برَّهم والإحسان إليهم

برَّهم والإحسان إليهم .
من حقوق ذوي القربى البر والإحسان إليهم ، ويكون ذلك بالقول أو بالفعل ، أو بهما معا ، وكان النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بارا بأقاربه ومحسنا إليهم بكل أنواع البر وجميع صنوف الإحسان ، وفيما يلي بعض النماذج على ذلك :

النموذج الأول : إيتاء المال .

إن إيتاء المال لمن يحتاج إليه من الأقارب له أجران ، أجر الصدقة وأجر الصلة ، ولذلك قدم الله ذوي القربى على غيرهم ممن أمر بأن يؤتوا المال ، قال تعالى : { وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ } [1].

ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي أقاربه مما آتاه الله من المال عملا بأمر الله تعالى ، وصيانة لهم من ذل السؤال ، وحفظا لهم من أوساخ الناس صلى الله عليه و سلم الصدقات ) التي لا تحل لهم .

وقد أعطى عمه العباس بن عبد المطلب من المال ما لم يستطع حمله ، صلى الله عليه و سلم صلى الله عليه و سلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه : أن العلاء الحضرمي بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من البحرين بثمانين ألفا ، فما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم مال أكثر منه ، لا قبلها ولا بعدها ، فأمر بها فنثرت على حصير ، ونودي بالصلاة ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يميل على المال قائما ، فجاء الناس فجعل يعطيهم ، وما كان يومئذ عد ولا وزن ، وما كان إلا قبضا ، فجاء العباس فقال : يا رسول الله إني أعطيت فدائي وفداء عقيل يوم بدر ، ولم يكن لعقيل مال ، أعطني من هذا المال ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خذ )) فحثى في خميصة كانت عليه ، ثم ذهب ينصرف فلم يستطع ، فرفع رأسه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ارفع علي ، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم )) [2].

وممن أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم مالا يذكر عمته صفية بنت عبد المطلب ، حيث أعطاها أربعين وسقا من التمر لما فتح خيبر ، كما تقدم في ترجمتها رضيَ الله عنها .

النموذج الثاني : الملاطفة في القول .

فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يلاطف أقاربه في الكلام ويحسن القول لهم ، كنوع من أنواع البر والإحسان ، ومما حفظ من ذلك ما يلي :

أولا : قوله لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه : أنت مني بمنزلة هارون من موسى )) .

ومناسبة هذا القول هي لما استخلفه النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك على أهله ، فقال رضي الله عنه أتستخلفني على النساء والصبيان ؟ ، كأنه كره ذلك ! فبين له النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يستخلفه على أهله لتحقيره أو إيثار غيره عليه ، وإنما لعظم منزلته لديه ولثقته به وقربه منه ، كما استخلف موسى أخاه هارون عليهما السلام لما ذهب لميقات ربه ، كما في قوله تعالى : {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ } [3].

وقد فهم بعض الطوائف من هذه المقولة أولوية علي رضي الله عنه بالخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو فهم سقيم بلا شك ، وقد رد أهل العلم على القائلين بذلك ، قال القاضي عياض رحمه الله :وليس فيه دلالة لاستخلافه بعده ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قال هذا لعلي حين استخلفه في المدينة في غزوة تبوك ، ويؤيد هذا أن هارون المشبه به لم يكن خليفة بعد موسى ، بل توفي في حياة موسى بنحو أربعين سنة على ما هو مشهور عند أهل الأخبار والقصص ، قالوا : وإنما استخلفه حين ذهب لميقات ربه للمناجاة ، والله أعلم )) [4].

ثانيا : قوله صلى الله عليه وسلم لجعفر رضي الله عنه أشبهت خلقي وخلقي )) .

ومناسبة هذا القول هي لما اختصم علي وزيد بن حارثة وجعفر رضيَ الله عنهم في كفالة أمامة بنت حمزة بن عبد المطلب فقال علي : أنا أحق بها وهي ابنة عمي ، وقال جعفر : ابنة عمي ، وخالته تحتي ، وقال زيد : ابنة أخي ، فقضى بها النبي صلى الله عليه وسلم لخالتها وقال : الخالة بمنزلة الأم )) وقال لعلي : أنت مني ، وأنا منك )) وقال لجعفر : أشبهت خلقي وخلقي )) وقال لزيد : أنت أخونا ومولانا )) [5].

وفيه منقبة عظيمة وفضل كبير لجعفر رضي الله عنه حيث جمع الله تعالى له بين شبه النبي في خلقه شبه في خلقه .

النموذج الثالث : الحزن بما تحل عليهم من المصائب .

إن من إحسان المرء إلى ذوي قرابته ورحمه أن يواسيهم بمصائبهم ويحزن عليهم ، كما يشاركهم في أفراحهم ومناسباتهم السعيدة ، سواء بسواء .

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحزن أشد الحزن على ما يصيب أقاربه من مصائب ويتألم لألمهم ، فقد حزن على موت أبي طالب على دين قومه حزنا شديدا ، حتى عاتبه ربه على ذلك في قوله تعالى : {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } [6]، والقصة في الصحيحين : عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال : لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة ، فقال : أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله ، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية : أترغب عن ملة عبد المطلب ، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعيدانه بتلك المقالة ، حتى قال أبو طالب هو على ملة عبد المطلب ، وأبى أن يقول لا إله إلا الله ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك ، فأنزل الله {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ } [7]وأنزل الله في أبي طالب فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم { إنك لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } [8] ) [9].

ويجدر التنبيه هنا إلى أن الهداية المنفية هنا عن النبي صلى الله عليه وسلم هي هداية التوفيق وخلق الإيمان في القلوب ، فإن ذلك لا يقدر عليه إلا الله تعالى ، أما هداية الإرشاد والدلالة إلى الحق فهي

وظيفة الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام قال تعالى : {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } [10]، وهي أيضا من واجبات ورثتهم من العلماء والمصلحين قال تعالى : { وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ } [11].

ولما استشهد جعفر رضي الله عنه في غزوة مؤتة أتى إلى أهله يؤاسيهم ويصبرهم ، قالت أسماء بنت عميس رضيَ الله عنها : لما أصيب جعفر وأصحابه دخلت علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد دبغت أربعين منيئة ، وعجنت عجينتين ، وغسلت بني ، ودهنتهم ونظفتهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ائتني ببني جعفر ، قالت فأتيته بهم ، فشمهم وذرفت عيناه ، فقلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي ما يبكيك ؟ أبلغك عن جعفر وأصحابه شيء ؟ قال : نعم ، أصيبوا هذا اليوم )) فخرجت أصيح ، واجتمع إلي النساء وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله فقال : لا تغفلوا آل جعفر من أن تصنعوا لهم طعاما ، فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم )) .

----------------------------------

[1]سورة البقرة الآية 177

[2]المستدرك على الصحيحين ( 3 / 372 )

[3]سورة الأعراف الآية 142

[4]شرح صحيح مسلم للنووي ( 15 / 174 )

[5]صحيح البخاري ( 4 / 1551 )

[6]سورة القصص الآية 56

[7]سورة التوبة الآية 113

[8]سورة القصص الآية 56

[9]صحيح البخاري ( 4 / 1789 ) ، صحيح مسلم ( 1 / 45 )

[10]سورة الشورى الآية 52

[11]سورة الأنبياء الآية 73

المقال السابق المقال التالى