إكرام الضيف في السنة النبوية

كان العرب قبل الإسلام يحرصون على مكارم الأخلاق كالصدق والشجاعة والجِوار، وكانوا يتسابقون إليها ويتفاخرون بها، ويعتبرون فقدها منقصة وعارا على الرجل لا يكاد يفارقه، ثم جاء الإسلام، وبعث الله نبيه محمدا -صلى الله عليه وسلم- ليتمم الأخلاق الحسنة التي كانت فيهم وتهذيبها، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : "إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق" رواهأحمدوصححهالألباني.
قالالمناويفي (مرقاة المفاتيح) : " قالالبيضاوي: وكانت العرب أحسن أخلاقا بما بقي عندهم من شريعة إبراهيم عليه السلام، وكانوا ضلوا بالكفر عن كثير منها: فبعث - صلى الله عليه وسلم - ليتمم محاسن الأخلاق "
ومن هذه الأخلاق الصالحة الحميدة: إكرام الضيف.
وفي السنة جملة من الأحاديث النبوية التي اعتنت بموضوع إكرام الضيف، وبيان حقه على مضيفه، وحدود هذا الحق، والفضائل المترتبة على القيام بهذا الحق.
فمن السنة الفعلية: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان معروفا بإكرام الضيف حتى قبل البعثة، فحين رجع النبي -صلى الله عليه وسلم- إلىخديجةمن غار حراء فزعا من لقائهجبريل -عليه السلام- قاللخديجة: "أي خديجة، ما لي لقد خشيت على نفسي" فأخبرها الخبر، قالت خديجة: " كلا، أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا، فوالله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق " رواه البخاري ومسلم.
قالالقسطلانيفي إرشاد الساري: وتَقرِي الضيف : أي تهيئ له طعامه ونزله. أ.هـ

أهمية إكرام الضيف:

تظهر أهمية إكرام الضيف من عدة جوانب نذكر بعضها، فمنها:
1- أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به وجعله مرتبطا بالإيمان بالله واليوم الآخر، فقال : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت" رواهالبخاريومسلم.
2- أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل للضيف حقا على المـُضيف: ففي حديث ابنعمرو رضي الله عنهما أن

النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له : "وإن لزَوْرِك عليك حقا" رواه البخاري.
قالابن حجرفي الفتح: " قوله: (لزَورك) بفتح الزاي، أي: لضيفك ".
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- : "ليلة الضيف حق على كل مسلم، فمن أصبح بفنائه فهو عليه دين، إن شاء اقتضى وإن شاء ترك" رواهأبو داودوصححهالألباني.
وقال -عليه الصلاة والسلام- : "إن نزلتم بقوم، فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، فإن لم يفعلوا، فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم" رواهالبخاريومسلم.

3- ومما يبين أهمية إكرام الضيف أيضا: ما سبق ذكره من الفضائل المتعددة التي دلت عليها السنة النبوية،

فإن تعدد الفضائل لشيء ما دال على أهميته بلا شك.


فضل إكرام الضيف:

إن مكارم الأخلاق - ومنها إكرام الضيف - جالبة للخيرات والفضائل، يُحَصِّل بها المرء الخير والسعادة في الدنيا، كما ينال بها خير الآخرة إن احتسب بها الأجر عند الله، فمن هذه الفضائل التي تُنال بإكرام الضيف:
1- أنه سبب لنيل التوفيق من الله وتجنب الخزي: ففي حديثعائشةرضي الله عنها أنخديجةطمأنت النبي -صلى الله عليه وسلم- وأقسمت أن لا يخزيه الله أبدا لأجل اتصافه بمكارم الأخلاق، ومنها إكرام الضيف: فقد قالت له: "كلا، أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا، فوالله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق" رواهالبخاريومسلم.

2- أنه من أسباب دخول الجنة : فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : "يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا والناس نيام تدخلون الجنة بسلام" رواهالترمذي وابن ماجهوصححهالألباني.

3- أن الله جعله من جملة الأسباب التي يتحصل بها العبد على نعيم خاص من نعيم الجنة : ففي الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال : "إن في الجنة لغرفا يرى بطونها من ظهورها، وظهورها من بطونها " فقال أعرابي: يا رسول الله لمن هي؟ قال: " لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وصلى لله بالليل والناس نيام" رواهأحمدوحسنهالأرناؤوط.

4- أن إكرام الضيف عمل محبوب إلى الله ويدل عليه ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من تعجب الله سبحانه وتعالى من صنيع من أكرما ضيفيهما: فعنأبي هريرة- رضي الله عنه-أنّ رجلا أتى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فبعث إلى نسائه، فقلن: ما معنا إلّا الماء. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: " من يضمّ أو يضيف هذا؟ " فقال رجل من الأنصار: أنا. فانطلق به إلى امرأته، فقال: أكرمي ضيف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فقالت: ما عندنا إلّا قوت صبياني فقال: هيّئي طعامك وأصبحي سراجك ونوّمي صبيانك إذا أرادوا عشاء، فهيّأت طعامها وأصبحت سراجها ونوّمت صبيانها، ثمّ قامت كأنّها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنّهما يأكلان، فباتا طاويين، فلمّا أصبح غدا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: «ضحك الله اللّيلة أو عجب من فعالكما، فعن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنّ رجلا أتى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فبعث إلى نسائه، فقلن: ما معنا إلّا الماء. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من يضمّ أو يضيف هذا؟» فقال رجل من الأنصار: أنا. فانطلق به إلى امرأته، فقال: أكرمي ضيف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فقالت: ما عندنا إلّا قوت صبياني فقال: هيّئي طعامك وأصبحي سراجك ونوّمي صبيانك إذا أرادوا عشاء، فهيّأت طعامها وأصبحت سراجها ونوّمت صبيانها، ثمّ قامت كأنّها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنّهما يأكلان، فباتا طاويين، فلمّا أصبح غدا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: " ضحك الله اللّيلة أو عجب من فعالكما،فأنزل الله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ} " رواهالبخاريومسلم.
قوله : (أصبحي سراجك) أي أوقديه، وقوله : (فباتا طاويَيْن) أي بغير عشاء. قالهابن حجرفي الفتح.
ومع هذه الفضائل الجليلة لهذا الخلق الحميد، إلا أن اكتساب الثواب به عند الله في الآخرة متوقف على إسلام صاحبه، فعنعائشةرضي الله عنها قالت : قلتُ: يا رسول الله،ابن جدعانكان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذاك نافعه؟ قال: "لا ينفعه، إنه لم يقل يوما: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين" رواهمسلم، وفي لفظ عند غيرمسلم: (كان يفك العاني ويقري الضيف).


من آداب وأحكام إكرام الضيف:

ورد في السنة الكثير من الآداب والأحكام التي ينبغي مراعاتها عند إكرام الضيف، ومن هذه الآداب والأحكام :
1- أن حق الضيف في الضيافة ثلاثة أيام، فإن زاد عليها كانت من المضيف صدقة عليه، فعنأبي شريح العدويّرضي الله عنه أن النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته" قيل: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: "يوم وليلة، والضّيافة ثلاثة أيّام، فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت" رواهالبخاريومسلم.

قالأبو سليمان الخطابيرحمه الله في أعلام الحديث: قوله: (جائزته يوم وليلة) معناه: أنه يتكلف له إذا نزل به الضيف يوما وليلة فيتحفه ويزيده في البر على ما يحضره في سائر الأيام، وفي اليومين الأخيرين يقدم له ما حضر، فإذا مضى الثلاث فقد مضى حقه فإن زاد عليها استوجب به أجر الصدقة .

2- أن لا يتكلف المضيف لضيفه ما ليس عنده: فعنسلمانرضي الله عنه أنه دخل عليه رجل فدعا له بما كان عنده، فقال: "لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا، أو لولا أنا نُهِينا، أن يتكلف أحدنا لصاحبه لتكلفنا لك" رواهأحمدوقالالألباني: قوي بمجموع الطرق.
قال الحافظابن رجبفي جامع العلوم والحكم : " دل على أنه لا تجب عليه المواساة للضيف إلا بما عنده، فإذا لم يكن عنده فضل لم يلزمه شيء. وأما إذا آثر على نفسه كما فعلالأنصاريالذي نزل فيه {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} فذلك مقام فضل وإحسان وليس بواجب ".
وقالالنوويفي شرحمسلم: " وقد كره جماعة من السلف التكلف للضيف، وهو محمول على ما يشق على صاحب البيت مشقة ظاهرة؛ لأن ذلك يمنعه من الإخلاص وكمال السرور بالضيف، وربما ظهر عليه شيء من ذلك فيتأذى به الضيف، وقد يحضر شيئا يعرف الضيف من حاله أنه يشق عليه وأنه يتكلفه له فيتأذى الضيف لشفقته عليه، وكل هذا مخالف لقوله صلى الله عليه وسلم : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه "لأن أكمل إكرامه إراحة خاطره وإظهار السرور به.

وليس من إكرام الضيف ما يقوم به بعض الناس من مظاهر الترف والسرف؛ تباهياً ومراءاة للناس، وطلبا للشهرة، سيماوأنكل الأحاديث تدل على أن إكرام الضيفعبادة يبتغى بها وجه الله، بل من مقتضيات الإيمان التي أمر بها الإسلام، فكيفتكون قربةتتحول إلى معصيةبالسرف والمخيلة التي تتنافى مع مبدأالتعبد.
3- تهيئة البيت لاستقبال الضيوف إن حضروا : فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : "فراش للرجل، وفراش لامرأته، والثالث للضيف، والرابع للشيطان" رواهمسلم.

قالالقرطبيفي المفهِم: وأما فِراش الضيف: فيتعين للمضيف إعداده له؛ لأنه من باب إكرامه والقيام بحقه.

4- أن يقوم على خدمة أضيافه بنفسه : فعن سهل بن سعد : أنأبا أسيد الساعدي"دعا النبي -صلى الله عليه وسلم- في عرسه وكانت امرأته خادمهم يومئذ وهي العروس" رواه البخاريفي الأدب المفرد وصححهالألباني.

المقال السابق المقال التالى