لقاء مع النبى محمد صلى الله عليه وسلم أعدل البشر

لقاء مع النبى محمد أعدل البشر
المراد هنا بالعدل اعطاء كل ذى حق حقه بغير تفرقه بين المستحقين ؛ ومؤاخذة المسىء أو المقصر على قدر اساءته وتقصيره بدون اعنات أو محاباة .
وقد استقى النبى صلى الله عليه وسلم العدل من التربية الالهية ؛ والاخلاق القرآنية ؛ وكانت فطرته السـليمة مهيـأة للعـدل منـذ شبابـه ؛ فقـد حضـر فى حـلـف تعاهـد أصحابـه على مقاومـة الظلم وانصاف المظلومين ؛ وذلك أن قبائل من قريش تداعت الى " حلف الفضول " قبل البعثة بعشرين سنة ؛ وقد شهد النبى صلى الله عليه وسلم هذا الحلف ؛ فقـال صلى الله عليه وسلم : " لقد شهدت فى دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحـب أن لى به حمـر النعم ؛ ولو أدعى به فى الاسلام لأجبت " (1) السيرة النبوية – لابى محمد بن عبد الملك بن هشام المعافرى – 1/141 – طبعة دار التراث العربى .
ثم ان النبى صلى الله عليه وسلم هو مبلغ الشريعة ؛ والمهيمن عليها ؛ والمنفذ لها ؛ وهو القاضى الأول على الأرض الذى يطمئن المسلمون إلى أحكامه ؛ ويقتدون بها ؛ فمن يعدل إذا هو لم يعدل ..؟ ولما نزل قول الحق تبارك وتعالى :( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) سورة الشعراء الاية 214نادهم النبى صلى الله عليه وسلم بطناً بطناً ؛ فقال :يا بنى عبد مناف : لا أغنى عنكم من الله شيئاً . يابنى عباس عبد المطلب : لا أغنى عنكم من الله شيئاً . يا صفية عمة رسول الله : لا أغنى عنك من الله شيئاً . يافاطمة بنت محمد : سلينى من مالى ؛ لا أغنى عنك من الله شيئاً(3) اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان حديث رقم 123
وكان صلى الله عليه وسلم يصل رحمة من غير أن يؤثرهم على من هم أحق منهم ؛ فكان يجـلُ العباس اجلال الوالد والوالدة ؛ ولكنه أبداً لم يفضله فى عطاء .
وذات يوم شكت اليه ابنته فاطمة ما تلقى من مشقات فى أعمال المنزل ؛ وطلبت منه خادماً من السبى يكفها مؤونه هذا العمل ؛ فأمرها أن تستعين بالتسبيح والتكبير والتحميد ؛ وقال لها :" لا أعطيك وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم من الجوع " الحلية لابى نعيم 2/41 نقلاً عن كتاب : فى رحاب التفسير – عبد الحميد كشك – الجزء التاسع والعشرون – الكتاب الاول – تفسير سورة المزمل .
فقد آثر النبى صلى الله عليه وسلم فقراء المهاجرين والانصار الذين كانواْ يقيمون بسقيفة المسجد ؛ وليس لهم مصدر رزق .
" وذات يوم كان يعدل صفوف أصحابة للقتال يوم بدر ؛ وفى يده قدح يعدل به القوم فمر بسواد بن غزيه وهو خارج الصف ؛ فغمسه برفق ليدخل فى الصف قائلاً له : استو ياسواد . فقال سواد : يارسول الله أو جعتنى ؛ وقد بعثك الله بالحق ؛ فأقدنى منك – بمعنى أتركنى أقتص منك – فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه ؛ وقال استقد ياسواد ؛ فعانقة سواد ؛ وقبل بطنه ؛ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم ما حملك على هذا ياسواد ..؟ قال : يارسول الله حضر ما ترى ؛ فلم آمن القتل ؛ فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدى جلدك ؛ فدعا له رسول الله بخير " السيرة النبوية – لابى محمد بن عبد الملك بن هشام المعافرى – 2 / 278 – طبعة دار التراث العربى & تاريخ الطبرى .
القاضى الأول صلى الله عليه وسلم
سرقت امرأة مخزومية ؛ فوجدت قريشاً انها امرأة من اشراف القوم ؛ وأبت نفوس اشراف القوم وكبار رجالات قريش أن تتساوى هذه المرأة من عليه القوم بعوام المسلمات ؛ فاتفقواْ على أن تكون هناك شفاعة لها عند النبى صلى الله عليه وسلم حتى لايقام عليها حد السرقة ؛ واختارواْ واحداً ممن يحبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختارواْ أسامة بن زيد .واقتنع أسامة بن زيد بكلامهم ؛ وظن أن الامر بسيط سهل ؛ فكلم أسامة الرسول صلى الله عليه وسلم فى الأمر ؛ فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : أتشفع فى حد من حدود الله ..؟
ثم قام الرسول صلى الله عليه وسلم فخطب ؛ وجاء فى خطبته : " انما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانواْ إذا سرق فيهم الشريف تركوه ؛ واذا سرق فيهم الضعيف اقاموا عليه الحد ؛ وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها " متفق عليه – وفى هذا ورد حديث يفيد نفس المعنى فى اللؤلؤ والمرجان فيما تفق عليه الشيخان برقم 1100
وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائم هوزان على المهاجرين ؛ والمؤلفة قلوبهم ؛ ولم يعط الانصار شيئاً ؛ فتذمر الانصار ؛ وكثرت منهم القالة ؛ حتى ظنواْ أن الرسول صلى الله عليه وسلم حابى قومه ؛ فدخل عليه سعد بن عباده ؛ فقال : يارسول الله ؛ ان هذا الحى من الأنصار قد وجدواْ عليك فى أنفسهم ؛ لما صنعت فى هذا الفىء الذى أصبت .
قال الرسول صلى الله عليه وسلم : فأين أنت منهم فى ذلك ياسعد ..؟
قال سعد : ما أنا الا واحدا من قومى .
قال الرسول صلى الله عليه وسلم : فاجمع لى القوم .
فخرج سعد فجمع الانصار ؛ فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطب فيهم بقوله : " يامعشر الأنصار ؛ مقالة بلغتنى عنكم ؛ وموجدة وجدتموها على فى أنفسكم ..؟ ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله ..؟ وعالة فأغناكم الله ..؟ وأعداء فألف الله قلوبكم ..؟
قالوا : بلى يارسول الله أمن وأفضل .
ثم قال : ألا تجيبوننى يامعشر الانصار .
فقالوا : بماذا نجيبك يارسول الله ..؟ لله المن والفضل .
قال الرسول صلى الله عليه وسلم : " أما والله لو شئتم لقلتم ؛ وصُدقتم : أتيتنا مكذباً فصدقناك ؛ ومخذولاً فنصرناك ؛ وطريداً فآويناك ؛ وعائلاً فواسيناك .
أو جدتم يامعشر الانصار فى أنفسكم فى لعاعة من الدنيا تألفت بها قوماً ليسلمواْ ؛ ووكلتكم الى اسلامكم ..؟ ألا ترضون يامعشر الانصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير ؛ وترجعوا أنتم برسول الله الى رحالكم ؛ فوالذى نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرأ من الانصار ؛ ولو سلك الناس شعباً وسلكت الانصار شبعاً ؛ لسلكت شعب الانصار . فبكى القوم حتى أخضلواْ لحاهم ؛ وقالوا رضينا برسول الله قسماً وحظاً " صحيح البخارى – كتاب المغازى – 5/ 200
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائماً ما يحض على العدل ؛ فقد جاء الاسلام والناس طبقات والعرب درجات ؛ فسوى الاسلام بينهم مساواة حقيقة واقعية ؛ لم يعرف العالم مثلها من قبل ولا من بعد ؛ فلا عبرة بالحسب ؛ ولا بالمال ؛ ولا بالجاه ؛ ولا باللون ؛ بل العبرة بالآخلاق الفضلى ؛ وبالتدين ؛ قال الله تعالى :
( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير) الحجرا ت الاية 13
وقال صلى الله عليه وسلم " ان ربكم واحد ؛ وان اباكم واحد ؛ ولا فضل لعربى على عجمى ؛ ولا عجمى على عربى ؛ ولا أحمر على أسود ؛ ولا أسود على أحمر الا بالتقوى ؛ وان أكرمكم عند الله اتقاكم ؛ ألا هل بلغت ..؟ فليبلغ الشاهد الغائب " كنز العمل 3/95 رقم 5655 نقلاً عن كتاب : فى رحاب التفسير – عبد الحميد كشك – الجزء التاسع والعشرون – الكتاب الاول – تفسير سورة المزمل .
وقال صلى الله عليه وسلم : " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ومن كان فى حاجة أخيه كان الله فى حاجته صحيح البخارى – كتاب المظالم 3/159
وقال صلى الله عليه وسلم : " لايقضين حكم بين اثنين وهو غضبان " (5) متفق عليه & اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان رقم 1119.
وقال صلى الله عليه وسلم : " من كانت له أمرأتان فمال الى أحدهما دون الاخرى ؛ جـاء يوم القيامة أحد شقيه مائل " (6) مسند الاما أحمد 2/147 .
وقال صلى الله عليه وسلم : " ان الله تعالى ليملى للظالم حتى اذا أخذه لم يفلته " .
المقال السابق المقال التالى