1. المقالات
  2. منظومه الاخلاق في الأسلام
  3. أحوال الصادقين

أحوال الصادقين

29 2024/04/05 2024/05/18



الصدق هو عمدة الأخلاق، وأصل المحامد، ورأس المكارم، لذا يعتبر الصدق غذاء الإسلام وحياة الإيمان، ومن هذا نفهم أن أفضل وأميز ما يتصف به المسلم أن يكون صدقا..

فالمسلم صادق لا يكذب أبدا، وأفضل وأميز ما يتصف به المسلم الصادق، أنه صادق في كل أحواله، إذ الصدق ليس في الأقوال فقط، بل للصدق أحوال عدة، منها: 

  1. الصدق في الأقوال صدق الأقوال "أن يكون العبد صادقاً في إخباره عن شيء ما" فالمسلم يلتزم الصدق في الأقوال لأنه دليل الإيمان، كما أن الكذب دليل النفاق يقول صلى الله عليه وسلم: »أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا« ومنها .... »إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ«

أما المؤمن عكس ذلك إذا حدّث صدق، في شعر بطمأنينة في حياته وسكينة في أحواله، يقول صلى الله عليه سلم: »مِنْ حُسْنِ إِسْلاَمِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيهِ، والصِّدقَ طُمَأنِينَةٌ، وَالكَذِبَ رِيبَةٌ« 

  1. الصدق في الأفعال: أن يأتي العمل مطابقاً للقول، فيستوي في أفعاله الأمر والمتابعة؛ فيأتمر بما أمر الله ويتَبِع ما أمره اللهُ أن يتبعه، وهذا من أخطر الأمور أن يصدق العبد في أفعاله، فتأتي أفعاله مطابقة لأقواله، فتستوي سريرةُ العبد وعلانيته، فلا يخالف عملُه قولَه؛ فهذا عين الصدق، وخلاف ذلك هو الكذب والنفاق.

يقول الحسن البصري رحمه الله: "يُعدُّ من النفاق اختلاف القول والعمل، واختلاف السر والعلن، والمدخل والمخرج، وأصل النفاق والذي بني عليه هو الكذب".

فالصادق حقا هو من يستوي سره وعلانيته، وظاهره وباطنه، فلا تُكذب أحوال المسلم أعماله، ولا أعماله أحواله"

فإذا استوت سريرة المسلم وعلانيته فذلك الإنصاف، وقد أفلح من وافق عمله قوله، فعن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه: "أن أعرابيًّا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثائرَ الرأس، فقال: يا رسول الله، أخبرني ماذا فرض الله عليَّ من الصلاة؟ فقال: ((الصلوات الخمس، إلا أن تطوَّع شيئًا))، فقال: أخبرني بما فرض الله عليَّ من الصيام؟ فقال: ((شهر رمضان، إلا أن تطوع شيئًا))، قال: فأخبرني بما فرض الله عليَّ من الزكاة؟ قال: فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرائع الإسلام، قال: والذي أكرمك بالحق، لا أتطوع شيئًا، ولا أنقص مما فرض الله عليَّ شيئًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أفلح إن صدق - أو دخل الجنة إن صدق)).

  1. الصدق في النية والإرادة: ومرجع ذلك إلى الإخلاص، فمن قصد بعمل الآخرة الدنيا، وخالط عملَه شوبٌ من حظوظ النفس، بَطَل صدقُ النية، وصاحبه كاذب في نيته، كما في حديث الثلاثة: العالم والقارئ، والمجاهد، والمتصدق، فلما قال القارئ: قرأت القرآن... إلى آخره"، إنما كذَّبه الله تعالى في إرادته ونيته، لا في نفس القراءة، وكذلك صاحباه.

  • ومن يصدق الله في نيته وإرادته، يصدقه الله تعالى: فعن شداد بن الهاد: "أن رجلاً من الأعراب جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه، ثم قال: أهاجر معك، فأوصى به النبي صلى الله عليه وسلم بعض الصحابة، فلما كانت غزوة، غنم النبي صلى الله عليه وسلم سَبْيًا، فقسم وقسم له، فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم، فلما جاء دفعوه إليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: قَسْمٌ قسمه لك النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذه فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما هذا؟ قال: ((قسمته لك))، قال: ما على هذا اتبعتك، ولكني اتبعتك على أن أرمى إلى ها هنا - وأشار إلى حلقه - بسهم، فأموت؛ فأدخل الجنة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن تصدق الله يصدقك))، فلبثوا قليلاً، ثم نهضوا في قتال العدو، فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم يحمل قد أصابه سهم حيث أشار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أهو هو؟!))، قالوا: نعم، قال: ((صدق الله فصدقه)).

  • صدق النية يصل بصاحبه إلى أعلى المقامات، فعن سهل بن حنيف رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن سأل الله الشهادة بصدق، بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه)).

  1. الصدق في العزم: بأن يعزم العبد على أمر أن يفعله، ويتمم عزمه ونيته فلا يغيرها ولا يبدلها، ومثاله: أن يعزم الإنسان على شيء يعود عليه بالنفع في دينه، كأن يعزم على الحج - مثلاً - إن آتاه الله مالاً، أو يتصدق، فيأتيه المال فلا يفعل ما نواه وعزم عليه، فهذا قد خالف ما عاهد الله عليه،

    قال تعالى:

    ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾

    [التوبة75: 77]

    ، فجعل الله العزم عهدًا ووعدًا، وجعل الخلف فيه كذبًا، والوفاء به صدقًا.

  2. الصدق في مقامات الدين، وهي أن يحرص العبد على مستوى إيمانه وتثبيت أركانه في القلب، وهو من أعلى الدرجات، كالصدق في حسن التوكل على الله فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن رجلاً من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال: ائتني بالشهداء أشهدهم، فقال: كفى بالله شهيدًا، قال: فائتني بالكفيل، قال: كفى بالله كفيلاً، قال: صدقت، فدفعها إليه إلى أجل مسمًّى، فخرج في البحر فقضى حاجته، ثم التمس مركبًا يركبها يقدم عليها للأجل الذي أجَّله، فلم يجد مركبًا يركبها، فأخذ خشبه فنقرها، فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبه، ثم زجَّج  موضعها، ثم أتى بها إلى البحر، فقال: اللهم إنك تعلم أني تسلفت فلانًا ألف دينار، فسألني كفيلاً، فقلت: كفى بالله كفيلاً، وسألني شهيدًا، فقلت: كفى بالله شهيدًا، فرضي بك، وإني جهدت أن أجد مركبًا أبعث إليه الذي له فلم أجد، وإني أستودعكها، فرمى بها إلى البحر حتى ولجت فيه، ثم انصرف، فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعله يجد مركبًا قد جاء بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطبًا، فلما نشرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الذي أسلفه، فأتى بالألف دينار، وقال: ما زلت جاهدًا في طلب مركب لآتيك بمالك، فما وجدت مركبًا قبل الذي أتيت فيه، قال: كنت قد بعثتَ لي شيئًا؟ قال: أخبرتك أني لم أجد مركبًا قبل الذي جئت فيه، قال: فإن الله قد أدَّى عنك الذي بعثت في الخشبة، فانصرِف بالألف دينار راشدًا"، فهذا هو الصدق في التوكل على الله تعالى، ومن توكل على الله بصدق كفَاه.

  3. الصدق في الخوف: هو أن يعيش العبد في حياته على خوف من الله وعقابه يرجو ثوابه ويخشى عقابه، فلو أن رجلاً علم أن السلطان يطلبه ويريد أن يبطش به، فإنه ترتعد فرائصه، ويصفر وجهه؟ ولله المثل الأعلى.

فكثير من الناس يقولون بألسنتهم: نخاف الله، مع ذلك تجدهم يتجرؤون عليه، ويبارزونه بالمعاصي، وينتهكون محارمه، ويتعدون حدوده، وتراهم يخافون من النار، ولا يظهر عليهم شيء من ذلك عند فعل المعصية، فإن هذا الخوف كاذب، وليس خوفًا حقيقيًّا صادقًا.

  1.  الصدق في أعمال القلوب: وهو التوجه بقلبه إلى ربه في كل أحواله وعباداته، كالرجاء، والزهد، والرضا، والحب، والتوبة... وغير ذلك من أعمال القلوب، التي لا يطلع عليها إلا علاَّم الغيوب، فيجعلها كلها لله، ولا يجعل لأحد غيره فيها شيئا.

فما أجمل ان يتحلى الناس بهذا الخلق في كل أحوالهم ويتخلقوا به في كل معاملاتهم.

المقال السابق المقال التالى
موقع نصرة محمد رسول اللهIt's a beautiful day