عربي English עברית Deutsch Italiano 中文 Español Français Русский Indonesia Português Nederlands हिन्दी 日本の
  
  

   

 
حكم رسول الله في ثمن الكلب والسنور


في الصحيحين عن أبي مسعود أن رسول الله نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان

وفي صحيح مسلم عن أبي الزبير قال سألت جابرا عن ثمن الكلب والسنور فقال زجر النبي عن ذلك وفي سنن أبي داود عنه أن النبي نهى عن ثمن الكلب والسنور وفي صحيح مسلم من حديث رافع بن خديج عن رسول الله  قال شر الكسب مهر البغي وثمن الكلب وكسب الحجام فتضمنت هذه السنن أربعة أمور أحدها تحريم بيع الكلب وذلك يتناول كل كلب صغيرا كان أو كبيرا للصيد أو للماشية للحرث وهذا مذهب فقهاء أهل الحديث قاطبة والنزاع في ذلك معروف عن أصحاب مالك حنيفة فجوز أصحاب أبي حنيفة بيع الكلاب وأكل أثمانها وقال القاضي عبد الوهاب أصحابنا في بيع ما أذن في اتخاذه من الكلاب فمنهم من قال يكره ومنهم من قال انتهى وعقد بعضهم فصلا لما يصح بيعه وبنى عليه اختلافهم في بيع الكلب فقال ما كانت كلها محرمة لم يجز بيعه إذ لا فرق بين المعدوم حسا والممنوع شرعا وما تنوعت إلى محللة ومحرمة فإن كان المقصود من العين خاصة كان الإعتبار بها والحكم لها فاعتبر نوعها وصار الآخر كالمعدوم وإن توزعت في النوعين لم يصح البيع لأن يقابل ما حرم منها أكل مال بالباطل وما سواه من بقية الثمن يصير مجهولا قال وعلى هذا الأصل مسألة بيع كلب الصيد فإذا بني الخلاف فيها على هذا الأصل قيل الكلب من المنافع كذا وكذا وعددت جملة منافعه ثم نظر فيها فمن رأى أن جملتها منع

 

 

ومن رأى جميعها محللة أجاز ومن رآها متنوعة نظر هل المقصود المحلل  المحرم فجعل الحكم للمقصود ومن رأى منفعة واحدة منها محرمة وهي مقصودة منع أيضا التبس عليه كونها مقصودة وقف أو كره فتأمل هذا التأصيل والتفصيل وطابق بينهما لك ما فيهما من التناقض والخلل وأن بناء بيع كلب الصيد على هذا الأصل من البناء فإن قوله من رأى أن جملة منافع كلب الصيد محرمة بعد تعديدها لم يجز فإن هذا لم يقله أحد من الناس قط وقد اتفقت الأمة على إباحة منافع كلب الصيد الإصطياد والحراسة وهما جل منافعه ولا يقتنى إلا لذلك فمن الذي رأى منافعه كلها ولا يصح أن تراد منافعه الشرعية فإن إعارته جائزة وقوله ومن رأى جميعها محللة أجاز كلام فاسد أيضا فإن منافعه المذكورة محللة والجمهور على عدم جواز بيعه وقوله ومن رآها متنوعة نظر هل المقصود المحلل أو المحرم كلام لا فائدة تحته ألبتة منفعة كلب الصيد هي الإصطياد دون الحراسة فأين التنوع وما يقدر في المنافع من يقدر مثله في الحمار والبغل وقوله ومن رأى منفعة واحدة محرمة وهي مقصودة أظهر فسادا مما قبله فإن هذه المنفعة المحرمة ليست هي المقصودة من كلب الصيد قدر أن مشتريه قصدها فهو كما لو قصد منفعة محرمة من سائر ما يجوز بيعه وتبين هذا التأصيل وأن الأصل الصحيح هو الذي دل عليه النص الصريح الذي لا معارض له من تحريم بيعه فإن قيل كلب الصيد مستثنى من النوع الذي نهى عنه رسول الله بدليل ما رواه من حديث جابر رضي الله عنه أنه نهى عن ثمن الكلب إلا كلب الصيد

 

 

وقال النسائي أخبرني إبراهيم بن الحسن المصيصي حدثنا حجاج بن محمد عن حماد بن عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله نهى عن ثمن الكلب والسنور كلب الصيد وقال قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا ابن أبي مريم أخبرنا يحيى بن أيوب المثنى بن الصباح عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول قال ثمن الكلب سحت إلا كلب صيد وقال ابن وهب عمن أخبره عن ابن شهاب عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي ثلاث هن سحت حلوان الكاهن ومهر الزانية وثمن الكلب العقور وقال ابن وهب حدثني الشمر بن عبدالله بن ضميرة عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب الله عنه أن النبي نهى عن ثمن الكلب العقور   ويدل على صحة هذا الإستثناء أيضا أن جابرا أحد من روى عن النبي النهي عن ثمن وقد رخص جابر نفسه في ثمن كلب الصيد وقول الصحابي صالح لتخصيص عموم الحديث من جعله حجة فكيف إذا كان معه النص باستثنائه والقياس وأيضا لأنه يباح به ويصح نقل اليد فيه بالميراث والوصية والهبة وتجوز إعارته وإجارته في قولي العلماء وهما وجهان للشافعية فجاز بيعه كالبغل والحمار فالجواب أنه لا يصح عن النبي استثناء كلب الصيد بوجه أما حديث جابر رضي الله فقال الإمام أحمد وقد سئل عنه هذا من الحسن بن أبي جعفر وهو ضعيف وقال الصواب أنه موقوف على جابر وقال الترمذي لا يصح إسناد هذا الحديث وقال في حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا لا يصح أبو المهزم ضعيف يريد راويه عنه البيهقي روى عن النبي النهي عن ثمن الكلب جماعة منهم ابن عباس وجابر بن وأبو هريرة ورافع بن خديج وأبو جحيفة اللفظ مختلف والمعنى واحد والحديث روي في استثناء كلب الصيد لا يصح وكأن من رواه أراد حديث النهي عن اقتنائه عليه والله أعلم

 

 


وأما حديث حماد بن سلمة عن أبي الزبير فهو الذي ضعفه الإمام أحمد رحمه الله بن أبي جعفر وكأنه لم يقع له طريق حجاج بن محمد وهو الذي قال فيه الدارقطني أنه موقوف وقد  قال ابن حزم بأن أبا الزبير لم يصرح فيه بالسماع من جابر وهم مدلس وليس من رواية عنه وأعله البيهقي بأن أحد رواته وهم من استثناء كلب الصيد مما نهي عن من الكلاب فنقله إلى البيع قلت ومما يدل على بطلان حديث جابر هذا وأنه خلط عليه أنه صح عنه أنه قال أربع من ضراب الفحل وثمن الكلب ومهر البغي وكسب الحجام وهذا علة أيضا للموقوف عليه استثناء كلب الصيد فهو علة للموقوف والمرفوع وأما حديث المثنى بن الصباح عن عطاء عن أبي هريرة رضي الله عنه فباطل لأن فيه بن أيوب وقد شهد مالك عليه بالكذب وجرحه الإمام أحمد وفيه المثنى بن الصباح عندهم مشهور ويدل على بطلان الحديث ما رواه النسائي حدثنا الحسن بن أحمد بن حدثنا محمد بن عبدالله بن نمير حدثنا أسباط حدثنا الأعمش عن عطاء بن أبي رباح قال أبو هريرة رضي الله عنه أربع من السحت ضراب الفحل وثمن الكلب ومهر البغي الحجام وأما الأثر عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه فلا يدرى من أخبر ابن وهب عن ابن شهاب من أخبر ابن شهاب عن الصديق رضي الله عنه ومثل هذا لا يحتج به وأما الأثر عن علي رضي الله عنه ففيه ابن ضميرة في غاية الضعف ومثل هذه الآثار المعلولة لا تقدم على الآثار التي رواها الأئمة الثقات الأثبات حتى قال الحفاظ إن نقلها نقل تواتر وقد ظهر أنه لم يصح عن صحابي خلافها ألبتة بل هذا وأبو هريرة وابن عباس أن ثمن الكلب خبيث قال وكيع حدثنا إسرائيل عن عبدالكريم عن قيس بن حبتر عن ابن عباس رضي الله عنهما ثمن الكلب ومهر البغي وثمن الخمر حرام
وهذا أقل ما فيه أن يكون قول ابن عباس وأما قياس الكلب على البغل والحمار فمن أفسد القياس بل قياسه على الخنزير أصح من عليهما لأن الشبه الذي بينه وبين الخنزير أقرب من الشبه الذي بينه وبين والحمار ولو تعارض القياسان لكان القياس المؤيد بالنص الموافق له أصح وأولى القياس المخالف له فإن قيل كان النهي عن ثمنها حين كان الأمر بقتلها فلما حرم قتلها وأبيح اتخاذ نسخ النهي فنسخ تحريم البيع قيل هذه دعوى باطلة ليس مع مدعيها لصحتها دليل ولا شبهة وليس في الأكثر ما يدل على هذه الدعوى ألبتة بوجه من الوجوه ويدل على بطلانها أن أحاديث تحريم بيعها وأكل مطلقة عامة كلها وأحاديث الأمر بقتلها والنهي عن اقتنائها نوعان نوع كذلك المتقدم ونوع مقيد مخصص وهو المتأخر فلو كان النهي عن بيعها مقيدا مخصوصا به الآثار كذلك فلما جاءت عامة مطلقة علم أن عمومها وإطلاقها مراد فلا يجوز والله أعلم

 

 

 


فصل


الحكم الثاني تحريم بيع السنور كما دل عليه الحديث الصحيح الصريح الذي رواه جابر بموجبه كما رواه قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن وضاح حدثنا محمد بن آدم حدثنا بن المبارك حدثنا حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر بن عبدالله أنه كره الكلب والسنور قال أبو محمد فهذه فتيا جابر بن عبدالله أنه كره بما رواه ولا له مخالف من الصحابة وكذلك أفتى أبو هريرة رضي الله عنه وهو مذهب طاووس وجابر بن زيد وجميع أهل الظاهر وإحدى الروايتين عن أحمد وهي اختيار أبي بكر وهو الصواب لصحة الحديث بذلك وعدم ما يعارضه فوجب القول به قال البيهقي ومن العلماء من حمل الحديث على أن ذلك حين كان محكوما بنجاستها فلما النبي الهرة ليست بنجس صار ذلك منسوخا في البيع ومنهم من حمله على السنور توحش ومتابعة ظاهر السنة أولى ولو سمع الشافعي رحمه الله الخبر الواقع فيه به إن شاء الله وإنما لا يقول به من توقف في تثبيت روايات أبي الزبير وقد أبو سفيان عن جابر على هذه الرواية من جهة عيسى بن يونس وحفص بن غياث عن عن أبي سفيان انتهى كلامه ومنهم من حمله على الهر الذي ليس بمملوك ولا يخفى ما في هذه  من الوهن

 

 


 


فصل


والحكم الثالث مهر البغي وهو ما تأخذه الزانية في مقابلة الزنى بها فحكم رسول أن ذلك خبيث على أي وجه كان حرة كانت أو أمة ولا سيما فإن البغاء إنما كان عهدهم في الإماء دون الحرائر ولهذا قالت هند وقت البيعة أو تزني الحرة ولا بين الفقهاء في أن الحرة البالغة العاقلة إذا مكنت رجلا من نفسها فزنى بها لا مهر لها واختلف في مسألتين إحداهما الحرة المكرهة والثانية الأمة المطاوعة الحرة المكرهة على الزنى ففيها أربعة أقوال وهي روايات منصوصات عن أحمد أحدها أن لها المهر بكرا كانت أو ثيبا سواء وطئت في قبلها أو دبرها والثاني أنها إن كانت ثيبا فلا مهر لها وإن كانت بكرا فلها المهر وهل يجب معه أرش على روايتين منصوصتين وهذا القول اختيار أبي بكر والثالث أنها إن كانت ذات محرم فلا مهر لها وإن كانت أجنبية فلها المهر والرابع أن من تحرم ابنتها كالأم والبنت والأخت فلا مهر لها ومن تحل ابنتها والخالة فلها المهر وقال أبو حنيفة رحمه الله لا مهر للمكرهة على الزنى بحال بكرا كانت أو ثيبا

 

 


أوجب المهر قال إن استيفاء هذه المنفعة جعل مقوما في الشرع بالمهر وإنما لم للمختارة لأنها باذلة للمنفعة التي عوضها لها فلم يجب لها شيء كما لو أذنت في عضو من أعضائها لمن أتلفه ومن لم يوجبه قال الشارع إنما جعل هذه المنفعة متقومة بالمهر في عقد أو شبهة عقد يقومها بالمهر في الزنى ألبتة وقياس السفاح على النكاح من أفسد القياس قالوا جعل الشارع في مقابلة هذا الإستمتاع الحد والعقوبة فلا يجمع بينه وبين ضمان قالوا والوجوب إنما يتلقى من الشارع من نص خطابه أو عمومه أو فحواه أو أو معنى نصه وليس شيء من ذلك ثابتا متحققا عنه وغاية ما يدعى قياس السفاح النكاح ويا بعد ما بينهما قالوا والمهر إنما هو من خصائص النكاح لفظا ومعنى إنما يضاف إليه فيقال مهر النكاح ولا يضاف إلى الزنى فلا يقال مهر الزنا أطلق النبي المهر وأراد به العقد كما قال إن الله حرم بيع الخمر والميتة والأصنام وكما قال ورجل باع حرا فأكل ثمنه ونظائره كثيرة والأولون يقولون الأصل في هذه المنفعة أن تقوم بالمهر وإنما أسقطه الشارع في حق وهي التي تزني باختيارها وأما المكرهة على الزنى فليست بغيا فلا يجوز إسقاط منفعتها التي أكرهت على

 


كما لو أكره الحر على استيفاء منافعه فإنه يلزمه عوضها وعوض هذه المنفعة هو المهر فهذا مأخذ القولين ومن فرق بين البكر والثيب رأى أن الواطيء لم يذهب على الثيب شيئا وحسبه العقوبة ترتبت على فعله وهذه المعصية لا يقابلها شرعا مال يلزم من أقدم عليها بخلاف فإنه أزال بكارتها فلا بد من ضمان ما أزاله فكانت هذه الجناية مضمونة عليه الجملة فضمن ما أتلفه من جزء منفعة وكانت المنفعة تابعة للجزء في الضمان كما تابعة له في عدمه من البكر المطاوعة ومن فرق بين ذوات المحارم وغيرهن رأى أن تحريمهن لما كان تحريما مستقرا وأنهن غير الوطء شرعا كان استيفاء هذه المنفعة منهن بمنزلة التلوط فلا يوجب مهرا وهذا الشعبي وهذا بخلاف تحريم المصاهرة فإنه عارض يمكن زواله

 

 

 

قال صاحب المغني وهكذا ينبغي أن يكون الحكم فيمن حرمت بالرضاع لأنه طاريء أيضا فرق في ذوات المحارم بين من تحرم ابنتها وبين من لا تحرم فكأنه رأى أن من لا ابنتها تحريمها أخف من تحريم الأخرى فأشبه العارض فإن قيل فما حكم المكرهة على الوطء في دبرها أو الأمة المطاوعة على ذلك قيل هو بعدم الوجوب فهذا كاللواط لا يجب فيه المهر اتفاقا وقد اختلف في هذه المسألة الشيخان أبو البركات ابن تيمية وأبو محمد بن قدامة فقال البركات في محرره ويجب مهر المثل


بشبهة والمكرهة على الزنى في قبل أو دبر وقال أبو محمد في المغني ولا يجب بالوطء في الدبر ولا اللواط لأن الشرع لم يرد ببدله ولا هو إتلاف لشيء فأشبه والوطء دون الفرج وهذا القول هو الصواب قطعا فإن هذا الفعل لم يجعل له قيمة أصلا ولا قدر له مهرا بوجه من الوجوه وقياسه على وطء الفرج من أفسد ولازم من قاله إيجاب المهر لمن فعلت به اللوطية من الذكور وهذا لم يقل به ألبتة


 


فصل


وأما المسألة الثانية وهي الأمة المطاوعة فهل يجب لها المهر فيه قولان أحدهما يجب قول الشافعي وأكثر أصحاب أحمد رحمه الله قالوا لأن هذه المنفعة لغيرها فلا بدلها مجانا كما لو أذنت في قطع طرفها والصواب المقطوع به أنه لا مهر لها هي البغي التي نهى رسول الله عن مهرها وأخبر أنه خبيث وحكم عليه وعلى ثمن وأجر الكاهن بحكم واحد والأمة داخلة في هذا الحكم دخولا أوليا فلا يجوز من عمومه لأن الإماء هن اللاتي كن يعرفن بالبغاء وفيهن وفي ساداتهن أنزل تعالى

وأما قولكم إن منفعتها لسيدها ولم يأذن في استيفائها فيقال هذه المنفعة يملك استيفاءها بنفسه ويملك المعاوضة عليها بعقد النكاح أو شبهته ولا يملك عليها إلا إذا أذنت ولم يجعل الله ورسوله  عوضا قط غير العقوبة فيفوت على السيد حتى يقضى له بل هذا تقويم مال أهدره ورسوله وإثبات عوض حكم الشارع بخبثه وجعله بمنزلة ثمن الكلب وأجر الكاهن وإن عوضا خبيثا شرعا لم يجز أن يقضي به ولا يقال فأجر الحجام خبيث ويقضى له به لأن منفعة الحجامة منفعة مباحة وتجوز بل على مستأجره أن يوفيه أجره فأين هذا من المنفعة الخبيثة المحرمة التي عوضها من وحكمه حكمها وإيجاب عوض في مقابلة هذه المعصية كإيجاب عوض في مقابلة اللواط الشارع لم يجعل في مقابلة هذا الفعل عوضا فإن قيل فقد جعل في مقابلة الوطء في الفرج عوضا وهو المهر من حيث الجملة بخلاف قلنا إنما جعل في مقابلته عوضا إذا استوفى بعقد أو بشبهة عقد ولم يجعل له عوضا استوفى بزنى محض لا شبهة فيه وبالله التوفيق ولم يعرف في الإسلام قط أن زانيا عليه بالمهر للمزني بها ولا ريب أن المسلمين يرون هذا قبيحا فهو عند الله عز قبيح


 


فصل


فإن قيل فما تقولون في كسب الزانية إذا قبضته ثم تابت هل يجب عليها رد ما قبضته أربابه أم يطيب لها أم تصدق به قيل هذا ينبني على قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام وهي أن من قبض ما ليس له قبضه ثم أراد التلخص منه فإن كان المقبوض  أخذ بغير رضى صاحبه ولا استوفى عوضه رده عليه فإن تعذر رده عليه قضى به دينا عليه فإن تعذر ذلك رده إلى ورثته فإن تعذر ذلك تصدق به عنه فإن اختار صاحب ثوابه يوم القيامة كان له وإن أبى إلا أن يأخذ من حسنات القابض استوفى منه ماله وكان ثواب الصدقة للمتصدق بها كما ثبت عن الصحابة رضي الله عنهم وإن كان المقبوض برضى الدافع وقد استوفى عوضه المحرم كمن عاوض على خمر أو خنزير على زنى أو فاحشة فهذا لا يجب رد العوض على الدافع لأنه أخرجه باختياره واستوفى المحرم فلا يجوز أن يجمع له بين العوض والمعوض فإن في ذلك إعانة له على الإثم وتيسير أصحاب المعاصي عليه وماذا يريد الزاني وفاعل الفاحشة إذا علم أنه غرضه ويسترد ماله فهذا مما تصان الشريعة عن الإتيان به ولا يسوغ القول به وهو الجمع بين الظلم والفاحشة والغدر ومن أقبح القبيح أن يستوفى عوضه من المزني ثم يرجع فيما أعطاها قهرا وقبح هذا مستقر في فطر جميع العقلاء فلا تأتي به ولكن لا يطيب للقابض أكله بل هو خبيث كما حكم عليه رسول الله ولكن خبثه مكسبه لا لظلم من أخذ منه فطريق التخلص منه وتمام التوبة بالصدقة به فإن كان إليه فله أن يأخذ قدر حاجته ويتصدق بالباقي

 

 

 

 فهذا حكم كل كسب خبيث لخبث عوضه كان أو منفعة ولا يلزم من الحكم بخبثه وجوب رده على الدافع فإن النبي حكم كسب الحجام ولا يجب رده على دافعه   فإن قيل فالدافع ماله في مقابلة العوض المحرم دفع ما لا يجوز دفعه بل حجر عليه الشارع فلم يقع قبضه موقعه بل وجود هذا القبض كعدمه فيجب رده على مالكه كما لو المريض لوارثه بشيء أو لأجنبي بزيادة على الثلث أو تبرع المحجور عليه بفلس أو أو تبرع المضطر إلى قوته بذلك ونحو ذلك وسر المسألة أنه محجور عليه شرعا في الدفع فيجب رده قيل هذا قياس فاسد لأن الدفع في هذه الصور تبرع محض لم يعاوض عليه والشارع قد منه لتعلق حق غيره به أو حق نفسه المقدمة على غيره وأما ما نحن فيه فهو قد بماله على استيفاء منفعة أو استهلاك عين محرمة فقد قبض عوضا محرما واقبض مالا محرما فاستوفى ما لا يجوز استيفاؤه وبذل فيه ما لا يجوز بذله فالقابض قبض محرما والدافع استوفى عوضا محرما وقضية تراد العوضين لكن قد تعذر رد أحدهما فلا يوجب رد الآخر من غير رجوع عوضه نعم كان الخمر قائما بعينه لم يستهلكه أو دفع إليها المال ولم يفجر بها وجب رد في الصورتين قطعا كما في سائر العقود الباطلة إذا لم يتصل بها القبض فإن قيل وأي تأثير لهذا القبض المحرم حتى جعل له حرمة ومعلوم أن قبض ما لا يجوز بمنزلة عدمه إذ الممنوع شرعا كالممنوع حسا فقابض المال قبضه بغير حق فعليه أن إلى دافعه قيل والدافع قبض العين واستوفى المنفعة بغير حق كلاهما قد اشتركا في دفع ما ليس دفعه وقبض ما ليس لهما قبضه وكلاهما عاص لله فكيف يخص أحدهما أن يجمع له بين والمعوض عنه  على الآخر العوض والمعوض فإن قيل هو فوت المنفعة على نفسه باختياره قيل والآخر فوت العوض على نفسه فلا فرق بينهما وهذا واضح بحمد الله وقد توقف شيخنا في وجوب رد عوض هذه المنفعة المحرمة على باذله أو الصدقة به في اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم وقال الزاني ومستمع الغناء قد بذلوا هذا المال عن طيب نفوسهم فاستوفوا العوض المحرم والتحريم الذي فيه لحقهم وإنما هو لحق الله تعالى وقد فاتت هذه المنفعة بالقبض والأصول تقتضي أنه رد أحد العوضين رد الآخر فإذا تعذر على المستأجر رد المنفعة لم يرد عليه المال الذي استوفيت منفعته عليه ضرر في أخذ منفعته وأخذ عوضها جميعا منه بخلاف ما كان العوض خمرا أو ميتة فإن تلك لا ضرر عليه في فواتها فإنها لو كانت باقية عليه ومنفعة الغناء والنوح لو لم تفت لتوفرت عليه بحيث كان يتمكن من صرف المنفعة في أمر آخر أعني من صرف القوة التي عمل بها

 

 

 

 

 ثم أورد على نفسه سؤالا فيقال على هذا فينبغي أن تقضوا بها إذا طالب بقبضها وأجاب عنه بأن قال قيل لا نأمر بدفعها ولا بردها كعقود الكفار المحرمة فإنهم إذا أسلموا قبل القبض لم بالقبض ولو أسلموا بعد القبض لم يحكم بالرد ولكن المسلم تحرم عليه هذه الأجرة كان معتقدا لتحريمها بخلاف الكافر وذلك لأنه إذا طلب الأجرة فقلنا له أنت حيث صرفت قوتك في عمل يحرم فلا يقضى لك بالأجرة فإذا قبضها وقال الدافع هذا اقضوا لي برده فإني أقبضته إياه عوضا عن منفعة محرمة قلنا له دفعته معاوضة  بها فإذا طلبت استرجاع ما أخذ فاردد إليه ما أخذت إذا كان له في بقائه معه فهذا محتمل قال وإن كان ظاهر القياس ردها لأنها مقبوضة بعقد فاسد انتهى وقد نص أحمد في رواية أبي النضر فيمن حمل خمرا أو خنزيرا أو ميتة لنصراني أكره كرائه ولكن يقضى للحمال بالكراء وإذا كان لمسلم فهو أشد كراهة فاختلف أصحابه هذا النص على ثلاث طرق إحداها إجراؤه على ظاهره وأن المسألة رواية واحدة قال ابن أبي موسى وكره أحمد أن المسلم نفسه لحمل ميتة أو خنزير لنصراني فإن فعل قضي له بالكراء وهل يطيب له لا على وجهين أوجههما أنه لا يطيب له ويتصدق به وكذا ذكر أبو الحسن الآمدي قال أجر نفسه من رجل في حمل خمر أو خنزير أو ميتة كره نص عليه وهذه كراهة تحريم النبي لعن حاملها إذا ثبت ذلك فيقضى له بالكراء وغير ممتنع أن يقضى له وإن كان محرما كإجارة الحجام انتهى فقد صرح هؤلاء بأنه يستحق الأجرة مع محرمة عليه على الصحيح الطريق الثانية تأويل هذه الرواية بما يخالف ظاهرها وجعل المسألة رواية واحدة وهي هذه الإجارة لا تصح وهذه طريقة القاضي في المجرد وهي طريقة ضعيفة وقد رجع عنها كتبه المتأخرة فإنه صنف المجرد قديما الطريقة الثالثة تخريج هذه المسألة على روايتين إحداهما أن هذه الإجارة صحيحة بها الأجرة مع الكراهة للفعل والأجرة والثانية  تصح الإجارة ولا يستحق بها أجرة وإن حمل وهذا على قياس قوله في الخمر لا يجوز وتجب إراقتها قال في رواية أبي طالب إذا أسلم وله خمر أو خنازير تصب الخمر الخنازير وقد حرما عليه وإن قتلها فلا بأس فقد نص أحمد أنه لا يجوز إمساكها قد نص في رواية ابن منصور أنه يكره أن يؤاجر نفسه لنطارة كرم لنصراني لأن ذلك يرجع إلى الخمر إلا أن يعلم أنه يباع لغير الخمر فقد منع من إجارة نفسه حمل الخمر وهذه طريقة القاضي في تعليقه وعليها أكثر أصحابه والمنصور عندهم المخرجة وهي عدم الصحة وأنه لا يستحق أجرة ولا يقضى له بها وهي مذهب مالك وأبي يوسف ومحمد

 

 

 

 

 وهذا إذا استأجر على حملها إلى بيته للشرب أو لأكل أو مطلقا فأما إذا استأجره لحملها ليريقها أو لينقل الميتة إلى الصحراء يتأذى بها فإن الإجارة تجوز حينئذ لأنه عمل مباح لكن إن كانت الأجرة جلد لم تصح واستحق أجرة المثل وإن كان قد سلخ الجلد وأخذه رده على صاحبه هذا شيخنا وهو مذهب مالك والظاهر أنه مذهب الشافعي وأما مذهب أبي حنيفة رحمه الله كالرواية الأولى أنه تصح الإجارة ويقضى له بالأجرة ومأخذه في ذلك أن الحمل كان مطلقا لم يكن المستحق نفس حمل الخمر فذكره وعدم ذكره سواء وله أن يحمل آخر غيره كخل وزيت وهكذا قال فيما لو أجره داره أو حانوته ليتخذها كنيسة أو فيها الخمر قال أبو بكر الرازي لا فرق عند أبي حنيفة بين أن يشترط أن يبيع الخمر أو لا يشترط وهو يعلم أنه يبيع فيه الخمر أن الإجارة تصح لأنه لا يستحق  إلا بعقد الإجارة فعل هذه الأشياء وإن شرط ذلك لأن له أن لا يبيع فيه الخمر ولا الدار كنيسة ويستحق عليه الأجرة بالتسليم في المدة فإذا لم يستحق عليه فعل الأشياء كان ذكرها وتركها سواء كما لو اكترى دارا لينام فيها أو ليسكنها فإن تستحق عليه وإن لم يفعل ذلك وكذا يقول فيما إذا استأجر رجلا ليحمل خمرا أو أو خنزيرا أنه يصح لأنه لا يتعين حمل الخمر بل لو حمله بدله عصيرا استحق فهذا التقييد عندهم لغو فهو بمنزلة الإجارة المطلقة والمطلقة عنده جائزة غلب على ظنه أن المستأجر يعصي فيها كما يجوز بيع العصير لمن يتخذه خمرا ثم إنه بيع السلاح في الفتنة قال لأن السلاح معمول للقتال لا يصلح لغيره وعامة خالفوه في المقدمة الأولى وقالوا ليس المقيد كالمطلق بل المنفعة المعقود هي المستحقة فتكون هي المقابلة بالعوض وهي منفعة محرمة وإن كان للمستأجر أن غيرها مقامها وألزموه فيما لو اكترى دارا ليتخذها مسجدا فإنه لا يستحق عليه المعقود عليه ومع هذا فإنه أبطل هذه الإجارة بناء على أنها اقتضت فعل الصلاة لا تستحق بعقد إجارة ونازعه أصحاب أحمد ومالك في المقدمة الثانية وقالوا إذا غلب على ظنه أن المستأجر بها في محرم حرمت الإجارة لأن النبي لعن عاصر الخمر ومعتصرها والعاصر إنما عصيرا ولكن لما علم أن المعتصر يريد أن يتخذه خمرا فيعصره له استحق اللعنة

 

 

 قالوا وأيضا فإن في هذا معاونة على نفس ما يسخطه الله ويبغضه ويلعن فاعله فأصول وقواعده تقتضي تحريمه وبطلان العقد عليه وسيأتي مزيد تقرير هذا عند الكلام حكمه بتحريم العينة وما يترتب عليه من العقوبة قال شيخنا والأشبه طريقة ابن موسى يعني أنه يقضى له بالأجرة وإن كانت المنفعة ولكن لا يطيب له أكلها قال فإنها أقرب إلى مقصود أحمد وأقرب إلى القياس وذلك النبي لعن عاصر الخمر ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه فالعاصر والحامل قد على منفعة تستحق عوضا وهي ليست محرمة في نفسها وإنما حرمت بقصد المعتصر فهو كما لو باع عنبا وعصيرا لمن يتخذه خمرا وفات العصير والخمر في يد فإن مال البائع لا يذهب مجانا بل يقضى له بعوضه كذلك هنا المنفعة التي المؤجر لا تذهب مجانا بل يعطى بدلها فإن تحريم الإنتفاع بها إنما كان من جهة لا من جهة المؤجر فإنه لو حملها للإراقة أو لإخراجها إلى الصحراء خشية بها جاز ثم نحن نحرم الأجرة عليه لحق الله سبحانه لا لحق المستأجر والمشتري من استؤجر للزنى أو التلوط أو القتل أو السرقة فإن نفس هذا العمل محرم لأجل المستأجر فهو كما لو باع ميتة أو خمرا فإنه لا يقضى له بثمنها لأن نفس هذه محرمة وكذلك لا يقضى له بعوض هذه المنفعة المحرمة قال شيخنا ومثل هذه الإجارة والجعالة يعني الإجارة على حمل الخمر والميتة لا توصف مطلقا ولا بالفساد مطلقا بل يقال هي صحيحة بالنسبة إلى المستأجر بمعنى أنه عليه العوض وفاسدة بالنسبة إلى الأجير بمعنى أنه يحرم عليه الإنتفاع بالأجر في الشريعة نظائر قال ولا ينافي هذا نص أحمد على كراهة نطارة كرم النصراني ننهاه عن هذا الفعل وعن عوضه ثم نقضي له بكرائه قال ولو لم  يكن  هذا لكان في هذا منفعة عظيمة للعصاة فإن كل من استأجروه على عمل يستعينون به المعصية قد حصلوا غرضهم منه فإذا لم يعطوه شيئا ووجب أن يرد عليهم ما أخذ منهم ذلك أعظم العون لهم وليسوا بأهل أن يعاونوا على ذلك بخلاف من سلم إليهم عملا قيمة له بحال يعني كالزانية والمغني والنائحة فإن هؤلاء لا يقضى لهم بأجرة ولو منهم المال فهل يلزمهم رده عليهم أم يتصدقون به فقد تقدم الكلام مستوفى في وبينا أن الصواب أنه لا يلزمهم رده ولا يطيب لهم أكله والله الموفق للصواب

 

 


 


فصل


الحكم الخامس حلوان الكاهن قال أبو عمر بن عبدالبر لا خلاف في حلوان الكاهن أنه يعطاه على كهانته وهو من أكل المال بالباطل والحلوان في أصل اللغة العطية قال

 

( فمن رجل أحلوه رحلي وناقتي % يبلغ عني الشعر إذ مات قائله )


 انتهى وتحريم حلوان الكاهن تنبيه على تحريم حلوان المنجم والزاجر وصاحب القرعة التي هي الأزلام وضاربه الحصا والعراف والرمال ونحوهم ممن تطلب منهم الأخبار عن وقد نهى النبي عن إتيان الكهان وأخبر أن من أتى عرافا فصدقه بما يقول كفر بما أنزل عليه ولا ريب أن الإيمان بما جاء به محمد

 


وبما يجيء به هؤلاء لا يجتمعان في قلب واحد وإن كان أحدهم قد يصدق أحيانا فصدقه إلى كذبه قليل من كثير وشيطانه الذي يأتيه بالأخبار لا بد له أن يصدقه ليغوي به الناس ويفتنهم به وأكثر الناس مستجيبون لهؤلاء مؤمنون بهم ولا سيما ضعفاء العقول كالسفهاء والجهال وأهل البوادي ومن لا علم لهم بحقائق الإيمان فهؤلاء هم المفتونون بهم منهم يحسن الظن بأحدهم ولو كان مشركا كافرا بالله مجاهرا بذلك ويزوره وينذر ويلتمس دعاءه فقد رأينا وسمعنا من ذلك كثيرا وسبب هذا كله خفاء ما بعث الله به من الهدى ودين الحق على هؤلاء وأمثالهم ( ومن لم يجعل الله له نورا فما له نور ) وقد قال الصحابة رضي الله عنهم للنبي إن هؤلاء يحدثوننا أحيانا بالأمر كما قالوا فأخبرهم أن ذلك من جهة الشياطين يلقون إليهم الكلمة تكون حقا هم معها مائة كذبة فيصدقون من أجل تلك الكلمة

 

 

وأما أصحاب الملاحم فركبوا ملاحمهم من أشياء أحدها من أخبار الكهان والثاني من أخبار منقولة عن الكتب السالفة متوارثة بين أهل الكتاب والثالث من أمور أخبر نبينا بها جملة وتفصيلا والرابع من أمور أخبر بها من له كشف من الصحابة ومن بعدهم والخامس من منامات متواطئة على أمر كلي وجزئي فالجزئي  بعينه والكلي يفصلونه بحدس وقرائن تكون حقا أو تقارب والسادس من استدلال بآثار علوية جعلها الله تعالى علامات وأدلة وأسبابا لحوادث لا يعلمها أكثر الناس فإن الله سبحانه لم يخلق شيئا سدى ولا عبثا وربط العالم العلوي بالسفلي وجعل علويه مؤثرا في سفليه دون العكس فالشمس والقمر ينكسفان لموت أحد ولا لحياته وإن كان كسوفهما لسبب شر يحدث في الأرض ولهذا شرع تغيير الشر عند كسوفهما بما يدفع ذلك الشر المتوقع من الصلاة والذكر والتوبة والإستغفار والعتق فإن هذه الأشياء تعارض أسباب الشر وتقاومها

 

 

موجباتها إن قويت عليها وقد جعل الله سبحانه حركة الشمس والقمر واختلاف مطالعهما سببا للفصول التي هي سبب والبرد والشتاء والصيف وما يحدث فيهما مما يليق بكل فصل منها فمن له اعتناء واختلاف مطالعهما يستدل بذلك على ما يحدث في النبات والحيوان وغيرهما أمر يعرفه كثير من أهل الفلاحة والزراعة ونواتي السفن لهم استدلالات وأحوال الكواكب على أسباب السلامة والعطب من اختلاف الرياح وقوتها لا تكاد تختل والأطباء لهم استدلالات بأحوال القمر والشمس على اختلاف طبيعة الإنسان وتهيئها التغير واستعدادها لأمور غريبة ونحو ذلك وواضعو الملاحم لهم عناية شديدة بهذا وأمور متوارثة عن قدماء المنجمين ثم من هذا كله قياسات وأحكاما تشبه ما تقدم ونظيره وسنة الله في خلقه جارية سنن اقتضته حكمته فحكم النظير حكم نظيره وحكم الشيء حكم مثله وهؤلاء صرفوا قوى إلى أحكام  والقدر واعتبار بعضه ببعض والإستدلال ببعضه على بعض كما صرف أئمة الشرع قوى إلى أحكام الأمر والشرع واعتباربعضه ببعض والإستدلال ببعضه على بعض والله له الخلق والأمر ومصدر خلقه وأمره عن حكمة لا تختل ولا تتعطل ولا تنتقض ومن قوى ذهنه وفكره واستنفد ساعات عمره في شيء من أحكام هذا العالم وعلمه كان له من النفوذ والمعرفة والإطلاع ما ليس لغيره ويكفي الإعتبار بفرع واحد من فروعه وهو عبارة الرؤيا فإن العبد إذا نفذ فيها وكمل جاء بالعجائب وقد شاهدنا نحن وغيرنا من ذلك أمورا عجيبة يحكم فيها المعبر متلازمة صادقة سريعة وبطيئة ويقول سامعها هذه علم غيب وإنما هي معرفة ما عن غيره بأسباب انفرد هو بعلمها وخفيت على غيره والشارع صلوات الله عليه حرم تعاطي ذلك ما مضرته راجحة على منفعته أو ما لا منفعة فيه أو ما يخشى على صاحبه يجره إلى الشرك وحرم بذل المال في ذلك وحرم أخذه به صيانة للأمة عما يفسد عليها أو يخدشه بخلاف علم عبارة الرؤيا فإنه حق لا باطل لأن الرؤيا مستندة إلى المنامي وهي جزء من أجزاء النبوة ولهذا كلما كان الرائي أصدق كانت رؤياه وكلما كان المعبر أصدق وأبر وأعلم كان تعبيره أصح بخلاف الكاهن والمنجم ممن لهم مدد من إخوانهم من الشياطين فإن صناعتهم لا تصح من صادق ولا بار متقيد بالشريعة بل هم أشبه بالسحرة الذين كلما كان أحدهم أكذب وأفجر وأبعد عن ورسوله ودينه كان السحر معه أقوى وأشد تأثيرا بخلاف علم الشرع والحق فإن كلما كان أبر وأصدق وأدين كان علمه به ونفوذه فيه أقوى وبالله التوفيق

 




                      المقال السابق                       المقال التالى




Bookmark and Share


أضف تعليق

أنت بحاجة للبرامج التالية: الحجم : 2.26 ميجا الحجم : 19.8 ميجا