مقتل خبيب رضي الله عنه

26 ـ مقتل خبيب رضي الله عنه


* عن أبي هريرة ، قال : بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية عينا ، وأمر عليهم عاصم بن ثابت وهو جد عاصم بن عمر بن الخطاب .


فانطلقوا حتى إذا كانوا بين عسفان ومكة ، ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان ، فتبعوهم بقريب من مائة رام ، فاقتصوا آثارهم حتى أتوا منزلا نزلوه فوجدوا فيه نوى تمر تزودوه من المدينة فقالوا : هذا تمر يثرب فتبعوا آثارهم حتى لحقوهم .


فلما انتهى عاصم وأصحابه لجأوا إلى فدفد ، وجاء القوم فأحاطوا بهم فقالوا : لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا ألا نقتل منكم رجلاً . فقال عاصم : أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر ، اللهم أخبر عنا رسولك .


فقاتلوهم حتى قتلوا عاصما في سبعة نفر بالنبل .


وبقي خبيب وزيد ورجل آخر ، فأعطوهم العهد والميثاق ، فلما أعطوهم العهد والميثاق نزلوا إليهم ، فلما استمكنوا منهم حلوا أوتار قسيهم فربطوهم بها، فقال الرجل الثالث الذي معهما : هذا أول الغدر ! فأبى أن يصحبهم. فجروه وعالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل ، فقتلوه .


وانطلقوا بخبيب وزيد حتى باعوهما بمكة ، فاشترى خبيبا بنو الحارث بن عامر بن نوفل ،وكان خبيب هو قتل الحارث يوم بدر ، فمكث عندهم أسيراً حتى إذا اجمعوا قتله استعار موسى من بعض بنات الحارث يستحد بها فأعارته


قالت : فغفلت عن صبي لي فدرج إليه حتى أتاه فوضعه علىفخذه ، فلما رأيته فزعت فزعة عرف ذلك مني ، وفي يده الموسي فقال : أتخشين أن اقتله ؟ ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله .


وكانت تقول : ما رأيت أسيرا قط خيراً من خبيب ، لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما بمكة يومئذ من ثمرة ، وإنه لموثق في الحديد وما كان إلا رزقاً رزقه الله .


فخرجوا به من الحرم ليقتلوه فقال : دعوني أصلي ركعتين ، ثم انصرف إليهم فقال : لولا أن تروا ما بي جزع من الموت لزدت . فكان أول من سن الركعتين عند القتل هو . ثم قال : اللهم أحصهم عدداً وأقتلهم بدداً . ثم قال :


ولست أبالي حين أقتل مسلما على أي شق كان في الله مصرعي


وذلك في ذات الإلة وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع


قال : ثم قام إليه عقبة بن الحارث فقتله ، وبعثت قريش إلى عاصم ليؤتوا بشيء من جسده يعرفونه ،وكان عاصم قتل عظيما من عظمائهم يوم بدر ، فبعث الله عليه مثل الظلة من الدبر فحمته من رسلهم فلم يقدروا منه على شيء


· عن عقبة بن الحارث ، قال : سمعته يقول : والله ما أنا قتلت خبيباً ، لأن كنت أصغر من ذلك ، ولكن أبا ميسرة أخا بني عبد الدار أخذ الحربة فجعلها في يدي ، ثم أخذ بيدي وبالحربة ثم طعنه بها حتى قتله .


غريب القصة :


ـ سرية : طائقة من أنفس الجيش .


ـ عسفان : قرية بين مكة والمدينة ، وسميت بهذا الاسم لتعسف السيل فيها كما سميت الأيواء لتبوء السيل بها .


ـ بنو لحيان : لحيان هو ابن هذيل بن مدركة بن الياس بن مضر .


ـ فدفد : رابية مشرقة أي مرتفعة .


ـ أوتار قسيهم : الأوتار جمع وتر والقسى جمع قوس .


- استعار موسى : الموسي آلة حادة يستحد بها أي يتطلب بها أي يحلق بها عانته .


ـ فغفلت عن صبي لي فدرج : أي عن سهو منها حتى أتاني هذا الصبي .


ـ القطف : العنقود من العنب .


ـ أوصال شلو ممزع : الأوصال جمع وصل وهو العضو ، والشلو الجسد ، والممزع المقطع .


ـ الظلة من الدبر : السحابة ، والدبر الزنابير .


الفوائد والعبر :


1- جواز اتخاذ العيون لمراقبة الاعداء .


2- فيه من العلم أن المسلم يجالد العدو إذا أزهق ولايستأسر له ما قدر على الامتناع منه ، وإنما استحد خبيب خوفا أن تظهر عورته إذا صلبوه ، ثم أنه من السنة ،فاستعمله مجهزا للموت ( قاله الخطابي ) وقال ابن حجر : ( للأسير أن يمتنع من قبول الأمان ولا يمكن من نفسه ولو قتل ، أنفة من أنه يجري عليه حكم كافر ، وهذا إذا أراد الأخذ بالشدة ، فإن أراد الأخذ بالرخصة فله أن يستأمن ، قال الحسن البصري : لا بأس بذلك وقال سفيان : أكره ذلك ) .


3- حفظ الله للعبد المؤمن الصالح بعد وفاته .


4- الوفاء للمشركين بالعهد ، والتورع عن قتل أولادهم ، والتلطف بمن أريد قتله .


5- إثبات كرامة الأولياء .


6- الدعاء على المشركين بالتعميم .


7- الصلاة عند القتل .


8- إنشاء الشعر وانشاده عند القتل .


9- قوة يقين خبيب وشدته في الدين .


10- أن الله يبتلي عبده المسلم كما سبق في علمه ليثيبه ، ولو شاء ربك ما فعلوه .


11- استجابة دعاء المسلم وإكرامه حيا وميتا.


12- فيه علامة من علامات نبوته بإجابة دعوة عاصم بأن أخبر الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بالخبر قبل بلوغه على آلسنة المخلوقين .(قال العيني 14/294) .


المقال السابق المقال التالى