفقيه وهو يُريدُ تلقينَ العلم وبيانَ المسألة ، أما العملُ بها فبمَعزل عن نظره ، فيُحقِّقُ البيانَ ، ويُدقِّقُ الكلامَ ، ويَستوفي الشروطَ ويختارُ من التعبيرات ما لا يكون مُوْهِماً بخلاف المقصود ، بل يكون أدلَّ عليه وأقربَ إليه ، فلا يُرسِلُ الكلامَ بل يذكُرُه بشرائطِه ، ويَعِدُ ويوعِدُ ويُرغِّبُ ويُرهِّبُ بشرائطِه .

فهاتان وظيفتان ، ومَنصِبُ الشارع منصِبُ المُذكِّر ، قال الله تعالى : (إنما انتَ مُذَّكِّر لستَ عليهم بمسيطر) ، وليس له مَنصِبُ المعلِّم فقط فهو مُذَّكرٌ ومعلِّم معاً ، فوَجَب أن يُعبِّر بما هو أدعى للعمل وأبعدُ عمّا يوجِب الكَسَلَ .

وهذا هو التعليم الفطري ، فإن أكثرَ تعليماتِه صلى الله عليه وسلم مستفادٌ من عمله ، فما أَمَر به الناسَ عَمِل به أولاً ثم تَعلَّم منه الناسُ ، ولذا لم يَحتاجوا إلى التعليم والتعلُّم ، ولو كان طريقُه كما في زماننا لَما شاع الدينُ إلى الأبد ، ولكنَّه علَّم الناس بعمله .

ثم إذا قال لهم أمراً اختار فيه الطريق الفِطري أيضاً ، وهو الامرُ بالمطلوب والنهيُّ عن المكروهِ ، ولم يَبحَثْ عن مراتِبه ، قال الله تعالى : (وما آتاكم الرسولُ فخُذوه وما نَهاكم عنه فانتهوا) ، فهذا هو السبيلُ الأقوم .

أما البحثُ عن المراتب فهو طريقٌ مُستحدَث سَلَكه العلماءُ لفساد الزمان ، وأما الصحابةُ رضي الله عنهم فإنهم إذا أُمِروا بشيءٍ أخذوه بجميع مَراتِبه ، وإذا عنه تركوه بالكلية ، فلم تكن لهم حاجةٌ إلى البحث .

ولو كان الشارعُ تعرَّض إلى المراتبِ لفاته منصبُ المُذكِّر ولانعدم العملُ ، فإنه إذا جاء البحثُ والجدال لبطل العمل ، مثلاً لو قال تعالى : ((فاعتزلوا النساءَ عن مَوضِع الطَّمْث ، ولا تَقربوه فقط ، واستَمتِعوا بسائرِ الأعضاء)) ، لربما وقَعَ الناسُ في الحرام ، لان من يَرتَع حول الحِمى يوشِكُ أن يَقَع فيه ، وإنما أخَذَ الاعتزالَ في التعبير ليكون أسهلَ لهم في العمل ، ولا يَقَعوا في المعصية .

وكذلك إذا أحب أمراً أمَرَ به مطلقاً ، ليأتمر به الناسُ بجميع مراتبه ، ويَقَع في حيز مرضاةِ الله تعالى ، مثلاً قال : ((من تركَ الصلاةَ فقد كفَر)) ، ولم يقل : فَعَل فِعلَ الكفر ، أو مُستَحِلاًّ ، أو قارَبَ الكفرُ ، مع أنه كان أسهلَ في بادىء النظر ، لأنه لو قال كذلك لفات غرضُه من التشديد ولانعدم العملُ ، ولذا كان السلفُ يَكرهون تأويلَه .

فالحاصلُ أنه إذا أمَرَنا بشيءٍ فكأنه يُريدُ العَمَل به بأقصى ما يمكن ، بحيث لا تبقى مرتبةٌ من مراتِبه متروكةً ، وكذلك في جانب النهي ، ولذا كان يقولُ عند البيعة : ((فيما استطعتم)) فبذلُ الجهد والاستِطاعة لا يكون إلاّ إذا أُجمِلُ الكلامُ ، وإذا فُصِّل يحدث التهاوُن ، كما هو مشاهد في عمل العوام وعامةِ العلماء الذين مالهم وجاهة عند الله وقبولٌ في جنابِه ، فهم ليسوا من الذين لا تُلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله)) .

2 ـ أبو داود 4 :280 ـ 281 في كتاب السنة ، والترمذي 4 :150 في كتاب العلم ، وقال : ((هذا حديثٌ حسن صحيح)) ، وابن ماجه 1 :15 ، في المقدِّمة (باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين) .

3 ـ مسلم 6 :153 ـ 156 في الجمعة ، والنسائي 3 :188 في العيدين ، وابن ماجه 1 :17 في المقدِّمة (باب اجتناب البدع والجدل) .

المقال السابق المقال التالى