رحمته صلى الله عليه وسلم بعبد ياليل بن عمرو الثقفي

الكاتب : د/ راغب السرجاني

نعيش في هذا المقال مع موقف رسول الله مع شخصية عجيبة، ما توقَّع أحدٌ قطُّ أن يُحْسِنَ إليها؛ فقد تركت هذه الشخصية جروحًا عميقة في نفس الرسول لعدة سنوات، بل إنه عندما أتى للقاء رسول الله لم يأته راغبًا في الإسلام كما أتى الآخرون، إنما جاء يجادل ويناور!!

إنها شخصية من أهم الشخصيات في الجزيرة العربية بكاملها.

إنه «عبد ياليل بن عمرو الثقفي».. زعيم قبيلة ثقيف المشهورة.

وتاريخه مع رسول الله شديد السواد..!!

وتبدأ قصته مع رسول الله عندما أُغْلِقَتْ أبوابُ الدعوة في مكة بعد وفاة أبي طالب عمِّ النبي ، فانطلق الرسول إلى مدينة الطائف؛ ليدعو قبيلة ثقيف إلى الله، لعلها تقف موقفًا مشرِّفًا معه، فالتقى مع زعماء ثقيف، وكانوا ثلاثة على رأسهم «عبد ياليل بن عمرو»، وعرض عليهم الأمر، فوجد منهم ما لم يتخيَّله من الجحود والإنكار والصد عن سبيل الله، بل وجد منهم السخرية والاستهزاء والاستخفاف، حتى قال زعيمهم «عبد ياليل بن عمرو»: إنه ليمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسله[1]!!

ثم كان من هذا الزعيم وأصحابه ما يَعرف الجميع من حثٍّ للغلمان والسفهاء أن يطاردوا رسول الله وصاحبه زيد بن حارثة بالحجارة والسباب، حتى أخرجوهما تمامًا من منطقة الطائف.

إن هذا الموقف السفيه من أشدِّ مواقف الدعوة ألمًا على نفس رسول الله ، وظلَّ الوضع على هذه الصورة القاتمة لسنوات متصلة..

فلم يؤمن أحد من ثقيف إلا القليل، بل لعلَّه لم يؤمن منهم قبل الفتح إلا الصحابي الجليل المغيرة بن شعبة[2] t، ثم قامت ثقيف بالتحالف مع هوازن لتكوين حزب ضخم يهدف إلى استئصال المسلمين، وذلك في موقعة حنين في العام الثامن من الهجرة[3].

وعند هزيمتهم فرَّت جيوشهم إلى حصونهم في الطائف، فحاصرهم رسول الله لمدة شهر كامل[4]، ولكنه لم يقدر على إخراجهم من الحصون، ومن ثَم غادر المنطقة دون أن يفتح الطائف. وكانت هذه صدمة للصحابة –رضي الله عنهم-، لكن رسول الله هَوَّنَ عليهم الأمر، بل دعا لثقيف بالهداية.

وقد تفاقم أمر ثقيف عندما قتلت زعيمَها عروة بن مسعود[5] t، عندما أسلم ودعاهم إلى الإسلام، فأثَّر ذلك جدًّا في رسول الله .

بر الرسول مع عبد ياليل بن عمرو

ومرَّت الأيام، وفي رمضان من العام التاسع من الهجرة وجدت قبيلة ثقيف أن قوة المسلمين أصبحت هي القوة الأولى في الجزيرة العربية، وبخاصة بعد فرار الجيوش الرومانية منها في تبوك، ففكَّرت أن تأتي المدينة لتبايع على الإسلام!!

وكان واضحًا من كلامهم وترتيبهم أنهم ما جاءوا حُبًّا للإسلام، ولا اقتناعًا به، ولكن لرؤيتهم أنهم لا طاقة لهم بحرب المسلمين، ومن ثَمَّ كوَّنوا وفدًا يُحاور ويفاوض رسول الله ، ويصل معه إلى أفضل ما يمكن أن يصلوا إليه، وجعلوا على رأس هذا الوفد «عبد ياليل بن عمرو» الزعيم القديم الذي سَخِرَ في يومٍ ما من رسول الله سخريةً شديدة، ولكن دارت الأيام دورتها وجاء زعيم ثقيف منكسرًا أمام الرسول العظيم ، الذي مُكِّن له في الأرض، وأصبح في مركز القوة.

استقبل رسول الله وفد ثقيف وعلى رأسه «عبد ياليل» خير استقبال، ولم يُذَكِّرْهُمْ بماضيهم أبدًا، ولم يقل لهم شيئًا عن سخريتهم منه يوم ذهب إليهم طالبًا نصرتهم، ولم يقل: هذه بتلك، أو: اليومَ باليومِ الذي سخرتم فيه مني.. بل قابلهم بالترحاب وبالبسمة وبالكرم وبالضيافة وبالهدية، بل جلس معهم يستمع لمفاوضاتهم ومقترحاتهم التي كانت في غاية السفاهة، ومع ذلك لم ينفعل عليهم، أو يغضب منهم، بل ناقشهم في هدوء، وتكلَّم معهم في رَويَّة!!

لقد طلبوا أن يُسلِموا بشروط منها: أن يأذن لهم في الربا والزنا وفي الخمر، وأن يُعْفَوْا من الصلاة، وأن تُتْرَكَ لهم اللات[6] دون أن تُكسر[7]!!

لقد كانت مطالب سفيهة تدل على عدم فقهٍ لمعنى الإسلام، ومع سفاهة تلك المطالب إلا أن الرسول لم يفقد أعصابه أو يتركهم، إنما أخذ يُفَسِّرُ لهم ويشرح، ورفض مطالبهم هذه في منتهى الأدب، وبأسلوب يَغْلِبُ عليه الرفق واللين، وكان يُحاورهم كل ليلة بعد صلاة العشاء، ويُكثر من الحديث معهم، وكان قد ضرب لهم قُبَّة[8] في المسجد النبوي[9] تكريمًا لهم، وتعظيمًا لقَدْرِهِم.

هذا مع أنهم لم يُسلموا بعدُ..

وفي نهاية الأمر، قَبِلَ وفد ثقيف بالإسلام كاملاً دون انتقاص ولا تفريط، ودخلت بعد ذلك قبيلة ثقيف في الإسلام، وكانت من أكثر الناس ثباتًا على الإسلام حتى في زمان الردة.

وليس من شكٍّ أن رسول الله لو سلك معهم مسلكًا عنيفًا، أو أظهر فيهم تشفِّيًا وشماتة لكانت حالهم غير هذه الحال، ولأصبحوا حَجَرَ عَثْرَةٍ في طريق الأمن والأمان في الجزيرة العربية، ولكنه يُعَلِّمُنَا ما دأب على تذكيرنا به حين قال: «إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لاَ يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ وَمَا لاَ يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ»[10].

ولقد رأينا الخير الواسع الذي عمَّ الجزيرة بكاملها، بل عمَّ العالم بهذا النهج الذي انتهجه في التعامل مع الناس، وفي التعامل مع المخالفين له، والمعترضين عليه، والطاعنين فيه الساخرين منه، وقد صدق حين وصف قيمة الرفق بقوله المختصر المبدع: «مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الْخَيْرَ»[11].

وصلِّ اللهم وسلِّمْ وبارِكْ على مَنْ عَلَّمَ الناسَ الخيرَ، وهَدَاهم إلى الرُّشد.. رسول الله محمد ، وعلى آله وصحبه وسلِّم

---------------------------------------------------------------------

[1] الطبري: تاريخ الأمم والملوك 1/554.

[2] المغيرة بن شعبة: هو المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود الثقفي، أسلم عام الخندق، وقدم مهاجرًا، وقيل: إن أول مشاهده الحديبية. روي عن الشعبي أنه قال: دهاة العرب أربعة: معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وزياد. توفي بالكوفة سنة 50هـ. انظر: ابن عبد البر: الاستيعاب 4/7، وابن الأثير: أسد الغابة 4/454، وابن حجر: الإصابة، الترجمة رقم (8179).

[3] بعد فتح مكة.

[4] الطبري: تاريخ الأمم والملوك 2/171.

[5] هو عروة بن مسعود بن ثقيف، وهو ممن أرسلته قريش إلى النبي ﷺ يوم الحديبية، أعلن إسلامه أمام قومه، ودعاهم إلى الإسلام، فرموه بالنبل من كل وجه، فأصابه سهم فقتله، وقيل له: ما ترى في دمك؟ فقال: كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إليَّ، فليس فيَّ إلا ما في الشهداء الذين قُتِلوا في سبيل الله مع رسول الله ﷺ قبل أن يرحل عنكم، فادفنوني معهم. فدفنوه معهم. انظر: ابن عبد البر: الاستيعاب 3/176، وابن حجر: الإصابة، الترجمة رقم (5527).

[6] اللات: اسْمُ صَنَم كان لثقيف بالطائف. ابن الأثير: النهاية في غريب الأثر 4/413.

[7] انظر: ابن كثير: البداية والنهاية 5/33، وابن سيد الناس: عيون الأثر 2/306.

[8] قبة: خيمة.

[9] ابن سعد: الطبقات الكبرى 1/313.

[10] مسلم عن عائشة ل: كتاب البر والصلة والأدب، باب فضل الرفق (2593)، وابن حبان (552)، والبيهقي في سننه الكبرى (20586).

[11] مسلم: كتاب البر والصلة والأدب، باب فضل الرفق (2592)، وأبو داود (4809)، وابن ماجه (3687)، وأحمد (19229)، وابن حبان (548) عن جرير بن عبد الله البجلي.

المقال السابق المقال التالى