رسول الإنسانية.. أعظم إنسان

كانت بعثته عليه السلام رحمة {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]. رحمة بأمته، التي خرجت من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومِن ظلمات الكفر والجهل إلى نور الإيمان والعلم. ورحمة بالمرأة، التي أعطاها حقوقها، وحفظ مالها وميراثها..

عندما نتكلم عن النبي عليه الصلاة والسلام، فنحن بالفعل نتكلم عن أعظم إنسان عرفته البشرية، في تاريخها السابق واللاحق، فهو مثال فريد لم يتكرر. والبشرية تعرف رجالاً اشتهروا بصفة أخلاقية كشجاعة عنترة، وكرم حاتم، لكن لا تعرف غير النبي عليه السلام جمع بين كل هذه الصفات، وبلغ الكمال فيها، فقد جمع أحسن الأخلاق وبلغ الكمال فيها جميعًا، وهذه لمن تدبّر إحدى دلائل نبوّته، وقد ذهب الماوردي وغيره إلى عَدِّ أخلاقه العظيمة مِن أمارات نبوّته عليه السلام.


والذي ينظر إلى حالته عليه الصلاة والسلام، وكيف قاد قطار الأمة بين الصعاب، وبدأها بنفسه وأكمل بنيانها حتى بدأت ترسل الوفود والرسائل للممالك الكبيرة تدعوها للإسلام، بل وتتصدّى لحرب المعتدين عليها، وماتت أممٌ وبقيت هي تطرد الرديء عن نفسها وتكمل المسيرة بخيرة أبنائها، بناها عليه السلام من لا شيء وأوصلها إلى كل شيء، فمَن فعلَ هذا غيره؟

وفي الوقت نفسه قام بتعليم أمته أمور دينها، فلم يترك كبيرًا ولا صغيرًا إلا دلَّ أمته عليه، وعلّمها إياه، حتى أدب دخول الحمام، وإزالة الأذى عن الطريق، والشوكة تصيب المؤمن. وفي الوقت نفسه قام بحقوق زوجاته، وكان خير الناس لأهله، وربما قام بإصلاح ثوبه بنفسه، ويتفقد أصحابه ويمشي في قضاء حوائجهم وديونهم وزواجهم وغير ذلك.


ويستقبل الوفود والقبائل التي تريد الدخول في الإسلام، ويأتي الأعرابي فيجذب ثوبه فيصبر عليه، ويبول الرجل في المسجد فيصبر عليه ويُعلِّم أصحابه الرفق به وكيف يطهِّرون المكان، وتأتي المرأة فتوقفه فيذهب ويقضي لها حاجتها. وأمورٌ كثيرةٌ كثيرة، لو قام ببعضها على وجه الكمال لكان مفخرة لأتباعه، فكيف بقيامه بها كلها على أكمل وجهٍ وأحسنه؟.

فكيف تسنَّى له القيام بكل هذا، وهو يوعك كما يوعك الرجلان مِن أُمته؟ ومتى وكيف أوجد الوقت لذلك كله؟ مهما حاولنا الجواب عن هذه الأسئلة أو غيرها فلن نجد جوابًا أحسن وأدق مِن الإذعان بنبوّته واصطفاء الله عز وجل له، وإعانته وتوفيقه على ما كلَّفه به، وأنَّ الأمر اصطفاء رباني، وأننا أمام أعظم إنسان. أعظم إنسان في تواضعه وشجاعته وخُلُقِه، {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4].

فهو الكريم {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} [الحاقة: 40]، إن سألت عن أخلاقه «كان خُلُقه القرآن»، «أحسن الناس خُلُقًا»، وفي كرمه «أجود بالخير مِن الرّيح المُرسَلة»، وفي شجاعته كان أصحابه يحتمون به إذا اشتدت الحروب.


وكانت بعثته عليه السلام رحمة {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]. رحمة بأمته، التي خرجت من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومِن ظلمات الكفر والجهل إلى نور الإيمان والعلم. ورحمة بالمرأة، التي أعطاها حقوقها، وحفظ مالها وميراثها، وهي التي كانت تُدفن حيّة عند ولادتها في الجاهلية، وتختلف فيها أوروبا: هل للمرأة روح أم لا؟. ورحمة بالنصارى الذين ألهبتهم سياط يهود ومزاعمهم في نبي الله عيسى وأُمِّه عليهما السلام، واتهامها بالفاحشة وهي البريئة الصّدِّيقة البتول، فوثَّق معجزتها الخالدة، وسُمِّيت سورة في القرآن باسمها.

بل رحمة بالجن الذى استمع للقرآن الكريم، فآمن وأسلم لله رب العالمين، ورحمة بالحيوان، فلا يجوز في ديننا اتخاذ حيوان غرضًا، أو تعذيبه، أو تحميله فوق طاقته. ورحمة بأعدائنا الذين حاربونا فغدروا وخانوا ودَمَّروا، لكنَّا لا نغدر ولا نخون، ولا يقطع جنودنا شجرة، ولا يقتلون شيخًا عجوزًا أو طفلاً أو امرأة مسالمة.

فقد بنى أعظم إنسان عليه السلام أُمّـةً يرميها الناس بالطوب فترميهم بالثمر.

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم