عدل النبي بين ازواجه _ العدل بين النساء في الحكم بينهن

العدل بين النساء في الحكم بينهن

المظهر الآخر للعدل بين النساء هو العدل بينهن في الحكم فيما شجر بينهن ، وهو مطلوب شرعا ، لدخوله في عموم قوله تعالى : {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً } [1].

وكان النبي صلى الله عليه و سلم يساوي بين نسائه في المعاملة ويعدل بينهن في القضية ، ولو كان في أمر يسير مما يحدث بين الضرائر ،عن عائشة رضيَ الله عنها قالت : زارتنا سودة يوما فجلس رسول الله صلى الله عليه و سلم بيني وبينها ، إحدى رجليه في حجري ، والأخرى في حجرها ، فعملت له حريرة ، أو قال خريرة ، قلت : كلي ، فأبت ، فقلت : لتأكلين أو لألطخن وجهك ، فأبت ، فأخذت من القصعة شيئا فلطخت به وجهها ، فضحك رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فرفع رسول الله صلى الله عليه و سلم رجله من حجرها ، لتستقيد مني ، وقال لها : لطخي وجهها ) فأخذت من الصحفة شيئا ، فلطخت به وجهي ، ورسول الله صلى الله عليه و سلم يضحك )) [2].

وهذه القصة الطريفة وإن كانت تعكس صورة من الدعابة والفرح في البيت النبوي الكريم ، إلا أنها انطوت على خصلة أصيلة في رسول الله صلى الله عليه و سلم ألا وهي كراهة الظلم والتعدي على كرامة الناس وحرمتهم ، حيث أعطى أهله وهن في غمرة الفكاهة درسا في العدل والاحترام المتبادل .

وفي مشهد آخر أشد حدة وأبلغ أثرا نرى النبي صلى الله عليه و سلم يرسخ هذا المبدأ ويرد الحق لأهله بلا مجاملة ولا تلكؤ ، عن أنس tقال : كان النبي صلى الله عليه و سلم عند بعض نسائه ، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنات بصحفة فيها طعام ، فضربت التي النبي صلى الله عليه و سلم في بيتها يد الخادم ، فسقطت الصحفة فانفلقت ، فجمع النبي صلى الله عليه و سلم فلق الصحفة ، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة ويقول : غارت أمكم )) ثم حبس الخادم حتى أتي بصحفة من عند التي هو في بيتها ، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كسرت صحفتها ، وأمسك المكسورة في بيت التي كسرت )) [3].

قال ابن حجر رحمه الله : وفي الحديث حسن خلقه صلى الله عليه و سلم وإنصافه وحلمه )) [4].

أما حسن خلقه صلى الله عليه و سلم فيدل عليه حسن تعامله مع أهله وملاطفتهن بجلوسه بين الزائرة والمزورة ووضع رجليه على حجريهما ، وتفهمه صلى الله عليه و سلم للدوافع المكرهة على بعض الأعمال المشينة من الغيراء بقوله : غارت أمكم )) ، وكذلك ضحكه صلى الله عليه و سلم من طرافة تصرفات نسائه .

وأما عدله وإنصافه فيظهر من حكمه على التي كسرت صحفة أختها بأن دفعت صحفتها الصحيحة إلى صاحب الصحفة المكسورة وأبقت المكسورة عندها .

قصة مناشدة أزواج النبي صلى الله عليه و سلم إياه العدل في عائشة رضيَ الله عنهن :

لم يكن حب النبي صلى الله عليه و سلم لعائشة رضي الله عنها سرا مخفيا عن أحد من أزواجه ولا من أصحابه رضيَ الله عنهم أجمعين ، فقد صرح النبي بذلك في غير موضع ، وتصرف بتصرفات تعبر عن هذا الحب العميق ، غير أن أزواج النبي صلى الله عليه و سلم لم يستطعن أن يكتمن غيرتهن لعائشة ، وحسدهن إياها بهذه المنزلة ، فشكون ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وناشدنه أن يعدل بينهن ، وهذه قصة تلك الشكوى والمناشدة وسنتبعها بالشرح والبيان إن شاء الله تعالى .

عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها : أن نساء رسول الله صلى الله عليه و سلم كن حزبين : فحزب فيه عائشة وحفصة وصفية وسودة ، والحزب الآخر : أم سلمة وسائر نساء رسول الله صلى الله عليه و سلم ، وكان المسلمون قد علموا حب رسول الله صلى الله عليه و سلم عائشة ، فإذا كانت عند أحدهم هدية يريد أن يهديها إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم أخرها حتى إذا كان رسول الله صلى الله عليه و سلم في بيت عائشة بعث صاحب الهدية إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم في بيت عائشة ، فكلم حزب أم سلمة فقلن لها : كلمي رسول الله صلى الله عليه و سلم يكلم الناس ، من أراد أن يهدي إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم هدية فليهدها إليه حيث كان من بيوت نسائه ، فكلمته أم سلمة بما قلن لها ، فلم يقل شيئا ، فسألنها فقالت : ما قال لي شيئا ، فقلن لها فكلميه ، قالت : فكلمته حين دار إليها أيضا ، فلم يقل لها شيئا ، فسألنها فقالت : ما قال لي شيئا ، فقلن لها كلميه حتى يكلمك ، فدار إليها فكلمته ، فقال لها : لا تؤذيني في عائشة ، فإن الوحي لم يأتني وأنا في ثوب امرأة إلا عائشة ، قالت : فقلت : أتوب إلى الله من أذاك .

ثم إنهن دعون فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم تقول : إن نسائك ينشدنك الله العدل في بنت أبي بكر فكلمته فقال صلى الله عليه و سلم : يا بنية ألا تحبين ما أحب ؟ قالت : بلى ، فرجعت إليهن فأخبرتهن ، فقلن : ارجعي إليه ، فأبت أن ترجع ، فأرسلن زينب بنت جحش فأتته فأغلظت ، وقالت : إن نسائك ينشدنك العدل في بنت ابن أبي قحافة ، فرفعت صوتها ، حتى تناولت عائشة ، وهي قاعدة فسبتها ، حتى إن رسول الله صلى الله عليه و سلم لينظر إلى عائشة هل تكلم ، قال : فتكلمت عائشة ترد على زينب حتى أسكتتها ، قالت : فنظر النبي صلى الله عليه و سلم إلى عائشة فقال : إنها بنت أبي بكر )) [5].

وفي القصة فوائد ودروس ولعل من أهمها ما يلي :

شدة غيرة نساء النبي صلى الله عليه و سلم .
لا يعرف كثير من الناس من غيرة نساء النبي صلى الله عليه و سلم إلا ما كان من عائشة رضيَ الله عنها ، وذلك لشهرتها وكونها أشد من غيرة غيرها من النساء ، لأنها أصغر منهن وأكثرهن حبا لرسول الله صلى الله عليه و سلم .

والواقع أنهن جميعا كن متصفات بهذه الغيرة الشديدة ، غير أن بعضهن كن أصبر وأكتم لما في قلوبهن من بعض ، و رأت نساء النبي صلى الله عليه وسلم التفضيل بينهن وبين عائشة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فانتهى صبرهن وهاجت غيرتهن ، فهرعن إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم يناشده العدل بين نسائه ، فأرسلن إحداهن إليه ثلاث مرات فلم يجبها ، وفي الأخيرة أسكتها بقوله صلى الله عليه و سلم : لا تؤذيني في عائشة )) فانتهت ، غير أنهن لم يتركن المناشدة فأرسلن إليه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم فوعظها بقوله صلى الله عليه و سلم يا بنية ألا تحبين من أحب )) فاتعظت وقالت : بلى .

ولكن لم تيأس نساء رسول الله فأرسلن مرة أخرى واحدة منهن فجاءت بوجه غير وجه من سبقتها فأغلظت الكلام لرسول الله صلى الله عليه و سلم ، ولم تكتف بذلك وسبت عائشة ، وردت عليها بالمثل ، وكان جواب رسول أن التفت إلى عائشة وقال : إنها ابنة أبي بكر )) .

مناشدة نساءه إياه شيئا ليس مما يملك .
ليس في هذه القصة ما يدل على أن رسول الله ظلم نسائه أو بخسهن شيئا من حقوقهن ، فالذي أغاظ قلوب نساء رسول الله صلى الله عليه و سلم واضح وجلي وهو تصرف الصحابة الكرام في إهداء رسول الله صلى الله عليه و سلم الهدايا وهو في بيت عائشة . [6]

و إلا فقد كن جميعا يدركن محبة رسول الله صلى الله عليه و سلم عائشة أكثر من غيرها ، ولم يطالبن قط رسول الله بالتسوية بينهن وبين عائشة في المحبة ، لعلمهن باستحالة ذلك .

وليس في جواب رسول الله صلى الله عليه و سلم تعرض لفعل الصحابة لأنه لم يأمرهم بذلك ولم يطلبه منهم ، وإنما بين ما تعلق بشخصه من أسباب تفضيل عائشة في المحبة على غيرها .

من أسباب ميل قلبه صلى الله عليه و سلم لعائشة وحبها أكثر من باقي نسائه .
ذكر رسول الله صلى الله عليه و سلم في هذه القصة سببين من أسباب تفضيله عائشة في المحبة على سائر نسائه اللائي اجتمعن معها عنده .

السبب الأول :كون الوحي لم يأته وهو في لحاف امرأة غيرها ، وفي ذلك دليل على فضلها عليهن .

السبب الثاني :كونهاابنة أبي بكر )) وهو أول من آمن به من الرجال ، ومرافقه في الهجرة ، وصاحبه في الغار ، وخليفته من بعده ، وكانت عائشة تشبهه في حسن خلقه وكمال أدبه ، ومحبته لرسول الله وإيمانه به .

--------------------------------------------------------------------------------

[1]سورة النساء الآية 58

[2]السنن الكبرى للنسائي ( 5 / 291 )

[3]صحيح البخاري ( 5 / 2003 )

[4]فتح الباري ( 5 / 126 )

[5]صحيح البخاري ( 2 / 911 ) صحيح مسلم ( 4 / 1891 )

[6]حقوق النساء في الإسلام وحظهن من الإصلاح المحمدي العام ص 115

المقال السابق المقال التالى