أدب الخلاف في الإسلام - الإنصات و حسن الاستماع

9-الإنصات و حسن الاستماع :
قال الشافعي: " و لا يمتنع من الاستماع ممن خالفه ، لأنه قد يتنبه بالاستماع لترك الغفلة ، و يزداد تثبيتًا فيما اعتقد من الصواب " .
10- توقير الكبير و عدم إنكار فضل من اختلفت معه و تشويه صورته :
و رُوي : " إن فتىً جاء إلى سفيان بن عيينة من خلفه ، و قال : يا سفيان حدثني ، فالتفت إليه و قال : يا بني ، من جهل أقدار الرجال فهو بنفسه أجهل .
و للنظر إلى الخلاف الذي حدث بين علي و معاوية رضي الله عنهما ، فكل منهما رأى رأيًا ؛ روى أحمد في مسنده و أبو نعيم في الحلية و ابن الجوزي في صفة الصفوة ، عن أبي صالح قال : قال معاوية بن أبي سفيان لضرار بن ضمرة : صف لي عليًا ، فقال : أو تعفيني ؟ ، قال : بل صفه ، قال : أو تعفيني ؟ قال : لا أعفيك . قال : أما إذا ، فإنِّه والله كان بعيد المدى شديد القوى ، يقول فصلا و يحكم عدلا ، يتفجر العلم من جوانبه ، و ينطق بالحكمة من نواحيه ، يستوحش من الدنيا و زهرتها ، و يستأنس بالليل و ظلمته ، كان والله غزير الدمعة طويل الفكرة ، يقلب كفه و يخاطب نفسه ، يعجبه من اللباس ما خشن و من الطعام ما جشب ، كان والله كأحدنا يجيبنا إذا سألناه ، و يبتدئنا إذا أتيناه ، و يأتينا إذا دعوناه ، و نحن والله مع تقريبه لنا و قربه منا لا نكلمه هيبة ولا نبتديه لعظمه ، فإن تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم ، يعظّم أهل الدين و يحب المساكين ، لا يطمع القوي في باطله ، و لا ييأس الضعيف من عدله ، و اشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه و قد أرخى الليل سجوفه و غارب نجومه ، و قد مثل في محرابه قابضًا على لحيته ، يتململ تململ السليم و يبكي بكاء الحزين ، و كأنِّي أسمعه و هو يقول : يا دنيا يا دنيا أبي تعرضت أم لي تشوفت ؟ ، هيهات هيهات غري غيري قد بنتك ثلاثًا ، لا رجعة لي فيك فعمرك قصير و عيشك حقير و خطرك كبير ، آه من قلة الزاد و بعد السفر و وحشة الطريق .
قال : فذرفت دموع معاوية رضي الله عنه حتى خرت على لحيته ، فما يملكها و هو ينشفها بكمه و قد اختنق القوم بالبكاء ، ثم قال معاوية : رحم الله أبا الحسن كان والله كذلك .
هذا والله أعظم آداب الخلاف ، أن تعترف بفضل من اختلفت معه ، و لا تشوه صورته بالباطل و تتهمه بما ليس فيه .
11- اللين في يد المخالف و التودد و السّكينة و الوقار :
و البعد عن مسائل التشقيق و الشغب ، و كل ما يورث الفتنة بين المسلمين ، و رؤية المحاسن و التعامي عن المعايب ، و مخالفة حظ النفس ، و الحفاظ على خط الرجعة ، و الإبقاء على خيط المودة ، و عدم الإغراق في الخصومة أو التعنيف ، و الحرص على تأليف القلوب .أ.هـ
- إحسان الظن بالعلماء :
و أن لا يعتقد أنهم تعمدوا ترك الحق الذي بان له – و قد يكون هو المخطئ - ، و عليه فلا يعتقد هلكتهم في خلافهم له ، بل يلتمس لهم العذر في ذلك .
قال صلى الله عليه و سلم : « إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران ، و إذا حكم فأخطأ فله أجر » . البخاري و مسلم
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : " و كثير من مجتهدي السلف و الخلف قد قالوا و فعلوا ما هو بدعة و لم يعلموا أنه بدعة ، إما لأحاديث ضعيفة ظنوها صحيحة ، و إما لآيات فهموا منها ما لم يُرد منها ، و إما لرأي رأوه ، و في المسألة نصوص لم تبلغهم ، و إذا اتقى الرجل ربه ما استطاع دخل في قوله : ( رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ) البقرة 286 . و في الصحيح قال: « قد فعلت » . مسلم
ومنه قول علي رضي الله عنه لعمر بن طلحة بن عبيد الله ، و كان بينه و بين طلحة خلاف يوم الجمل : " إني لأرجو أن يجعلني الله و إياك في الذين قال الله عز وجل فيهم : ( وَ نَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مّنْ غِلّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ ( الحجر 47 . رواه الحاكم و البيهقي في السنن
قال يحيى بن سعيد الأنصاري : " ما برح أولو الفتوى يختلفون ، فيحل هذا و يحرم هذا ، فلا يرى المحرّم أن المحل هلك لتحليله ، و لا يرى المحل أن المحرم هلك لتحريمه " . جامع بيان العلم
و يقول الذهبي عن التابعي قتادة السدوسي : " كان يرى القدر نسأل الله العفو .. و لعل الله يعذر أمثاله ممن تلبس ببدعة يريد بها تعظيم الباري و تنزيهه و بذل وسعه .. إذا كثر صوابه ، و علم تحريه للحق ، و اتسع علمه و ظهر ذكاؤه و عرف صلاحه و ورعه و إتباعه يغفر له زللـه ، و لا نضلله و نطرحه و ننسى محاسنه ، نعم و لا نقتدي به في بدعته و خطئه ، و نرجو له التوبة من ذلك " . سير أعلام
و في المتأولين في خلاف شاذ ( من أحل نكاح المتعة أو ربا الفضل ) ، يقول ابن تيمية في تحقق النصوص الشرعية التي جاءت بالوعيد لمن صنع ذلك : " فلا يجوز أن يقال : إن هؤلاء مندرجون تحت الوعيد ، لما كان لهم العذر الذي تأولوا به ، - أو لموانع أخرى- أن لا يؤدي الخلاف إلى جفوة و فتنة بين المختلفين " .
و في ذلك يقول شيخ الإسلام : " كانوا يتناظرون في المسائل العلمية و العملية مع بقاء الألفة و العصمة و أخوة الدين ، و لو كان كلما اختلف مسلمان في شيء تهاجرا لم يبق بين المسلمين عصمة و لا أخوة " .
و قال محمد بن أحمد الفنجار : " كان لابن سلام مصنفات في كل باب من العلم ، و كان بينه و بين أبي حفص أحمد بن حفص الفقيه مودة و أخوة مع تخالفهما في المذهب " . سير أعلام النبلاء
و نال أحدهم من عائشة رضي الله عنها يوم الجمل ، و سمعه عمار رضي الله عنه فقال : " اسكت مقبوحًا منبوحًا، أتؤذي محبوبة رسول الله صلى الله عليه و سلم ، أشهد أنها زوجة رسول الله رسول الله صلى الله عليه و سلم في الجنة " . الترمذي
قتل رجل رجل آخر وجده مع زوجته ، فرفع الأمر إلى معاوية رضي الله عنه فأشكل ذلك عليه ، فكتب إلى أبي موسى رضي الله عنه أن يسأل له علياً رضي الله عنه ، فكتب إليه علي رضي الله عنه بالجواب .
رغم الخلاف الشديد بين أهل الرأي و الحديث يقول شعبة ـ رحمه الله ـ عند وفاة أبي حنيفة ـ رحمه الله : " لقد ذهب معه فقه الكوفة ، تفضلّ الله عليه و علينا برحمته .
و يقول الشافعي : " الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة "
صلى الشافعى - رحمه الله - الصبح في مسجد أبي حنيفة ، فلم يقنت و لم يجهر "بسم الله" ، تأدباً مع أبي حنيفة رحمهما الله .
قال القرطبي : " كان أبو حنيفة و أصحابه و الشافعي و غيرهم ، يصلون خلف أئمة أهل المدينة من المالكية ، و إن كانوا لا يقرأون البسملة لا سراً و لا جهراً ، و صلى أبو يوسف خلف الرشيد و قد احتجم ، و أفتاه مالك بأنه لا يتوضأ فصلى خلفه أبو يوسف و لم يعد " .
ويتحدث الذهبي عن ابن خزيمة و تأوله حديث الصورة فيقول : " فليُعذر من تأول بعض الصفات ، و أما السلف فما خاضوا في التأويل بل آمنوا و كفوا ، و فوضوا علم ذلك إلى الله و رسوله ، و لو أنَّ كل من أخطأ في اجتهاده مع صحة إيمانه و توخيه لإتباع الحق أهدرناه و بدعناه ، لقل من يسلم من الأئمة معنا" . سير أعلام النبلاء
و يقول الذهبي - رحمه الله - في تعليقه على اختلاف الناس في أبي حامد الغزالي - رحمه الله - بين مادح و ذام : " مازال العلماء يختلفون و يتكلم العالم في العالم باجتهاده ، و كل منهم معذور مأجور ، و من عاند أو خرق الإجماع فهو مأزور ، و إلى الله ترجع الأمور " . سير أعلام النبلاء
لما كتب الإمام مالك الموطأ ، أراد أبو جعفر المنصور أن يحمل الناس جميعاً عليه ، فأبى مالك - يرحمه الله - ، فقال : يا أمير المؤمنين إنَّ أصحاب رسول الله قد تفرقوا في الأمصار ، و مع كل منهم علم ، فدع الناس و ما اختار أهل كل بلد لأنفسهم .
الشيخ الألباني رحمه الله الذي يرى أن وضع اليد بعد القيام من الركوع على الصدر بدعة , فسُئل لو صليت خلف الشيخ عبد العزيز ابن باز ماذا تفعل ؟ ، قال : أتابعه و أضع يدي على صدري .
- مجانبة الحقد عند الخلاف :
ومنها مجانبة الحقد ، و لزوم الصفح ، و العفو عن الإخوان .
قال هلال بن العلاء : جعلت على نفسي ألا أكافئ أحداً بشرٍ و لا عقوقٍ ، اقتداءً بهذه الأبيات :
لمّا عَفَوتُ وَ لَم أَحقِد عَلى أَحَدٍ ... أَرَحتُ نَفسِيَ مِن غَمّ العَداواتِ
إنّي أُحيّي عَدَوِّي حينَ رُؤيَتِهِ ... لِأَدفَعَ الشَرَّ عَنّي بِالتَحيّاتِ
و أَظهِرُ البِشرَ لِلإِنسانِ أَبغِضُهُ ... كَأَنَّهُ قَد حُشيَ قَلبي مَسَرّاتِ
و في النهاية ننقل إليكم أقوال العلماء في الاختلاف :
قال سحنون بن سعيد رحمه الله: " يكون عند الرجل باب واحد من أبواب العلم فيظن العلم كله عنده " . ترتيب المدارك
و قال سفيان الثوري رحمه الله تعالى: " إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي قد اختلف فيه ، و أنت ترى غيره فلا تنهه " . الفقيه و المتفقه
و قال أيضًا : " ما اختلف فيه الفقهاء فلا أنهى أحداً من إخواني أن يأخذ به " . الفقيه و المتفقه
و قال الإمام أحمد : " من أفتى الناس ، ليس ينبغي أن يحمل الناس على مذهبه و يشدد عليهم " . الآداب الشرعية ابن مفلح
قال النووي : " إنَّ المختلف فيه لا إنكار فيه ، و لكن إن ندبه على وجه النصيحة إلى الخروج من الخلاف ، فهو حسن محبوب مندوب إلى فعله برفق " . الآداب الشرعية ابن مفلح
و قال ابن قدامة المقدسي : " لا ينبغي لأحد أن ينكر على غيره العمل بمذهبه ، فإنَّه لا إنكار على المجتهد " . الآداب الشرعية
و قال ابن رجب الحنبلي : " و المنكر الذي يجب إنكاره ما كان مجمعاً ، فأما المختلف فيه فمن أصحابنا من قال لا يجب إنكاره على فعله مجتهداً أو مقلداً لمجتهد تقليداً سائغاً " . جامع العلوم والحكم
و قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: " مسائل الاجتهاد من عمل فيها بقول بعض العلماء لم ينكر عليه و لم يهجر ، و من عمل بأحد القولين لم ينكر عليه " . الفتاوى الكبرى
و قال شيخ الإسلام أيضًا : " إنَّ ما فيه خلاف ، إن كان الحكم المخالف يخالف سنة أو إجماعاً وجب الإنكار عليه ، و كذلك يجب الإنكار على العامل بهذا الحكم ، و إن كانت المسألة ليس فيها سنة و لا إجماع و للاجتهاد فيها مساغ ، فإنِّه لا ينكر على المخالف لرأي المنكر و مذهبه " . الفقه الغائب
و يقول ابن القيم رحمه الله : " و الفرق بين الحكم المنزل الواجب الإتباع و الحكم المؤول الذي غايته أن يكون جائز الاتباع ، أنَّ الحكم هو المنزل الذي نزله الله على رسوله و حكم به بين عباده و هو حكمه الذي لا حكم سواه " .
اللهم أرنا الحق حقًا و ارزقنا إتباعه ، و أرنا الباطل باطلًا و ارزقنا اجتنابه ..
المقال السابق المقال التالى