أبو بكر والهجرة النبوية

ما أحوجَنا إلى التأمل في سِيرة نبيِّنا صلى الله عليه وسلم للاستفادة من دروسها وعبرها، والتعرف من خلالها على أحوال ومواقف الصحابة الكرام، ومعرفة فضلهم ومنزلتهم، في زمَنٍ تناسَى فيه البعض قدْرَهم، بل وُجِدَ وظهر فيه من يطعن فيهم وينتقص منهم، وعلى رأسهم رفيق وصاحب النبي صلى الله عليه وسلم في حياته وهجرته:أبو بكر الصديقرضي الله عنه. قالالطحاويُّعن الصحابة رضوان الله عليهم: "ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان".
وأبو بكررضي الله عنه هوعبد الله بن عثمان بن عامر،كنيته:أبو بكر،ولقبه الصِّدِّيق، لتصديقه بكل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وخاصة تصديقه لحديث الإسراء والمعراج. وكان رضي الله عنه يسمَّى أيضاً: عتيقاً، فعنعائشةرضي الله عنها: (إنَّأبا بكردخل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:ياأبا بكر،أنت عتيق الله من النار،قالت: فمن يومئذٍ سُمِّيَ عتيقاً) رواهالترمذيوصححهالألباني. وقالأبو نعيم الأصبهانيفي: "حلية الأولياء"، في التعريف بأبي بكرالصديق: "أبو بكر الصديق،السابق إلى التصديق، الْمُلَقَّبُ بِالْعَتِيقِ، المؤيَّد من الله بالتوفيق، صاحب النبي صلى الله عليه وسلم في الحَضَر والأسفار، ورفيقه الشفيق في جميع الأطوار، وضجيعه بعد الموت في الروضة المحفوفة بالأنوار، المخصوص في الذكر الحكيم بمفخرٍ فاق به كافة الأخيار، وعامة الأبرار، وبقي له شرفه على كُرُورِ الأعصار، ولم تَسْمُ إلى ذروته هِمَمُ أولي الأيدي والأبصار، حيث يقول عالم الأسرار: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الغَارِ}(التوبة:40)، إلى غير ذلك من الآيات والآثار، ومشهور النصوص الواردة فيه والأخبار، التي غَدَتْ كالشمس في الانْتشار".
وفي الهجرة النبوية الشريفة كانلأبي بكررضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم مواقف، ظهر من خلالها مدى حبه وتوقيره للنبي صلى الله عليه وسلم، وخوفه عليه، فقد روىالبخاريومسلمفي صحيحيهما من حديثالبراء بن عازبرضي الله عنه قال: (اشترىأبو بكررضي الله عنه منعازب(والدالبراء)رحلاً بثلاثة عشر درهما، فقالأبو بكرلعازب: مُرالبراءفليحمل إليَّ رحلي، فقالعازب: لا، حتى تحدثنا: كيف صنعت أنت ورسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرجتما من مكة، والمشركون يطلبونكم؟ قال(أبو بكر): ارتحلنا من مكة، فأحيينا، أو: سرينا ليلتنا ويومَنا حتى أظهرنا وقام قائم الظهيرة (اشتد الحر)، فرميت ببصري هل أرى من ظل فآوي إليه، فإذا صخرة، أتيتها فنظرت بقية ظل لها فسويته، ثم فرشت للنبيِّ صلى الله عليه وسلم فيه، ثم قُلت له: اضطجع يا نبيَّ الله، فاضطجع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم انطلقت أنظر ما حولي هل أرى من الطلب (الذين يبحثون عنا من المشركين) أحداً، فإذا أنا براعي غنم يسوق غنمه إلى الصخرة، يريد منها الذي أردنا، فسألته فقُلْت له: لمن أنت يا غلام؟ قال: لرجل من قريش، سماه فعرفته، فقُلْت: هل في غنمك من لبن؟ قال: نعم، قُلْت: فهل أنت حالب لبناً لنا؟ قال: نعم، فأمرته فاعتقُلْ شاة من غنمه، ثم أمرته أن ينفض ضرعها من الغبار، ثم أمرته أن ينفض كفيه، فقال: هكذا، ضرب إحدى كفيه بالأخرى، فحلب لي كُثْبة (قليل) من لبن، وقد جعلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إداوة على فمها خرقة، فصببت على اللبن حتى برد أسفله، فانطلقت به إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فوافقته قد استيقظ، فقُلت: اشرب يا رسول الله، فشرب حتى رضيت، ثم قُلْت: قد آن الرحيل يا رسول الله؟ قال: بلى. فارتحلنا والقوم يطلبوننا، فلم يدركنا أحَدٌ منهم غير سراقة بن مالك بن جعشم على فرس له، فقُلْت: هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله، فقال:لا تحزن إن الله معنا).
قالابن حجر: "وفي الحديث من الفوائد: خدمة التابع الحر للمتبوع في يقظته والذبّ (الدفاع) عنه عند نومه، وشدة محبةأبي بكرللنبي صلى الله عليه وسلم، وأدبه معه، وإيثاره له على نفسه، وفيه: أدب الأكل والشرب، واستحباب التنظيف لما يؤكل ويُشرب، وفيه استصحاب آلة السفر كالإداوة والسفرة، ولا يقدح ذلك في التوكل".
وذكرابن القيمفي زاد الميعاد، والبيهقيفي الدلائل: "أنأبا بكرليلة انطلق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغار، كان يمشي بين يديه ساعة ومن خلفه ساعة، فسأله، فقال: أذكر الطلب (ما يأتي من الخلف) فأمشي خلفك، وأذكر الرصد (المترصد في الطريق) فأمشي أمامك، فقال صلى الله عليه وسلم: لو كان شيء أحْبَبْتَ أن تُقتل دوني؟ قال: أي والذي بعثك بالحق".
خوفأبي بكرعلى النبي من حشرات الأرض وحر الشمس:
لم يكن خوفأبي بكررضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم أثناء الهجرة قاصراً على خوفه عليه من أعدائه، بل كان يخاف عليه من أي شيء يؤذيه ولو كان حر الشمس وحشرات الأرض، ففي الحديث الذي رواهالبخاري:(حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبلأبو بكرحتى ظلل عليه بردائه)، وفي صحيحمسلمقالأبو بكررضي الله عنه: (ثم قلتُ: نَمْ يا رسول الله وأنا أنفض لك ما حولك، فنام وخرجت أنفض ما حوله). وروىالحاكم في مستدركه أنه لما انتهيا إلى الغار قالأبو بكر: (مكانك يا رسول الله حتى أستبريء لك الغار، فاستبرأه)، وكانعمر بن الخطابرضي الله عنه يقول: "والذي نفسي بيده لتلك الليلة خير من آلعمر".
أبو بكرأفضل الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم:
لا يجتمع في قلب عبدٍ حب وتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وبُغْضأبى بكرالصديق رضي الله عنه. فقد أجمعت الأمة على أنأبا بكررضي الله عنه أفضل الناس مكانة ومنزلة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو أول من أسلم من الرجال، وما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على خير منه، وهو رفيق وصاحب النبي صلى الله عليه وسلم في حياته وهجرته، قال الله تعالى: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا}(التوبة:40)، قالالسعدي: "{ثَانِيَ اثْنَيْنِ} أي: هو وأبو بكر الصديقرضي الله عنه، {إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} أي: لما هربا من مكة، لجآ إلى غار ثور في أسفل مكة، فمكثا فيه ليبرد عنهما الطلب، فهما في تلك الحالة الحرجة الشديدة المشقة، حين انتشر الأعداء من كل جانب يطلبونهما ليقتلوهما، فأنزل الله عليهما من نصره ما لا يخطر على البال. {إِذْ يَقُولُ} النبي صلى الله عليه وسلم {لِصَاحِبِهِ}أبي بكرلما حزن واشتد قلقه، {لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} بعونه ونصره وتأييده ".
وقد سألعمرو بن العاصرضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا: (أيُّ الناسِ أحَبُّ إليك؟ قال:عائشة، قلتُ: منَ الرجال؟ قال:أبوها) رواهالبخاري.وعنعبد اللهبن عمررضي الله عنه قال: (كنَّا نتحدَّث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّ خير هذه الأمَّة بعد نبيِّهاأبو بكرٍثمَّعمرثمّعثمانفيبلغُ ذلك النَّبيَّ فلا يُنْكِره)صححه الألباني، وكانعلي بن أبي طالبرضي الله عنه يقول: (خير هذه الأمة بعد نبيِّهاأبو بكرٍثمَّعمر) رواهأحمدوصححهأحمد شاكر. قالابن كثير: "وأفضل الصحابة، بل أفضل الخلق بعد الأنبياء عليهم السلام:أبو بكر الصديقثم من بعدهعمر بن الخطاب، ثمعثمان بن عفان،ثمعلي بن أبي طالب)، وقالابن الصلاح: "أفضلهم على الإطلاق:أبو بكرثمعمر"، وحكىمالكإجماع أهل المدينة على ذلك فقال: "ما أدركتُ أحدًا ممن يُقتدَى به يشك في تقديمأبي بكروعمر"، وقالالشافعي: "أجمع الصحابة وأتباعهم على أفضليةأبي بكرثمعمر".
وفاةأبي بكر الصديقوبكاءعلي بن أبي طالبعليه:
توفِّيأبو بكررضي الله عنه في شهر جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وقد بكى عليه المسلمون بكاءً شديداً، وقد رثاهعلي بن أبى طالبرضي الله عنه وهو يبكي يوم موته بكلام طويل ـ كما ذكرابن الجوزيفي كتابه "التبصرة"، والآجريفي "الشريعة" ـ، عنأُسَيْدِ بن صفوانقال: "لَمَّا قُبِضَ (تُوفي)أبو بكر الصديقرضي الله عنه ارْتَجَّتِ المدينة بالبكاء كيوْم قُبِضَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فجاءعلي بن أبي طالبرضي الله عنه مُسْتَعْجِلا مُسرعاً مُسْتَرْجِعاً ( قائلا: إنا لله وإنا إليه راجعون) وهو يقول: اليوم انقطعتِ النبوة، حتى وقف على البيت الذي فيهأبو بكر،فقال: رحمك الله ياأبا بكر،كنت إِلْفَ رسول الله وأنيسه ومُسْتراحه وَثِقته، وموْضع سرِّه ومُشاورته، وكنت أول القوم إسلاماً، وأخلصهم إيمانـاً، وأشدهم للَّه يقِيناً، وأخوفهم للَّه، وأعظمهم غِناءً في دين اللَّه عزَ وجلّ، وأحوطهمْ على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأحْدبَهم على الإسلام (أحرصهم عليه)، وأحسنهم صُحْبة، وأكثرهم مناقب، وأفضلهم سوابق، وأرفعهم درجة، وأقربهم وسيلة، وأشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم هدْياً وَسَمْتاً، وأشرفهم منزلة وأرفعهم عنده وأكرمهم عليه، فجزاك اللَّهُ عن رسوله وعنِ الإسلام أفضل الجزاء. صَدَّقْتَ رسولَ اللَّه حين كذَّبه الناس، وكنتَ عنده بمنزلة السمع والبصر، سَمَّاك اللَّه في تنزيله صِدِّيقاً، فقال: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ}(الزُّمر:33)، وآسَيْتَه حين بخلوا، وقُمْتَ معه على المكاره حين قعدوا، وصَحِبْتَه في الشِّدة أكرم الصُّحْبة، ثانيَ اثْنَيْن صاحبه في الغار، ورفيقه في الهجرة".
لقد شرَّف الله عز وجلأبا بكررضي الله عنه بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم وملازمته والقرب منه حياً وميتاً، فقد عاش معه ولازمه وصاحبه في هجرته وطوال حياته، ودفن بجواره صلى الله عليه وسلم، وكفى بذلك فضلاً وشرفا، قال الله تعالى: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا}(التوبة:40).

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم