وصف الخلان في وصف سيد ولد عدنان

الكاتب : شادي راضي

أيُّها الحبيبُ المبارك، لو سألتك سؤالًا - وسامحني في هذا السُّؤال - وقُلتُ لكَ: صِف لي نبيَّك،فما هو جوابُك؟وكم سيجيبني من المحبِّين له؟ ولن أنتظر إجابات، بل سأضع بين يَديْك وصفًا مُختصرًا عن سيِّد الأنام لمن جَهل يَعلَم، ولمن نَسي يَذكُر ويُرَاجِع، ولمن لا يَعرف جمالَه خَلقًا وخُلقًا، فليقرأ ليعرف جميلَ أوصافه، وحُسنَ طباعِه - صلى الله عليه وسلم.

إنَّ محمدًا - صلى الله عليه وسلم - كان فَخمًا مُفخَّمًا، مُعتدل القامةِ للطُّول أقرب، مُعتدل الخَلق، أبيضَ مَشوبًا بحُمرة، شعره وسَط بين الجُعودة والاسْترسال، طوله ما بين شحمة أُذنيه إلى مَنكِبَيه، كثَّ اللحية، توفَّاه الله وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرةً بيضاء، عريض أعلى الظهر، في وَجهه تدويرٌ يتلألأ كالقمر، أسود العينَين، طويل شق العين، يكتحل بالإثمِد، أَفْلَج الثَّنايا، طويل الأشْفار، دَقيق المَسْرُبَة، غليظ أصابع الكفَّيْن والقدمَين، ذا مِشيَة سَريعة.

وأما خاتَم نبوَّته، فكبيضة الحمام حجمًا، شُعيرات في ظهره بين كتفَيه، ولبس خاتمًا من فضة منقوش عليه (محمد رسول الله)، كل كلمة في سَطر، يَلبسُه في يمينه، وقَع في بئر أَرِيس.

وأما لِباسُه - صلى الله عليه وسلم - فلَبِس القميص، ولَبس ثَوبًا فيه حُمرة، وثيابًا مُزيَّنة من كِتَّان وقطن، وكذا بُردان أخضران، ويُحبُّ البياضَ من الثياب، ولَبِس جبَّة رُوميَّة ضيِّقة الكُمَّين، وله إزار ورداءٌ، وكمُّه إلى الرُّسْغ، وثوبُه إلى نِصف ساقيه - صلى الله عليه وسلم - ولَبس عمامَة سوداء مُسدلها بين كتفَيه، ولَبِس الخُفَّين، ونعلاً بإصبع، مَثني من الأعلى، لا شَعَر فيهما، ولبس نعلين مخصُوفَتَين؛ أي: مخروزتَين.

وأما أدواتُ حربِه - صلى الله عليه وسلم - فله سيفٌ مَقبضُه فِضة، صُنع في بني حنيفة، وله دِرعان، ومِغْفَر (خوذة).

وأما جلساتُه - صلى الله عليه وسلم - فقعد القُرفصاء، واستلقى على ظهره واضعًا إحدى رجليه على الأخرى، وجلس محتبيًا، واتكأ على وسادة.

وأما عيشُه - صلى الله عليه وسلم - فلم يَشبع هو وآل بيته الأطهار من خبز الشَّعير قط يومين متتابعين، ولم يأكل لحمًا إلا بمَحضر ضيوف، وأكل التمر الرديء، يأكل بأصابعه الثلاثة ويلعقُها، إدامُه الخلُّ، أكل لحم دَجاج مرَّة، ولحم حبارَى، ولحمًا مَشويًّا، ويحبُّ الذراعَ، يحب الدُّبَّاء والحَلوى والعسلَ، ويحب الثَّريدَ، ويحب أن يأكل باقي الطَّعام، وأكل الرُّطب بالقثَّاء وكذا بالبِطِّيخ وكذا الخربز، يحب الشَّراب الحلو البارد، فشرب العسل والماء واللَّبن، ونقيع التمر أو الزَّبيب في قدح من خشب غليظ مُضبَّب بحديد، شرب واقفًا وقاعدًا.

وأما عِطره، فكان له إناء يتطيب منه - صلى الله عليه وسلم - وكان لا يرد طِيبًا.

وأما كلامُه - صلى الله عليه وسلم - فكان سهلاً فصلاً يعيده ثلاثًا، لا يتكلم في غير حاجة، أوتي جوامعَ الكلِم، متواصلَ الأحزان، دائمَ الفِكرة، يتمثل بشيء من الشِّعر، مثل:

وَيأْتِيكَ بالأَخْبارِ مَن لم تُزَودِ
ألَا كُلُّ شَيءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلُ

يَسمر مع أصحابِه ويُحادثُهم، يُكثر التَّبسُّم معهم، ضَحك في مواقف مُتفرِّقة، يمزحُ مَزحًا صادقًا.

وكان إذا نام - صلى الله عليه وسلم - وَضع كفَّه اليُمنى على خَدِّه، ذاكرًا لرَبِّه، وإذا نام سُمع غَطِيطه، وإذا نام قبيل الصُّبح في سَفر نَصَب ذراعَه ووضع رأسَه على كفِّه؛ حتى لا يَستغرق في نومه فتفوتَه صلاةُ الفجر، وفِراشُه أدم (الجلد المدبوغ) حشوُه ليفٌ (قِشرُ النَّخل).

عَبَد رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ربَّه حتى تَورَّمت قدماه، وقال: ((أَفلا أَكونُ عَبدًا شكورًا!))، يُصلي ليلاً طويلاً قائمًا، وليلاً طويلاً قاعدًا، مُحافظًا على قيام اللَّيل والسُّنن الرَّواتب وصلاةِ الضحى، كثير الصِّيام، ويصوم يومَي الاثنين والخميس، وثلاثة البيض، وعاشوراء.

وأما قراءتُه - صلى الله عليه وسلم - لقرآن ربِّه، فهي قراءة مُفسَّرة حرفًا حرفًا مدًّا، حسَن الصَّوت، يجهر ويُسرُّ بالقراءة، وإذا بكى سُمع له أَزيز كأزيز المِرجل من البكاء، بَكى عند آيات مِن الكتاب العزيز، وبَكى عند فِراق الأحباب والأصحاب.

تَواضعه أدبٌ يُقتدى، وسَمت يُهتدى، فقال: ((إنما أنا عبدُ الله ورسوله))، ركِب حمارًا، ويفلي ثوبَه، يَحلب شاتَه، يخدم نفسَه، لم يقل يومًا ما لأحد قط: أف، لم يَضرب خادمًا ولا امرأةً، يختارُ أَيسر الأمرين، يَغضب لله، يتغافل عمَّا لا يشتهي، لا يَدخِّر شيئًا لغدٍ، يقبل الهديَّة ويثيب عليها، أشد حياءً من العَذراء في خِدرها، وإذا كرِه شيئًا عُرف في وجهه، احتجم وأمر بالحجامة.

قال: ((مَن رآني في المَنام فقد رآني؛ فإنَّ الشيطانَ لا يتمثَّل بي))، اللَّهم ارزقنا رُؤية حبيبك المصطفى - صلى الله عليه وسلم - في المنام، ولا تحرمنا رؤيته عند الصِّراط، ولا شفاعتَه عند الفصل بين العباد، ولا سُكناه في الفردوس الأعلى من الجنان، اللهمَّ آمين، اللهم آمين، اللهم آمين!

تمَّ الانتهاءُ مِن ذِكر شيء من شمائل النبيِّ محمد - صلى الله عليه وسلم - أتمنى أن أكون أوفيتُه جُزءًا من حقِّه عليَّ في نشر شمائله والتعريف بوصفه وخُلقه، ويا رب اجعلها نورًا في قبري، وشفاعة يوم حشري، وقُربًا من داره في الفردوس الأعلى يوم خلودي، وكل من قرأها واستنار بها وعمل بهديه، واستن بسُنَّته، واقتفى أثرَه، ولزم غَرزه، يا رب العالمين!

وصلِّ اللَّهم وسلِّم على سيدنا محمَّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.



المقال السابق المقال التالى