النداء الثامن و السبعون : وجوب النظر لما يقدم الإنسان لآخرته

الكاتب : علي بن نايف الشحود

النداء الثامن و السبعون :وجوب النظر لما يقدم الإنسان لآخرته

قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (19) لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (20) }سورة الحشر

يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِتَقْوَاهُ ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَفْعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ ، وَأَنْ يَتْرُكُوا مَا نَهَاهُم عَنْهُ ، وَلْيَنْظُرْ كُلُّ وَاحدٍ مِنْهُمْ مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَل صَالِحٍ يَنْفَعُهُ فِي آخِرَتِهِ يَوْمَ الحِسَابِ ، ثُمَّ يُؤْكِّدُ تَعَالى الأَمْرَ بِتَقْوَاهُ ، مُبَيِّناً أَنَّهُ عَلِيمٌ بِأْحْوالِ العِبَادِ ، جَمِيعِهَا ، وَسَيُحَاسِبُهُمْ عَلَيْهَا .

وَلاَ يَكُنْ حَالُكُمْ كَحَالِ قَوْمٍ نَسُوا ذِكْرَ اللهِ فَأَنْسَاهُمُ اللهُ العَمَلَ الصَّالِحَ الذِي يَنْفَعُهُمْ فِي آخِرَتِهِمْ ، وَيُنْقِذُ أَنْفُسَهُمْ يَوْمَ الحِسَابِ مِنَ العَذَابِ . وَهَؤُلاَءِ الذِينَ نَسُوا اللهَ ذَكْرَهُ ، وَفِعْلَ الخَيْرِ ، هُمُ الفَاسِقُونَ الخَارِجُونَ عَنْ طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى .

وَلاَ يَسْتوِي فِي حُكْمِ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ ، أَهْلُ النَّارِ وَأَهْلُ الجَنَّةِ ، وَأَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمُ الفَائِزُونَ بِرِضْوَانِ اللهِ وَجَنَّتِهِ .

والتقوى حالة في القلب يشير إليها اللفظ بظلاله ، ولكن العبارة لا تبلغ تصوير حقيقتها حالة تجعل القلب يقظاً حساساً شاعراً بالله في كل حالة . خائفاً متحرجاً مستحيياً أن يطلع عليه الله في حالة يكرهها . وعين الله على كل قلب في كل لحظة . فمتى يأمن أن لا يراه؟!

{ ولتنظر نفس ما قدمت لغد } . .

وهو تعبير كذلك ذو ظلال وإيحاءات أوسع من ألفاظه . . ومجرد خطوره على القلب يفتح أمامه صفحة أعماله بل صفحة حياته ، ويمد ببصره في سطورها كلها يتأملها وينظر رصيد حسابه بمفرداته وتفصيلاته . لينظر ماذا قدم لغده في هذه الصفحة . . وهذا التأمل كفيل بأن يوقظه إلى مواضع ضعف ومواضع نقص ومواضع تقصير ، مهما يكن قد أسلف من خير وبذل من جهد . فكيف إذا كان رصيده من الخير قليلاً ، ونصيبه من البر ضئيلاً؟ إنها لمسة لا ينام بعدها القلب أبداً ، ولا يكف عن النظر والتقليب!

ولا تنتهي الآية التي تثير كل هذه المشاعر حتى تلح على القلوب المؤمنة بمزيد من الإيقاع :

{ واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون } . .

فتزيد هذه القلوب حساسية ورهبة واستحياء . . والله خبير بما يعملون . .

وبمناسبة ما تدعوهم إليه هذه الآية من يقظة وتذكر يحذرهم في الآية التالية من أن يكونوا { كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم } . . وهي حالة عجيبة . ولكنها حقيقة . . فالذي ينسى الله يهيم في هذه الحياة بلا رابطة تشده إلى أفق أعلى ، وبلا هدف لهذه الحياة يرفعه عن السائمة التي ترعى . وفي هذا نسيان لإنسانيته . وهذه الحقيقة تضاف إليها أو تنشأ عنها حقيقة أخرى ، وهي نسيان هذا المخلوق لنفسه فلا يدخر له زاداً للحياة الطويلة الباقية ، ولا ينظر فيما قدم لها في الغداة من رصيد .

{ أولئك هم الفاسقون } . . المنحرفون الخارجون .

وفي الآية التالية يقرر أن هؤلاء هم أصحاب النار ، ويشير للمؤمنين ليسلكوا طريقاً غير طريقهم وهم أصحاب الجنة . وطريق أصحاب الجنة غير طريق أصحاب النار : { لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة . أصحاب الجنة هم الفائزون } . .

لا يستويان طبيعة وحالاً ، ولا طريقاً ولا سلوكاً ، ولا وجهة ولا مصيراً ، فهما على مفرق طريقين لا يلتقيان أبداً في طريق . ولا يلتقيان أبداً في سمة . ولا يلتقيان أبداً في خطة . ولا يلتقيان أبداً في سياسة . ولا يلتقيان أبداً في صف واحد في دنيا ولا آخرة . .

{ أصحاب الجنة هم الفائزون } . . يثبت مصيرهم ويدع مصير أصحاب النار مسكوتاً عنه . معروفاً . وكأنه ضائع لا يعني به التعبير!

المقال السابق المقال التالى