جوانب استشراقيةً إجابيةً

الكاتب : د. علي بن إبراهيم النملة

الخلاصة والنتيجة

تتعرض سيرة المصطفى محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم لحملات متتالية منذ البعثة المحمدية، يتكئ الهجوم على رسول الله على أساليب مختلفة، بحسب من يتولى هذا الهجوم، والاستشراق في هجومه على رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق من إنكار أنه نبي مرسل، ومن ثم إنكار الوحي، وأن ما جاء به مما يسميه المسلمون بالقرآن الكريم إنما هو من تأليفه، وأعانه عليه قوم آخرون.


يسهم الإعلام اليوم في الحملة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويستقي، في هذه الحملات، على إسهامات المستشرقين في الموقف من النبوة والبعثة السيرة، ولا بد من إدراك هذا الارتباط بين الاستشراق والإعلام، كما وجد ذلك الارتباط من قبل بين الاستشراق والتنصير من جهة، وبين الاستشراق والاستعمار من جهة ثانية، وبين الاستشراق والأدب من ناحية ثالثة، وأن الاستشراق يمثل قاعدة المعلومات لهذه التيارات، بما فيها الإعلام، لا سيما في ذلك الجانب السلبي للاستشراق.

يعني هذا أن هناك جوانب استشراقيةً إجابيةً، كانت لها مواقف منصفة من شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، تكاد توجد لدى بعض المستشرقين من غير المنصفين، مما يعني أنه يوجد لدى المستشرقين غير المنصفين وقفات إنصاف، كما أنه قد يوجد لدى المستشرقين المنصفين وقفات غير منصفة، وهذا يعني أنه في حال التعرض لسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم خاصة تتغير المواقف، ويكاد هذا الموقف يكون حكمًا عامًّا في الاستشراق، مما ينعكس على الرؤية الإعلامية الغربية تجاه شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم.

المهم في نهاية هذه الوقفات أنه مع التوكيد على التصدي لهذا الهجوم المتواصل على رسول الهدى، لا بد من التوكيد على استثمار الجانب المشرق والإيجابي الناتج عن هذا الهجوم المستمر والمتجدد، ويتمثل هذا الاستثمار في مسارات عدة، ومنها:

* المزيد من التفات المسلمين أنفسهم إلى سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم بالدراسة والبحث، والوصول بها إلى غير المسلمين بلغاتهم، لبيان الصورة الحقيقة لسيد المرسلين - عليه الصلاة والسلام.

* العمل على ذلك بروح الفريق، من خلال وجود هيئات حكومية وجمعيات غير حكومية، يقودها ثلة من أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكورًا وإناثًا، ممن لهم سبق علمي في علم السنة والسيرة النبوية، والعمل على ترجمة السيرة النبوية بأيدي المنتمين إليها، وكذا ترجمة البحوث والدراسات حول السيرة النبوية إلى اللغات الأخرى.

* فتح مجال الحوار بصورة أوسع، وبخطى واثقة من قبل المسلمين مع المستشرقين والإعلاميين الغربيين، ومن في حكمهم من الشرقيين، مما يحقق مفهوم الندية في الحوار مع الآخر، والذهاب إليهم في مواقعهم لمناقشتهم وجدالهم بالتي هي أحسن، ومحاججتهم بسلاح المعرفة المقرونة بالحكمة والموعظة الحسنة، على اعتبار أن هذا الموقف موقف دعوي، أكثر من كونه موقفَ تصادُمٍ، فليس هذا هو المقصود من وراء هذه الأساليب، بقدر ما يقصد منها إقامة الحجة، وبراءة الذمة.

* أدت هذه الحملات المتوالية إلى إقبال الغربيين على المزيد من دراسة الإسلام، والبحث عن الكتابات المنصفة عن الإسلام، ودراسة ترجمات معاني القرآن الكريم، ومن ثم المزيد من التوجه في دراسة سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم من قبلهم، مما يؤدي إلى إعادة الموقف من الإسلام، ومن نبي الإسلام، وبالتالي الوصول إلى المزيد من الإقبال على الإسلام.

* الترحيب بالمواقف الإيجابية لبعض المستشرقين والإعلاميين الغربيين، ومن في حكمهم من الشرقيين، من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوظيف هذه المواقف في مصلحة الدفاع عن سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم من خلال معرفة المنصفين، وإشراكهم في المؤتمرات والندوات واللقاءات والحوارات التي تكثفت بين المسلمين في الآونة الأخيرة، وتشجيعهم على الاشتراك في مؤتمرات وندوات غربية ذات علاقة بالسيرة النبوية، وتزويدهم بالبحوث والدراسات المتتابعة، وما يتم من ترجمات موثوقة لسيرة نبي الهدى صلى الله عليه وسلم، يتزودون بها في بحوثهم ومناقشاتهم.

والله تعالى هو الهادي إلى سواء السبيل.


المقال السابق

مقالات في نفس القسم