الوقفة الرابعة: السيرة والأعلام

الكاتب : د. علي بن إبراهيم النملة

 

بعد الهجوم الذي تعرض له نبي الهدى سيدنا محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم من بعض المؤسسات الدينية والإعلامية المشهورة في المجتمع الغربي، لا سيما بعد الأحداث الأخيرة (الحادي عشر من سبتمبر 2001م الموافق 22/ 6/ 1422هـ)، ومن بينها الرسوم الهزلية (الكاريكاتورية) في صحيفة دانمركية، ومسابقة الصور الهزلية في صحيفة أخرى، ثم محاضرة راعي الكنيسة الكاثوليكية في الفاتيكان، التي ألقاها في ألمانيا، بعد هذه الهجومات يهبُّ علماء الأمة الإسلامية وقياداتها الدينية والفكرية والسياسية والإعلامية لمخاطبة المجتمع الغربي، باللغة التي يفهمها ذلك المجتمع، من خلال عدد من المواقف الرسمية والشعبية، ومنها ما أعلن عن عقد المؤتمرات والندوات والمحاضرات واللقاءات بشخصيات غربية، لها وزنها العلمي والفكري والاستشراقي والسياسي والإعلامي، ومن وجوه النشاط هذه المؤتمرات التي تسعى إلى نصرة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم، وقد عقد المؤتمر الأول للجنة العالمية لنصرة خاتم الأنبياء في لندن بالمملكة المتحدة؛ حيث بسط المؤتمرون الصورة الواضحة للحبيب صلى الله عليه وسلم للإعلاميين والمفكرين والمستشرقين، للتعرف على الشمائل والأخلاق النبوية.

تبع هذا المؤتمر مؤتمرات أخرى في أوروبا وأمريكا لتوضيح الحقائق، وبالتالي فإن المؤتمر الأول خرج بعدة توصيات مهمة تصب في الرغبة الملحة في مخاطبة القوم بالطريقة التي تقنع الناس هناك، ومن خلال حملة مكثفه يشترك فيها العلماء المسلمون والمفكرون والأئمة والخطباء ورؤساء المراكز الإسلامية والقائمون عليها من غير رؤسائها.
ناشد المؤتمرون وزارات التربية والتعليم في العالم الإسلامي، والقائمين على التعليم الإسلامي في الغرب، بأن يعطوا سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته العناية المستحقة بين التلاميذ والطلاب من الذكور والإناث، كما ناشد المؤتمرون وزارات الإعلام، وما في حكمها، والقنوات الفضائية، لإعداد البرامج الإعلامية حول سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، بما في ذلك أساليب الاتصال الإلكترونية من البريد، وشبكة المعلومات الدولية، شارك في هذا المؤتمر حضوريًّا أو صوتيًّا أو كتابيًّا نخبة من علماء الأمة ومفكريها الذين بدت عليهم الشمولية، من حيث الاهتمامات والتخصصات والرقعة الجغرافية شرقًا وغربًا[1].
هذه الجهود خطوة موفقة - بإذن الله تعال - في الطريق الصحيح لإزالة هذا الجهل بالإسلام ونبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم، الذي قيل فيه - عليه الصلاة والسلام - ما قيل مما هو منه براء، هذه الخطوة المباركة هي من أقل ما يمكن أن يسهم فيه علماء الأمة ومفكِّروها وساستها وقياداتها في هذا المجال؛ إذ إن السيرة العطرة مسؤولية كل مسلم في إجلائها، أولًا للمسلمين أنفسهم، ثم للآخر.
اطلعت على مجريات المؤتمر الأول لنصرة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم من حيث التوقيت والمكان والتوصيات، التي بلغت إحدى عشرة توصيةً، خمس منها استهلت بالمناشدة، وثلاث بالحث، واثنتان بإقامة مؤتمرات، وواحدة بإنتاج شريط يعرض ملخصًا تاريخيًّا للسيرة العطرة، والمناشدة والحث متفهمان في مؤتمر أو ندوة أو محاضرة.
تأتي المناشدات الخمس، وكذلك الحث الثلاث؛ لأن اللجنة العالمية لنصرة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم لا تملك إلا ذلك، لا سيما إذا كان الأمر يتعلق بجهات حكومية؛ كوزارات الشؤون الإسلامية والأوقاف، ووزارات الإعلام، والوكالات والمؤسسات الإعلامية في العالم الإسلامي.
تلقيت من الأستاذ المهندس سليمان بن حمد البطحي، وكان يشغل مهمة الأمين العام اللجنة العالمية، رسالة مؤرخة في 7/ 10/ 1423هـ الموافق 11/ 2/ 2002م، ضمنها نسخة من التوصيات الإحدى عشرة، ونسخة من تقرير اللجنة العالمية، جاء فيه أن اللجنة - رغم قصر عمرها - الذي لم يتجاوز شهرين، قد حققت الإنجازات الآتية:
* أنشأت اللجنة موقعين على شبكة الإنترنت لاستقبال المشاركات والمقالات والمؤلفات الخاصة، والردود على بعض الشبهات، وتوزع نشرة إلكترونية عن المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهما:
(www.icsfp.com) للموقع الإلكتروني باللغة العربية، و(www.whmuhammad.com) للموقع باللغة الإنجليزية.
* عقد المؤتمر الأول في لندن، قد سبق الحديث عن هذا المؤتمر وعن توصياته باقتضاب في هذه الوقفة.* اتفقت اللجنة مع الأستاذ الدكتور (البروفسور) محمد مهر علي على تأليف كتاب أكاديمي عن سيرة المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم باللغة الإنجليزية، يوزع على المفكرين والجامعات، والمراكز الأكاديمية، ومراكز الاستشراق في العالم.
* أصدرت اللجنة مطبوعةً شهرية، تعرف بالرسول صلى الله عليه وسلم، وترد على بعض الافتراءات باللغة الإنجليزية، وعنوان النشرة هو الرسالة الخاتمة، توزع مرحليًّا في أمريكا الشمالية وأوروبا.
* أعادت اللجنة صف كتاب السيرة للشيخ أبي الحسن علي حسني الندوي - رحمه الله - وعنوانه: النبي صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، وقامت اللجنة بتحريره، وسيطبع ويوزع على الجامعات والمعاهد الغربية، والمراكز الإسلامية في الغرب.
* أجرت اللجنة العالمية لنصرة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم الترتيبات لعقد المؤتمر الثاني، الذي عقد في تورنتو بكندا، بعنوان: على هدي النبي صلى الله عليه وسلم، حيث دعت اللجنة له ثلة من العلماء وطلبة العلم وعددًا من المفكرين، ورجال الدين من غير المسلمين، للحضور والمشاركة.تؤكد اللجنة على أن مهمتها هذه (مناطة بكل مسلم محب لرسول الله صلى الله عليه وسلم)، وعليه فإنها ترحب وتسعد (بأي مشاركة من إخواننا المسلمين في شتى بقاع الأمة، ممن يتقاسمون معنا هذا الهم المشترك)، وتأمل اللجنة أن يقوم العلماء والدعاة بدورهم في تعريف العالم بسيد المرسلين نبي الرحمة محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم، والذب عن عرضة الطاهر، ولا تلتمس اللجنة لأحد العذر في التقصير في ذلك، اطلعتُ على البيان الختامي لمؤتمر اللجنة العالمية لنصرة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم الثالث، الذي عقد في أزهر البقاع في لبنان بتاريخ 26 - 27/ 7/ 1424هـ الموافق 23 - 24/ 9/ 2003م، وقد ظهر هذا البيان صدى لما ألقي في هذا المؤتمر من محاضرات قادها نخبة من أتباع سيدنا محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم، فكان هناك طرح حول الموضوعات الآتية:
حقيقة شهادة أن محمدًا رسول الله، حق النبي صلى الله عليه وسلم علينا في هذا الوقت، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، حاجتنا للرسالة المحمدية، مواقف دعوية من السيرة النبوية، النساء في حياته صلى الله عليه وسلم، الجانب الإنساني في حياته صلى الله عليه وسلم، كيف تقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم للأمم؟ شهادة أعداء النبي صلى الله عليه وسلم له، قواعد في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، علاقة الرسالة المحمدية بالرسالات السابقة، واجب النصرة، والأسباب والوسائل.
في ضوء هذه الطروحات الثلاث عشرة، التي تصدى لها ثمانية من علماء الأمة ومشايخها، ظهرت اثنتا عشرة توصية، تترجم ما طرح من موضوعات لنصرة خاتم الأنبياء - عليه الصلاة والسلام، منها:
* أن سيدنا محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم إمام المرسلين وخاتم النبيين، وسيد الخلق أجمعين.* أن حقيقة شهادة أن محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم رسول الله، هي: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يُعبَدَ اللهُ تعالى إلا بما شرع، وأن يحب ويجل ويوقر.* أن تثبيت الإيمان بنبينا محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم في قلوبنا، وقلوب عموم المسلمين، إنما يتم بنشر سنته بين الناس، وحفظها، والتفقه فيها، وتعليمها، والعمل بها، ورد الشبهات المثارة حولها، وذلك كله بعد الشهادتين.
* أن الله تعالى قد بعث محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم رحمةً للناس، مما يجعل الحاجة ملحةً في هذا العصر إلى الحكم الإلهي، ذي النهج المحمدي، الذي يكفل للناس حقوقهم الدينية والدنيوية، والرحمة التي جاء بها - عليه الصلاة والسلام - تشمل الأفراد والمجتمعات في كل مكان وزمان.* أن ما جاء به خاتم الأنبياء وسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم إنما هو دين شهد له الفطرة والعقل الصحيح، وبهذا فهو يصل إلى القلوب، إذا وفق إلى من يملك أدوات إيصاله إليها، ويصل إلى العقول بالطرق العلمية الصحيحة المقنعة.
* أن سيدنا محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم قد أوصى بشقائق الرجال خيرًا في أكثر من مقام، لا سيما في خطبة الوداع، وجزء من ديننا الحنيف قد نقل إلينا عن طريق شقائق الرجال أمهات المؤمنين وزوجات الصحابة - عليهن رضوان الله تعالى - ومن هذا المنطلق ينظر الإسلام إلى المرأة وحقوقها، فمهمة الدعوة إلى هذا الدين شاملة للرجال والنساء.
* أن أخلاق المصطفى صلى الله عليه وسلم تجسد إنسانيته، من حيث تعامله صلى الله عليه وسلم مع الكبير والصغير، والقريب والبعيد، والعدو والصديق، والرجل والمرأة، بل ومخلوقات الله الأخرى؛ كالشجر والطير والحيوان بعامة، وهو صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله تعالى واليوم الآخر.
* أن سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم قد تعرضت للتشويه من قِبَل الغربيين من المستشرقين والإعلاميين؛ حيث تُسخَّر كثير من قنوات الاتصال لتشويه صورته، بأبي هو وأمي، مما يستدعي التصدي لذلك بالسلاح نفسه، وباللغة نفسها، مع العدل في ذلك كله، رغم الشنآن، فالإسلام انتشر، كذلك، بالإعلام، حسب مفهومات العصور للإعلام، ناهيك عن رد الشبهات، وإنصاف السيرة العطرة.
* أن من وسائل التصدي لهذه الحملات تمثُّلَ سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وإحياءها عبر الوسائل المتاحة.
* ينبغي عدم إغفال الشهادات على رسالة محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم من أعدائه، فضلًا عن أقرب الناس إليه ومحبيه والمؤمنين به، وينبغي تتبع هذه الشهادات، وإبرازها للناس كافة[2].* التوكيد على أن أصول الرسالات واحدة، قامت على أساس التوحيد والإيمان بالرسل - عليهم السلام - وأنها بشرت برسالة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، وأمرت باتباعه والتصديق به وتحري دعوته، فاتسمت هذه الرسالة بهذه الخصوصية، والفضل والتمام والنسخ لما قبلها من الرسالات[3].
* أن الدفاع عن سيدنا محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم، يستلزم وقفة موحدة تلتقي على ذلك؛ حيث يوفر أعداء المصطفى - عليه الصلاة والسلام - هذه الفرصة لمحبيه ومتبعيه؛ فينبغي عدم تفويتها.
كانت تلك أبرز توصيات هذا اللقاء الذي ينتظر تكراره في زمان آخر، ومكان آخر، وبمشاركين آخرين، من علماء الأمة ومثقفيها، ودعاتها ومفكريها؛ إذ لا تزال الأمة بخير، ما دام هناك من يقف لنصرة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم.

 
------------------------------------

[1]) أشار إلى ذلك المهندس سليمان بن حمد البطحي، المنسق العام السابق للجنة العالمية لنصرة خاتم الأنبياء، في تصريح لجريدة الرياض، نشرته في عددها ذي رقم 12562 والتاريخ 10/ 9/ 1423هـ - 15/ 11/ 2002م.
[2]) سعى عماد الدين خليل إلى تتبع هذه الشهادات عن الإسلام عمومًا، والسيرة من بينها، انظر: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ص 91 - 145، في: عماد الدين خليل، قالوا عن الإسلام، الرياض: الندوة العالمية للشباب الإسلامي، 1412هـ/ 1992م، 504 ص.
[3]) انظر: أحمد زكي، محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإنجيل والتوراة: دراسة علمية منهجية / تقديم عبدالرحمن عبدالخالق والسيد نوح وسالم البهنساوي، القاهرة: مكتبة عباد الرحمن، 1425هـ/ 2004م، 109 ص.

 

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم