1. المقالات
  2. منظومه الاخلاق في الأسلام
  3. كونوا من الصادقين في كل الأحوال

كونوا من الصادقين في كل الأحوال

41 2024/04/04 2024/04/04


إن للصدق مجالات متعددة كلها تنبثق عن الإيمان بالله -تعالى- واتباع شرعه والسير خلف الأنبياء والمرسلين، فاحرصوا عليها لتعيشوا بها، ففيها النجاة و فيها الفوز:

  • المجال الأول: - الصدق مع الله: ويكون العبد صادقاً مع ربِّه -تعالى- إذا حقَّق الصدق في جوانب ثلاثة: الإيمان والاعتقاد الحسَن، والطاعات، والأخلاق، فليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، والصادق فيه هو مَن حقّقه على الوجه الذي أراده منه ربه -تعالى-، ومنه الصدق في اليقين، والصدق في النية، والصدق في الخوف منه -تعالى-، وليس كل من عمل طاعة يكون صادقًا حتى يكون ظاهره وباطنه على الوجه الذي يحبه الله -تعالى-.

 وقد بَينَّ الله -تعالى- صفات الصادقين في آية واحدة،

وهي قوله -عز وجل: -

{لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَة وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ}، ثم قال -سبحانه- بعد هذه الأوصاف كلها {أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}

[البقرة:177].

عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال:

لم يشهد عمي أنس بن النضر بدرًا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكبُر عليه، فقال: أول مشهد قد شهده رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غبتُ عنه!! أما والله لئن أراني الله مشهدًا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليَرَيَنَّ اللهُ ما أصنع. قال: فهاب أن يقول غيرها، فشهد مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم أُحُد من العام المقبل، فاستقبله سعد بن معاذ، فقال له أنس: يا أبا عمرو، إلى أين؟ قال: واهًا لريح الجنة!! أجدها دون أُحُد. فقاتل حتى قُتِلَ، فوُجِدَ في جسده بضعٌ وثمانون من بين ضربة وطعنة ورمية، قالت عمَّتِي الرُّبَيّعُ بنت النضر: فما عَرَفتُ أخي إلاَّ ببنانه.

 

ونزلت هذه الآية:

{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} [سورة

الأحزاب:23].

 عن شداد بن الهاد: أن رجلاً من الأعراب جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فآمن به واتبعه، ثم قال: أُهَاجِرُ معك؟ فأوصى به النبي -صلى الله عليه وسلم- بعضَ أصحابه، فلمّا كانت غزوةٌ غَنِمَ النبي -صلى الله عليه وسلم- سَبْيًا فَقَسَمَ، وقَسَمَ له، فأعطى أصحابه ما قَسَمَ له، وكان يرعى ظهرهم، فلمّا جاء دفعوه إليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: قَسَمٌ قسمه لك النبي -صلى الله عليه وسلم-. فأخذه، فجاء به إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: ما هذا؟ قال: "قَسَمْتُهُ لَكَ". قال: ما على هذا اتَّبَعْتُك، ولكني اتبعتك على أن أُرمَى إلى هاهنا -وأشار إلى حلقه بسهم- فأموت فأدخل الجنة. فقال: "إِنْ تَصْدُقِ اللهَ يَصْدُقْكَ".

 فلبثوا قليلاً ثم نهضوا في قتال العدو، فأُتِيَ به النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يُحْمَلُ قد أصابه سهم حيث أشار، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أَهُوَ هُوَ". قالوا: نعم. قال: "صَدَقَ اللهَ فَصَدَقَهُ". ثم كفَّنه النبي -صلى الله عليه وسلم- في جُبَّة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم قدَّمه فصلَّى عليه، فكان فيما ظهر من صلاته: "اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُكَ خَرَجَ مُهَاجِرًا فِي سَبِيلِكَ فَقُتِلَ شَهِيدًا، أَنَا شَهِيدٌ عَلَى ذَلِكَ"

  • ثانيًا: الصدق مع النفس: ومن مجالات الصدق أن يكون الإنسان صادقًا مع نفسه ولا يخادعها ويتركها تسبح في بحر الأماني والأهواء، فكم من أناس يكذبون على أنفسهم ويمنونها الأماني الكاذبة فيزيّن لنفسه ما حرَّم الله -تعالى-؛ فيتعامل بالربا ويكذب على نفسه، ويقول ضرورة عصرية ومعاملة بنكية، تجده يسرف على نفسه بالمعاصي، ويقول طالما أن القلب أبيض لا يضرك شيء، تجده يترك الجُمَع والجماعات ويبارز الله في الخلوات بالمحرمات، ويقول: إن الله غفور رحيم، وهذا هو الكذب بعينه ولكن نتيجته مضرة وعاقبته وخيمة ونهايته أليمة.

 إننا ينبغي علينا أن نكون صادقين مع أنفسنا، نرى عيوبنا ونقوم بإصلاحها، ومحاسبة النفس طريقة المؤمنين وسمة الموحدين وعنوان الخاشعين؛ فالمؤمن متّق لربّه محاسب لنفسه، مستغفر لذنبه يعلم أن النفس خطرها عظيم، وداؤها وخيم، ومكرها كبير، وشرها مستطير؛ فهي أمَّارة بالسوء ميَّالة إلى الهوى، داعية إلى الجهل، قائدة إلى الهلاك توّاقة إلى اللهو إلا من رحم الله، فلا تُترك لهواها؛ لأنها داعية إلى الطغيان، من أطاعها قادته إلى القبائح، ودعته إلى الرذائل، وخاضت به المكاره، وغوائلها عجيبة، ونزعاتها مخيفة، وشرورها كثيرة، فمن ترك سلطان النفس حتى طغى؛ فإن له يوم القيامة مأوى من جحيم،

{فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى}

[النازعات:37-39]

وعلى النقيض:

{وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}

[النازعات: 40-41]

 قال أبو الدرداء -رضي الله عنه-: "لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت نفسه في جنب الله، ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتًا"، وقال أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-: "مَن مقَت نفسه في ذات الله أمنه الله من مقته"

وقال ميمون بن مهران -رحمه الله–: "لا يكون الرجل تقيًّا حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه"، وقال مالك بن دينار -رحمه الله-: "رحم الله عبدًا قال لنفسه: ألستِ صاحبة كذا وكذا، ثم ذمَّها ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله فكان لها قائدًا"

وقال قتادة -رحمه الله:

{وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا}

[الكهف:28]

قال: "أضاع أكبر الضيعة؛ أضاع نفسه، وعسى مع ذلك أن تجده حافظًا لماله، مضيعًا لدينه

  • المجال الثالث الصدق مع الناس ويكون ذلك بالصدق في الأقوال، والصدق في الأعمال، والصدق في الأحوال؛ فالصدق مع الناس علامة من علامات الإيمان والكذب علامة من علامات النفاق؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "أَرْبَعٌ إِذَا كُنَّ فِيكَ فَلَا عَلَيْكَ مَا فَاتَكَ مِنَ الدُّنْيَا: حِفْظُ أَمَانَةٍ، وَحُسْنُ خَلِيقَةٍ، وَصِدْقُ حَدِيثٍ، وَعِفَّةٌ فِي طُعْمَةٍ".

قال أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-:

"الصدق أمانة، والكذب خيانة".

وعن جرير بن عبد الله البجلي -رضي الله عنه- قال:

"بايعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم".وزاد ابن حبان: "فكان جرير بن عبد الله إذا بايع أحدًا قال: اعلم يا أخي أن ما أخذنا منك خير مما أعطيناك فاختر". كل هذا من النصح والصدق للمسلم والصدق مع الناس.

المقال السابق المقال التالى
موقع نصرة محمد رسول اللهIt's a beautiful day