جُودُ النَّبيِّ صلى الله عليه و سلم

المقال مترجم الى : English

أَمَّا الجُودُ والكَرَمُ والسَّخاءُ والسَّماحَةُ, فَقَدْ كَانَ صلى الله عليه و سلم لَا يُوازَى في هَذِهِ الأخلاقِ الكريمةِ.

وَكَانَ جُوده صلى الله عليه و سلم شَامِلاً كلَّ مَرَاتِبِ الجُودِ، الَّتِي أَعْلَاها الجودُ بالنَّفْسِ فِي سَبِيل اللهِ تَعَالى كَمَا قِيل:

يَجُـودُ بالنَّفْسِ إِنْ ضَنَّ الْبَخِيلُ بِهَا

وَالجْـُودُ بِـالنَّفْسِ أَقْصَـى غَـايَةِ الْـجُودِ

فَكَانَ صلى الله عليه و سلم يَجُودُ بنفْسِه فِي مُجاهَدَةِ أَعْدَاءِ اللهِ تَعَالَى، فَكَانَ أَقْربَ النَّاسِ مِنَ العدُوِّ فِي المعْركَةِ، وكان الشُّجَاعُ الَّذِي يُحازِيه أَوْ يَقِفُ بِجوِارِه.

وَكانَ صلى الله عليه و سلم يَجُود بعلْمِه, فَيُعِلِّم أصْحَابه ممّا علَّمه اللهُ تَبارك وتَعَالَى، وَيَحْرِصُ عَلَى تَعلِيمِهمُ الْخَيرَ، ويرفقُ بِهمْ فِي التَّعْلِيم، ويَقُول: "إِنَّ اللهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنّتًا وَلَا مُتَعَنِّتًا، وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا" [رواه مسلمُ].

وَقَالَ: "إِنَّما أَنَا لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الوَالِدِ أَعُلِّمُكُمْ" [رواه أحمد وأبوداود وحسنه الألبانيُّ].

وَكانَ إِذَا سألَهُ السَّائِلُ عَنْ حُكْمٍ رُبَّما زَادَه فِي الإِجَابَةِ، وَهَذَا مِنَ الجُودِ بِالْعِلْمِ، فَقَدْ سَأَلَهُ بَعضُهمْ عَنْ طَهَارَةِ مَاءِ البَحْرِ فَقَالَ عَلَيْهِ الصلاةُ وَالسَّلامُ: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مِيَتُتُه" [رواه أحمدُ وأصحاب السُّنَنِ].

وَأَمَّا جُودُه صلى الله عليه و سلم بوقْتِه وَرَاحَتِه فِي سَبِيل قَضَاءِ حَوَائِجِ النَّاسِ وَالسَّعْيِ فِي مَصالِحهِمْ, فَهُوَ صلى الله عليه و سلم أَجْودُ النَّاسِ فِي هَذَا البَابِ, ويَكْفِي فِي ذَلِكَ أَنَّ الأمَةَ مِنْ أَهْلِ المدينةِ كَانتْ تَأْخُذُ بِيَدِه صلى الله عليه و سلم فتنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ مِنَ المَدِينةِ فِي حَاجَتِها. [رواه ابن ماجه وصححه الألباني].

وَيَدُلُّ عَلَى عِظَمِ جُودِ النبيِّ صلى الله عليه و سلم مَا رَواهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه قَالَ: "مَا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه و سلم شَيْئًا قَطُّ فَقَالَ: لَا". [متَّفقٌ عليْهِ].

وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: مَا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه و سلم عَلَى الْإِسْلَامِ شَيْئًا إِلَّا أَعطاهُ. قَالَ: فَجَاءَهُ رَجُلٌ, فأعْطَاهُ غَنمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَرَجَعَ إِلى قَوْمِه فَقَالَ: يَا قَوْمِ أَسْلِمُوا, فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعطِي عَطَاءً لَا يخْشَى الفَاقةَ. [رَوَاهُ مُسْلِمُ].

قَالَ أَنَسٌ: إِنْ كَانَ الرَّجُلُ ليسْلِمُ مَا يُريدُ إِلَّا الدنْيَا، فَما يُمْسِي حَتَّى يكُونَ الْإِسْلَامُ أَحَبَّ إِلَيْه مِنَ الدُّنْيا وَمَا عَلَيْها.

وَأَعْطَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه و سلم صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ ثلاثمائةً مِنَ النَّعَمِ بَعدَ غَزْوَةِ حُنَيْنٍ. فَقَالَ: "وَاللهِ لَقَدْ أَعْطَانِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه و سلم مَا أَعْطَانِي, وَإِنَّهُ لَأَبْغَضُ النَّاسِ إِليَّ, فَمَا بَرِحَ يُعْطِينِي حَتَّى إِنَّه لَأَحَبُّ النَّاسِ إِليَّ" [رواه مسلم].

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه و سلم أَجْوَدَ النَّاسِ بالخيْرِ، وَكَانَ أَجْودَ مَا يكُونُ فِي شَهْرِ رَمضَانَ، حِينَ يَلْقَاهُ جِبْريلُ – عَلَيْهِ السَّلامُ – فيُدَارِسُه القُرْآنَ، فَلرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه و سلم أَجْودُ بالخيْرِ مِنَ الرِّيْحِ المرْسَلةِ [متفقٌ عَلَيْهِ].

وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ رضي الله عنه قَالَ: بَينَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه و سلم وَمَعَهُ النَّاسُ مَقْفَله مِنْ حُنَيْنٍ, عَلِقتْ بِهِ الأعْرابُ يسْأَلونَهُ, حَتَّى اضطَرُّوهُ إِلى سَمُرة، فَخَطَفت رِداءَهُ, فَوَقَفَ رسُولُ اللهِ صلى الله عليه و سلم فَقَالَ: "رُدُّوا عَلَيَّ رِدَائِي, فَوَاللهِ لَوْ كَانَ لي عَدَدُ هَذِه العضَاه نَعَمًا، لقَسَمْتُه بَيْنَكُمْ, ثُمَّ لَا تَجِدُوْنِي بَخِيْلاً, وَلَا كَذَّابًا وَلَا جَبَانًا" [رواهُ البُخارِيُّ].

وَكَانَ الجُودُ خُلُقَ نبيِّنا صلى الله عليه و سلم حَتَّى قَبِلَ البَعْثَةِ، فَإِنَّه لَما نَزَلَ عَلَيْهِ المَلَكُ بِحِرَاءٍ، وَجَاءَ إِلى خَدِيجَةَ يَرْتَجِفْ، قَالتْ لَه: كَلَّا وَاللهِ لَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبدًا؛ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ, وَتَحْمِلُ الكَلَّ, وَتُكْسِبُ المعْدُومَ, وتُعِينُ عَلَى نَوِائِبِ الحَقِّ.

وَقَالَ أَنَسٌ: كَان النبيُّ صلى الله عليه و سلم لَا يدَّخِرُ شَيْئًا لِغدٍ. [رَواهُ الترْمِذِيُّ وصحَّحه الألبانيُّ].

وَعَنْ أَبِي سعيدٍ رضي الله عنه قَالَ: سَأَل نَاسٌ مِنَ الأنْصَارِ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه و سلم، فَأَعْطَاهُمْ مَا سَألُوه, ثُمَّ سَألُوه فَأعْطَاهُمْ مَا سَألُوه, ثُمَّ سَألُوه فأعْطاهُمْ مَا سَألُوه، حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا عِنْدَه قَالَ: "مَا يَكُونُ عِنْدِي فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ, وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطاءً هُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَوْسَعُ مِنَ الصَّبْرِ [رواهُ أصْحابُ السُّننِ].

المقال السابق