عربي English עברית Deutsch Italiano 中文 Español Français Русский Indonesia Português Nederlands हिन्दी 日本の
  
  

   

 

النداء الثالث و العشرون : وجوبُ أخذ الحذر من الأعداء

 

 

قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُواْ جَمِيعًا (71) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (72) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (73) } سورة النساء

يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِأَخْذِ الحَذَرِ مِنَ الأَعْدَاءِ ، وَهَذَا يَسْتَلْزِمُ التَّعَرُّفَ عَلَى أَحْوَالِ هَؤُلاءِ الأَعْدَاءِ ، وَمَعْرِفَةِ أَرْضِهِمْ ، وَعَدَدِهِمْ ، وَسِلاَحِهِمْ ، وَأَحْلاَفِهِمْ ، وَثَرْوَتِهِمْ ، كَمَا يَسْتَلْزِمُ التَّأهُّبَ لَهُمْ ، وَإِعْدَادَ الرِّجَالِ لِلْحَرْبِ وَتَدْرِيبَهُمْ وَتَسْلِيحَهُمُ ، وَجَمْعَ السِّلاَحِ وَالمُؤَنِ وَوَسَائِلِ النَّقْلِ وَالرُّكُوبِ ، وَالاسْتِعْدَادَ لِلنَّفِيرِ لِلْقِتَالِ ، حِينَمَا يَدْعُو دَاعِيَ الجِهَادِ ، وَالخُرُوجَ جَمَاعَاتٍ مُتَلاَحِقَةً ( ثُبَاتٍ ) ، أَوْ خُرُوجَ المُؤْمِنِينَ كُلِّهِمْ جَمِيعاً ، حَسْبَ حَالِ العَدُوِّ ، وَخَطَرِهِ وَقُوَّتِهِ ، وَالخَطَرِ الذِي يَتَهَدَّدُ الأمَّةَ .

وَمِنَ النَّاسِ ( وَمِنْهُمُ المُنَافِقُونَ وُالجُبَنَاءِ وضِعَافِ الإِيْمَانِ ) مَنْ يَتَأخَّرُ عَنِ الخُرُوجِ إلَى الجِهَادِ ، وَيَتَبَاطَّأُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْعُدُ عَنِ الجِهَادِ ، وَيُثَبِّطُ النَّاسَ عَنِ الخُرُوجِ ، فَإنْ أَصَابَتِ المُؤْمِنِينَ مُصِيبَةٌ مِنْ قَتْلِ وَشَهَادَةٍ ، أَوْ تَغَلَّبَ عَدُوٌّ عَلَى المُؤْمِنِينَ ، فَرِحَ وَعَدَّ تَخَلُّفَهُ عَنِ الجِهَادِ نِعْمَةً ، إذْ أَنْجَاهُ تَخَلُّفُهُ مِنَ المُصَابِ الذِي حَلَّ بِالمُسْلِمِينَ ، وَلَمْ يَدْرِ مَا فَاتَهُ مِنَ الأَجْرِ فِي الصَّبْرِ عَلَى الشِّدَّةِ ، وَالشَّهَادَةِ إنْ قُتِلَ .

 وَإِذَا أَصَابَ المُسْلِمُونَ نَصْراً ، وَحَقَّقُوا ظَفَراً ، وَفَازُوا بِمَغْنَمٍ ، ( فَضْلٌ مِنَ اللهِ ) ، اغْتَمَّ ألاَّ يَكُونَ مَعَ المُؤْمِنينَ ، فَيُصِيبَهُ سَهْمٌ مِنَ الغَنِيمَةِ . وَالغَنِيمَةِ هِيَ أَكْبَرُ هَمِّهِ ، وَيَقُولُ ، وَكَأنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الإِسْلاَمِ : يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ كَمَا فَازُوا ، فَهُوَ قَدْ نَسِيَ مَا يَجِبُ عَلَيهِ ، مِنْ مَدِّ يَدِ العَوْنِ لإِخْوَتِهِ المُؤِمِنِينَ ، وَبَذْلِ كُلِّ مَا يَسْتَطِيعُ بَذْلَهُ مِنْ نَفْسٍ وَمَالٍ ، لِيَتِمَّ لَهُمُ الظَّفَرُ .

إنها الوصية للذين آمنوا : الوصية من القيادة العليا ، التي ترسم لهم المنهج ، وتبين لهم الطريق . وإن الإنسان ليعجب ، وهو يراجع القرآن الكريم؛ فيجد هذا الكتاب يرسم للمسلمين - بصفة عامة طبعاً - الخطة العامة للمعركة وهي ما يعرف باسم « استراتيجية المعركة » . ففي الآية الأخرى يقول للذين أمنوا: { يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة } فيرسم الخطة العامة للحركة الإسلامية . وفي هذه الآية يقول للذين آمنوا : { خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعاً } وهي تبين ناحية من الخطة التنفيذية أو ما يسمى « التاكتيك » . وفي سورة الأنفال جوانب كذلك في الآيات : { فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون } . . الآيات .

وهكذا نجد هذا الكتاب لا يعلم المسلمين العبادات والشعائر فحسب؛ ولا يعلمهم الآداب والأخلاق فحسب - كما يتصور الناس الدين ذلك التصور المسكين! إنما هو يأخذ حياتهم كلها جملة . ويعرض لكل ما تتعرض له حياة الناس من ملابسات واقعية . . ومن ثم يطلب - بحق - الوصاية التامة على الحياة البشرية؛ ولا يقبل من الفرد المسلم ولا من المجتمع المسلم ، أقل من أن تكون حياته بجملتها من صنع هذا المنهج ، وتحت تصرفه وتوجيهه . وعلى وجه التحديد لا يقبل من الفرد المسلم ، ولا من المجتمع المسلم أن يجعل لحياته مناهج متعددة المصادر : منهجاً للحياة الشخصية ، وللشعائر والعبادات ، والأخلاق والآداب ، مستمداً من كتاب الله . ومنهجاً للمعاملات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدولية ، مستمداً من كتاب أحد آخر؛ أو من تفكير بشري على الإطلاق! إن مهمة التفكير البشري أن تستنبط من كتاب الله ومنهجه أحكاماً تفصيلية تطبيقية لأحداث الحياة المتجددة ، وأقضيتها المتطورة - بالطريقة التي رسمها الله في الدرس السابق من هذه السورة - ولا شيء وراء ذلك . وإلا فلا إيمان أصلاً ولا إسلام . لا إيمان ابتداء ولا إسلام ، لأن الذين يفعلون ذلك لم يدخلوا بعد في الإيمان ، ولم يعترفوا بعد بأركان الإسلام . وفي أولها : شهادة أن لا إله إلا الله ، التي ينشأ منها أن لا حاكم إلا الله ، وأن لا مشرع إلا الله.

وها هو ذا كتاب الله يرسم للمسلمين جانباً من الخطة التنفيذية للمعركة؛ المناسبة لموقفهم حينذاك . ولوجودهم بين العداوات الكثيرة في الخارج . والمنافقين وحلفائهم اليهود في الداخل . وهو يحذرهم ابتداء : { يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم } . .

خذو حذركم من عدوكم جميعاً . وبخاصة المندسين في الصفوف من المبطئين ، الذين سيرد ذكرهم في الآية : { فانفروا ثباتٍ أو انفروا جميعاً } . .

ثُباتٍ . جميع ثُبة : أي مجموعة . . والمقصود لا تخرجوا للجهاد فرادى . ولكن اخرجوا مجموعات صغيرة ، أو الجيش كله . . حسب طبيعة المعركة . . ذلك أن الآحاد قد يتصيدهم الأعداء ، المبثوثون في كل مكان . وبخاصة إذا كان هؤلاء الأعداء منبثين في قلب المعسكر الإسلامي . . وهم كانوا كذلك؛ ممثلين في المنافقين ، وفي اليهود ، في قلب المدينة .

{ وإن منكم لمن ليبطئن . فإن أصابتكم مصيبة قال : قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهيداً . ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن - كأن لم تكن بينكم وبينه مودة - يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً}  

انفروا جماعات نظامية . أو انفروا جميعاً . ولا ينفر بعضكم ويتثاقل بعضكم - كما هو واقع - وخذوا حذركم . لا من العدو الخارجي وحده؛ ولكن كذلك من المعوقين المبطئين المخذلين؛ سواء كانوا يبطئون أنفسهم - أي يقعدون متثاقلين - أو يبطئون غيرهم معهم؛ وهو الذي يقع عادة من المخذّلين المثبطين!

ولفظة « ليبطئن » مختارة هنا بكل ما فيها من ثقل وتعثر؛ وإن اللسان ليتعثر في حروفها وجرسها ، حتى يأتي على آخرها ، وهو يشدها شداً؛ وإنها لتصور الحركة النفسية المصاحبة لها تصويراً كاملاً بهذا التعثر والتثاقل في جرسها .

وذلك من بدائع التصوير الفني في القرآن ، الذي يرسم حالة كاملة بلفظة واحدة .

وكذلك يشي تركيب الجملة كلها : { وإن منكم لمن ليبطئن } ، بأن هؤلاء المبطئين - وهم معدودون من المسلمين - { منكم } يزاولون عملية التبطئة كاملة ، ويصرون عليها إصراراً ، ويجتهدون فيها اجتهاداً . . وذلك بأسلوب التوكيد بشتى المؤكدات في الجملة! مما يوحي بشدة إصرار هذه المجموعة على التبطئة ، وشدة أثرها في الصف المسلم؛ وشدة ما يلقاه منها!

ومن ثم يسلط السياق الأضواء الكاشفة عليهم ، وعلى دخيلة نفوسهم؛ ويرسم حقيقتهم المنفرة ، على طريقة القرآن التصويرية العجيبة :

فها هم أولاء ، بكل بواعثهم ، وبكل طبيعتهم وبكل أعمالهم وأقوالهم . . ها هم أولاء مكشوفين للأعين ، كما لو كانوا قد وضعوا تحت مجهر ، يكشف النوايا والسرائر؛ ويكشف البواعث والدوافع .

ها هم أولاء - كما كانوا على عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وكما يكونون في كل زمان وكل مكان . ها هم أولاء . ضعافاً منافقين ملتوين؛ صغار الاهتمامات أيضاً : لا يعرفون غاية أعلى من صالحهم الشخصي المباشر ، ولا أفقاً أعلى من ذواتهم المحدودة الصغيرة . فهم يديرون الدنيا كلها على محور واحد . وهم هم هذا المحور الذي لا ينسونه لحظة!

إنهم يبطئون ويتلكئون ، ولا يصارحون ، ليمسكوا العصا من وسطها كما يقال! وتصورهم للربح والخسارة هو التصور الذي يليق بالمنافقين الضعاف الصغار :

يتخلفون عن المعركة . . فإن أصابت المجاهدين محنة ، وابتلوا الابتلاء الذي يصيب المجاهدين - في بعض الأحايين - فرح المتخلفون؛ وحسبوا أن فرارهم من الجهاد ، ونجاتهم من الابتلاء نعمة :

{ فإن أصابتكم مصيبة قال : قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهيداً } . .

إنهم لا يخجلون - وهم يعدون هذه النجاة مع التخلف نعمة - أن ينسبوها لله . الله الذي خالفوا عن أمره فقعدوا! والنجاة في هذه الملابسة لا تكون من نعمة الله أبداً . فنعمة الله لا تنال بالمخالفة . ولو كان ظاهرها نجاة!

إنها نعمة! ولكن عند الذين لا يتعاملون مع الله . عند من لا يدركون لماذا خلقهم الله . ولا يعبدون الله بالطاعة والجهاد لتحقيق منهجه في الحياة . نعمة عند من لا يتطلعون إلى آفاق أعلى من مواطىء الأقدام في هذه الأرض . . كالنمال . . نعمة عند من لا يحسون أن البلاء - في سبيل الله وفي الجهاد لتحقيق منهج الله وإعلاء كلمة الله - هو فضل واختيار من الله ، يختص به من يشاء من عباده؛ ليرفعهم في الحياة الدنيا على ضعفهم البشري ، ويطلقهم من إسار الأرض يستشرفون حياة رفيعة ، يملكونها ولا تملكهم .

وليؤهلهم بهذا الانطلاق وذلك الارتفاع للقرب منه في الآخرة . . في منازل الشهداء

إن الناس كلهم يموتون! ولكن الشهداء في - سبيل الله - هم وحدهم الذين « يستشهدون » . . وهذا فضل من الله عظيم . فأما إذا كانت الأخرى . . فانتصر المجاهدون؛ الذين خرجوا مستعدين لقبول كل ما يأتيهم به الله . . ونالهم فضل من الله بالنصر والغنيمة . . ندم المتخلفون أن لم يكونوا شركاء في معركة رابحة! رابحة بحسب مفهومهم القريب الصغير للربح والخسارة!

{ ولئن أصابكم فضل من الله ، ليقولن - كأن لم تكن بينكم وبينه مودة - يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً } .

إنها أمنية الفوز الصغير بالغنيمة والإياب ، هي التي يقولون عنها : { فوزاً عظيماً } والمؤمن لا يكره الفوز بالإياب والغنيمة؛ بل مطلوب منه أن يرجوه من الله . والمؤمن لا يتمنى وقوع البلاء بل مطلوب منه أن يسأل الله العافية . . ولكن التصور الكلي للمؤمن غير هذا التصور ، الذي يرسمه التعبير القرآني لهذه الفئة رسماً مستنكراً منفراً . .

إن المؤمن لا يتمنى البلاء بل يسأل الله العافية . ولكنه إذا ندب للجهاد خرج - غير متثاقل - خرج يسأل الله إحدى الحسنيين : النصر أو الشهادة . . وكلاهما فضل من الله؛ وكلاهما فوز عظيم . فيقسم له الله الشهادة ، فإذا هو راض بما قسم الله؛ أو فرح بمقام الشهادة عند الله . ويقسم له الله الغنيمة والإياب ، فيشكر الله على فضله ، ويفرح بنصر الله . لا لمجرد النجاة!

وهذا هو الأفق الذي أراد الله أن يرفع المسلمين إليه؛ وهو يرسم لهم هذه الصورة المنفرة لذلك الفريق « منهم » وهو يكشف لهم عن المندسين في الصف من المعوقين ، ليأخذوا منهم حذرهم؛ ; كما يأخذون حذرهم من أعدائهم!

ومن وراء التحذير والاستنهاض للجماعة المسلمة في ذلك الزمان ، يرتسم نموذج إنساني متكرر في بني الإنسان ، في كل زمان ومكان ، في هذه الكلمات المعدودة من كلمات القرآن!

ثم تبقى هذه الحقيقة تتملاها الجماعة المسلمة أبداً . وهي أن الصف قد يوجد فيه أمثال هؤلاء . فلا ييئس من نفسه . ولكن يأخذ حذره ويمضي . ويحاول بالتربية والتوجيه والجهد ، أن يكمل النقص ، ويعالج الضعف ، وينسق الخطى والمشاعر والحركات!




                      المقال السابق                       المقال التالى




Bookmark and Share


أضف تعليق

أنت بحاجة للبرامج التالية: الحجم : 2.26 ميجا الحجم : 19.8 ميجا